ذات صلة

الأكثر مشاهدة

للباطل صولة ثم يضمحل

كما ورد عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-:...

بعد 96 ساعة: إيران تُفشل “كسر الرأس” وتفرض معادلة حربٍ طويلة على “واشنطن وتل أبيب”

بعد مرور أربعة أيام كاملة (96 ساعة) على اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، بات واضحًا أن المشهد الميداني والسياسي يتجه بعكس الرهان الذي بُنيت عليه الضربة الافتتاحية: “قطع الرأس” لإرباك الجسد، ثم فتح نافذة قصيرة لتأجيج الداخل وإعلان “سقوط النظام” كعنوانٍ حاسم. غير أن ما تَشكّل على الأرض – بحسب سلسلة البيانات والتطورات المتلاحقة – هو صورة مختلفة تمامًا: تماسكٌ مؤسساتي سريع، انتقالٌ من منطق “رد الفعل” إلى “إدارة حرب”، واتساعٌ مدروس لساحات الاشتباك من العمق الإيراني إلى القواعد الأمريكية في الإقليم والعمق الإسرائيلي والممرات البحرية.

منذ الساعات الأولى، تراجع عمليًا هدف “تغيير النظام” من واجهة المشهد، وحلّت مكانه أسئلة أثقل على واشنطن وتل أبيب: كلفة الاستمرار، خطر تعدد الجبهات، استنزاف الدفاعات والذخائر، وتداعيات الاقتصاد والطاقة والشحن التي بدأت تضرب الحلفاء قبل الخصوم. وبدا أن الحرب التي أُريدت “خاطفة” تتدحرج – باندفاعة متسارعة – نحو معادلة حرب طويلة تُدار على إيقاع الصواريخ والمسيرات والموانئ والقواعد… لا على إيقاع المؤتمرات الصحفية.

وخلافًا لتوقعات “فراغ القيادة”، ظهر أن المنظومة الحاكمة في طهران انتقلت بسرعة إلى ترتيبات انتقالية؛ إذ أُعلن عن هيئة قيادة مؤقتة تتولى إدارة المرحلة وفق آليات دستورية، في مؤشرٍ يُراد له أن يقول إن “الاغتيال لا يعني انهيار الدولة”. بالتوازي، خرجت رسائل داخلية تعبئةً وحشدًا – من بينها دعوات رسمية وشعبية لتثبيت الجبهة الداخلية – ما أغلق سريعًا الرهان على اهتزازٍ داخلي واسع يمكن استثماره.

أما الضربة الافتتاحية نفسها، وبرغم ثقلها، فقد اصطدمت بأول ارتدادٍ سياسي–أخلاقي كبير: ملف استهداف المدنيين الذي تصاعدت حوله تحقيقات وتقارير إعلامية، وفي طليعتها قضية مدرسة “ميناب” التي رجّحت تحقيقات صحفية أنها تعرضت لضربة مباشرة، وهو ما منح إيران – على مستوى السردية – مادةً إضافية لتثبيت روايتها بأن ما يجري عدوانٌ لا يميّز بين منشآت عسكرية ومدنية.

المنعطف الحاسم لم يكن في “حجم القوة” فقط، بل في “شكل استخدامها”. فقد جاء الرد الإيراني – وفق ما أعلنته جهات رسمية إيرانية وتقارير متقاطعة – بمزيجٍ نادر جمع بين السرعة، واتساع النطاق، والدقة دون الإفراط في الاستهلاك. ومع كل موجة صاروخية ومسيرة، كانت الرسالة تتكرر بصيغة واحدة: المعركة لن تبقى داخل إيران، والقواعد الأمريكية في الإقليم ليست خارج الحساب. وبدل أن يفرض نتنياهو وترامب عنوان “سقوط النظام”، فرضت الحرائق والإنذارات وبلاغات السفارات والقواعد عنوانًا آخر: “المنطقة تشتعل… والحرب خرجت عن الإطار المريح للحلفاء”.

وخلال اليومين الثالث والرابع، اتسعت خارطة الاشتباك بشكلٍ لافت، إذ تتابعت – بحسب بيانات معلنة وتقارير إعلامية – ضربات على قواعد أمريكية في أكثر من ساحة، وصولًا إلى إعلان إصابة مواقع حساسة، من بينها ما قيل إنه تعرض قاعدة “العديد” في قطر لإصابة بصاروخ باليستي، ومعه الحديث عن استهداف منظومات دفاعية متقدمة من طراز THAAD في الإمارات وخارجها. كما برز تطور نوعي في “حرب العيون”: تقارير عن تعطيل/تدمير رادار إنذار مبكر استراتيجي (FPS-132) في قطر بعد إصابات متتابعة، في إشارة – إن تأكدت – إلى محاولة ضرب طبقة الإنذار الأولى التي يعتمد عليها تموضع القواعد ومنظومات الاعتراض.

وفي المقابل، بدأت واشنطن تُظهر ملامح ضغطٍ مزدوج: خسائر ميدانية واستنزاف مخزون الذخائر. فإلى جانب إعلانات عن قتلى في صفوف القوات الأمريكية في الكويت، نُقلت تقارير عن توجه وزارة الحرب لطلب ميزانية إضافية كبيرة لتعويض الأسلحة المستهلكة، مع ضغوط على شركات التصنيع لتسريع الإنتاج. وفي السياق نفسه، تسرّبت أحاديث إعلامية أمريكية عن انخفاض مخزونات صواريخ رئيسية بفعل وتيرة المواجهات، بما يعيد إلى الواجهة سؤال القدرة على مواصلة حرب كثيفة الوتيرة دون دفع أثمان استراتيجية.

وفي موازاة الجبهة الإيرانية–الإسرائيلية، أخذت الجبهة اللبنانية منحى تصاعديًا. فبعد استهدافات إسرائيلية طالت الضاحية الجنوبية ومناطق في الجنوب والبقاع وجبل لبنان – مع ارتفاع حصيلة الشهداء والجرحى وفق وزارة الصحة اللبنانية – جاءت بيانات المقاومة لتؤكد أنها تتحرك ضمن عنوان “الدفاع والرد” لا “الاستدراج”.

وفي هذا السياق، برز خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم بنبرة حاسمة، مؤكدًا أن “لصبرنا حدود” وأن الصواريخ هي “رد على 15 شهرًا من الانتهاكات والعدوان”، وأن العدو “لم يلتزم ببند واحد” من تفاهمات وقف إطلاق النار، وأن استهداف مؤسسات مدنية وإعلامية مثل قناة المنار وإذاعة النور يندرج ضمن مشروع عدواني أوسع، لا ضمن ردٍّ موضعي. كما تتابعت بيانات عن عمليات طالت قواعد ومواقع عسكرية إسرائيلية (منها رامات دافيد، ميرون، “نفح”، ومرافق صناعات جوية)، في إشارة إلى أن الجبهة الشمالية لم تعد هامشًا يمكن تحييده.

وعلى خطٍ موازٍ، ظهرت ساحة العراق كجزء من “الاشتباك الإقليمي” عبر بيانات فصائل مقاومة تحدثت عن عشرات العمليات بالطائرات المسيّرة والصواريخ ضد مواقع وقواعد أمريكية، إضافة إلى تقارير عن ضربات طالت محيط مطار أربيل ومواقع أخرى. ومع كل ذلك، يتضخم خطر تعدد الجبهات؛ وهو السيناريو الذي يشكّل تقليديًا الكابوس الأكبر لأي حملة أمريكية تريد “حسمًا سريعًا”، لأن تعدد المسارح يعني: استنزاف، وتشتت، وارتفاع تكاليف السياسة والاقتصاد والأمن معًا.

على مستوى “العمق الإسرائيلي”، لم يتوقف إيقاع الضربات عند موجات الإنذار الطويلة، بل ترافق مع تقارير عن إصابات في مناطق حساسة قرب “تل أبيب”ومحيط منشآت ومقار عسكرية وأمنية، ووردت بيانات عن استهداف مواقع قيادية (مثل “هكريا”) وبنى تحتية في محيط “بني براك” و“بيتح تكفا” ومناطق شمالية. وفي كل مرة، يعود المعنى نفسه: الرد ليس عرضًا رمزيًا، بل ضغطٌ تراكميّ يهدف إلى إنهاك الجبهة الداخلية للعدو وإرباك القرار السياسي والعسكري.

اقتصاديًا، دخلت الحرب في يومها الرابع وهي تسحب خلفها موجات اضطراب تتجاوز الجغرافيا. فقد رافقت التطورات الميدانية تقارير عن قفزات في أسعار النفط والغاز، وارتفاع كلفة الشحن والتأمين البحري، وإضافة مناطق خليجية إلى قوائم “المخاطر العالية”، فضلًا عن أحاديث عن توقفات أو اضطرابات في بعض منشآت الطاقة وما تبعها من قلق عالمي من موجة تضخم ونقص إمدادات. وبذلك لم تعد الحرب “ملفًا عسكريًا”، بل تحولت إلى قضية أسواق وإمداد وطاقة تضغط على العواصم الكبرى من بوابة المصالح لا بوابة البيانات.

وفي الخليج تحديدًا، تتكون العقدة الأخطر لواشنطن: إيران – وفق بيانات مسؤوليها – تقول إنها تستهدف القوات المعتدية لا مصالح الجوار، لكن الوقائع على الأرض تجعل الحلفاء يعيشون ارتداد المعركة داخل جغرافيتهم. ومع تزايد البلاغات عن انفجارات وهجمات وحرائق قرب مواقع حساسة، ومع رفع مستويات التحذير وإغلاق أو تقليص عمل بعض البعثات، تتشكل أزمة ثقة صامتة عنوانها: هل ما زالت “معادلة الحماية مقابل النفط” تعمل كما كانت؟. وهذا السؤال وحده – أكثر من أي خطاب – يفتح شرخًا طويل الأمد في هندسة التحالفات.

خلاصة الصورة بعد 96 ساعة لا تُكتب بعنوان واحد هو “من انتصر؟” بل بعنوانين متلازمين: إيران نجحت في إفشال رهان “كسر الرأس” بتحويل الاغتيال إلى وقود صمودٍ وتماسكٍ مؤسسي، ونجحت – في الوقت نفسه – في دفع واشنطن وتل أبيب إلى مربع الحرب الطويلة عبر توسيع ساحات الاشتباك ورفع كلفة الإقليم والطاقة والشحن والأمن. ومع استمرار الموجات الصاروخية واتساع الاشتباك البحري وتزايد ضغط الأسواق وتململ الحلفاء، يصبح السؤال المركزي الآن ليس: “متى يسقط النظام؟” بل: إلى أي سقف يمكن أن ترتفع فاتورة هذه الحرب قبل أن تُفرض معادلة جديدة في الإقليم… تُكتب بالنار لا بالشعارات؟

spot_imgspot_img