ذات صلة

الأكثر مشاهدة

اليوم الثاني عشر: إيران تفتح “الموجة الأثقل” وتدفع العدوان “الأمريكي-الصهيوني” إلى طور العجز الميداني والاختناق البحري

دخلت العدوان على إيران يومه الثاني عشر على وقع تصعيد إيراني نوعي هو الأعنف منذ بداية المواجهة، بعدما أعلنت الجمهورية الإسلامية بدء الموجة السابعة والثلاثين من عملية “الوعد الصادق 4” بهجوم صاروخي مركب استهدف القواعد الأمريكية في أربيل والأسطول الخامس الأمريكي إلى جانب تل أبيب وبئر يعقوب والقدس الغربية وحيفا، مستخدمةً صواريخ “خيبر” و”قادر” متعددة الرؤوس الحربية بوزن طن واحد، وصواريخ “خرمشهر” و”خيبر شكن”، في رسالة واضحة مفادها أن طهران لم تنتقل فقط من موقع الصمود إلى موقع الفعل، بل باتت تدير إيقاع الاشتباك بما يفرض على واشنطن وتل أبيب معادلة نار مفتوحة زمنياً وعمقاً وتأثيراً.

ومع الساعات الأولى للهجوم، أعلن الحرس الثوري أن الموجة الصاروخية ستستمر ثلاث ساعات على الأقل، مؤكداً أنها الأعنف والأثقل منذ بداية الحرب، وأنها جاءت انتقاماً من أمريكا والعدو الصهيوني بسبب استهداف المدنيين الأبرياء في إيران. وفي السياق نفسه، أوضح حرس الثورة أن الضربات أصابت أهدافاً أمريكية واسعة النطاق في أربيل والأسطول الخامس، إلى جانب مواقع عسكرية صهيونية في بئر يعقوب والقدس الغربية وحيفا، فيما أُعلن أيضاً عن استهداف مركز الاتصالات الفضائية جنوب تل أبيب للمرة الثانية، في دلالة على أن البنية التحتية العسكرية والتقنية للعدو باتت تحت ضربات متكررة ومنهجية، لا مجرد رشقات رمزية أو ردود موضعية.

في المقابل، عكست ردود الفعل داخل الكيان حالة ارتباك وفقدان توازن واضحين. فقد أقرت وسائل إعلام العدو بأن وزراء الكابينيت الأمني المجتمعين في تل أبيب قطعوا اجتماعهم وتوجهوا إلى غرف محصنة مع بداية الموجة، فيما أفادت القناة 12 العبرية بأن فرق الإسعاف تعاملت مع عدة مصابين جراء التدافع نحو الملاجئ، في وقت تحدثت فيه وسائل إعلام الاحتلال عن سقوط صاروخ إيراني على قاعدة عسكرية في تل أبيب، وآخر في محيط قاعدة عسكرية للجيش الإسرائيلي وسط فلسطين المحتلة. كما أعلن التلفزيون الإيراني أن إحدى الدفعات الأخيرة استهدفت قاعدة جوية قرب يافا المحتلة، بينما أظهرت المشاهد لحظة مرور صاروخ انشطاري إيراني في سماء جنين باتجاه الأراضي المحتلة، ومشاهد أخرى لوصول الصواريخ الإيرانية إلى المستوطنات، وما رافقها من رعب واضح بين المستوطنين. هذا المشهد الميداني دفع وسائل إعلام الاحتلال إلى الإقرار بأن الضربات لم تعد هامشية، بل تضرب قلب المنظومة العسكرية والأمنية.

وفي اعتراف غربي لافت بهشاشة السردية الإسرائيلية السابقة، نشرت مجلة الإيكونوميست تقييماً أشار إلى أنه في نهاية الحرب السابقة ادّعى نتنياهو أنه “أزال تهديدين وجوديين” هما البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي الإيراني، لكن بعد ثمانية أشهر فقط عادت الصواريخ الإيرانية لتسقط على إسرائيل مجدداً. هذه الملاحظة تختزل بدقة أزمة العدوان الراهن: فكل ما قيل عن تحييد إيران أو إنهاء قدراتها لم يصمد أمام الواقع، بل جاءت الأيام التالية لتؤكد أن القدرة الإيرانية على إعادة التموضع والرد والتطوير لا تزال حاضرة بقوة، وأن استراتيجية “الضربات الحاسمة” تحولت إلى وهم سياسي وإعلامي أكثر منها إنجازاً عسكرياً.

في الميدان البحري، بدا الاختناق أكثر وضوحاً. فقد نقلت رويترز عن مصادر في قطاع الشحن أن البحرية الأمريكية رفضت طلبات شبه يومية لمرافقة السفن عبر مضيق هرمز منذ بدء الحرب على إيران، مبررة ذلك بأن خطر الهجمات مرتفع، كما أبلغت البحرية الأمريكية قطاعي الشحن والنفط خلال اجتماعات أنها غير قادرة على توفير الحراسة للسفن في هذا الممر الحيوي.

هذا التطور لا يمثل مجرد خلل إجرائي، بل ضربة استراتيجية مباشرة لهيبة القوة البحرية الأمريكية في واحدة من أهم عقد الطاقة العالمية، ويعني عملياً أن واشنطن، رغم كل الحشود، عاجزة عن تأمين عبور السفن في المضيق الذي طالما ادعت السيطرة عليه. ومع تصاعد هذا العجز، يتأكد أن إيران لم تكتفِ بفرض تهديد نظري على الملاحة، بل نجحت في تحويل مضيق هرمز إلى ساحة اختبار فاشلة للردع الأمريكي.

هذا الواقع الميداني والسيادي ترافق مع تثبيت إيراني لخطاب الحرب الطويلة من موقع المبادرة لا الدفاع السلبي. فقد أكد حرس الثورة أن الحرب لن تتوقف إلا بزوال التهديد أو باستسلام العدو الكامل، وهو تصريح يتجاوز لغة الرد الآني إلى رسم سقف سياسي–عسكري جديد للصراع. فإيران، وفق هذا المنطق، لم تعد تتعامل مع العدوان باعتباره أزمة عابرة تحتاج إلى تهدئة مؤقتة، بل باعتباره مشروعاً يجب كسره عند جذوره، عبر تغيير قواعد الاشتباك وتوسيع كلفة الحرب حتى تتراجع واشنطن وتل أبيب أو تُهزمان سياسياً وميدانياً.

وعلى المستوى العملياتي، يظهر من طبيعة الأهداف والأسلحة المستخدمة أن طهران انتقلت إلى تكتيك الضربات الموجعة المتزامنة: قواعد أمريكية في عمق الانتشار الإقليمي، وبنى اتصالات وتنسيق عسكري صهيونية، وقواعد ومطارات ومناطق مركزية في قلب فلسطين المحتلة. واستخدام صواريخ ثقيلة متعددة الرؤوس بوزن طن واحد يؤشر إلى أن إيران باتت تدفع نحو إرهاق منظومات الاعتراض واستنزافها كمّاً ونوعاً، مع تعمد إبقاء الضربات ممتدة زمنياً لثلاث ساعات على الأقل، بما يمنع العدو من استعادة المبادرة أو إدارة المعركة في نسق قصير ومحدود.

كما أن استهداف الأسطول الخامس الأمريكي بالتوازي مع أربيل يعكس تصميماً إيرانياً على تذكير واشنطن بأن القواعد الثابتة والمنصات البحرية المتحركة كلها ضمن بنك الأهداف، وأن ما تملكه أمريكا من بنية قيادة وانتشار في غرب آسيا يمكن أن يتحول من عنصر قوة إلى نقطة ضعف استراتيجية إذا استمرت الحرب. وفي الوقت نفسه، فإن تكرار استهداف مركز الاتصالات الفضائية جنوب تل أبيب للمرة الثانية يكشف أن إيران تركز على شل قدرة العدو على إدارة الحرب تقنياً واتصالياً، لا مجرد ضربه نارياً فقط.

خلاصة هذا اليوم أن اليوم الثاني عشر لم يكن مجرد جولة قصف جديدة، بل مرحلة كشفت أن إيران باتت تدير الحرب على قاعدة التصعيد المنضبط والضغط التراكمي، وأن العدوان الأمريكي-الصهيوني بدأ يدخل منطقة العجز العملياتي والسياسي. فالكيان يهرب قادته إلى الغرف المحصنة، ويصاب مستوطنوه في التدافع قبل الصواريخ، وإعلامه يعترف بإصابة قواعده ومحيط منشآته العسكرية، فيما تعجز البحرية الأمريكية عن حماية السفن في هرمز، وتعترف الدوائر الغربية بأن الأسطورة التي روّجها نتنياهو عن “إزالة التهديد الإيراني” قد انهارت تحت وقع الصواريخ نفسها التي قال إنه دمرها.

وعليه، فإن المشهد يتجه بوضوح إلى ما هو أبعد من حرب ردع متبادل؛ إنه تحول استراتيجي في توازن الإرادات، حيث تفرض إيران على العدوين الأمريكي والصهيوني واقعاً جديداً عنوانه أن زمن الحرب القصيرة من طرف واحد قد انتهى، وأن أي عدوان على طهران لن يبقى محصوراً في سمائها وحدها، بل سيمتد إلى قواعد واشنطن، ومراكز قيادة الاحتلال، ومجال الطاقة والملاحة العالمية. بهذا المعنى، لم تعد إيران فقط تصد العدوان، بل تعيد صياغة خرائط القوة في غرب آسيا بالنار والسيادة والصبر الطويل.

spot_imgspot_img