في اليوم الثامن عشر من العدوان، لم يعد مأزق واشنطن محصورًا في الميدان فقط، بل تمدد إلى التحالفات الدولية والمؤسسة الأمنية الأمريكية نفسها. فقد فشل دونالد ترامب في حشد قوة بحرية واسعة لفرض أمر واقع في مضيق هرمز، بعدما امتنعت أو رفضت دول عدة، بينها ألمانيا واليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية، إرسال قطع عسكرية إلى المضيق، بينما أظهر الموقف الأوروبي والآسيوي أن الولايات المتحدة لم تستطع بناء المظلة البحرية التي كانت تراهن عليها. هذا الرفض دفع ترامب إلى مهاجمة الحلفاء علنًا، ولوّح بأن مستقبل الناتو سيكون سيئًا إذا لم يساعد في فتح هرمز، في اعتراف واضح بأن واشنطن تواجه عزلة عملياتية متزايدة في أكثر ساحات الحرب حساسية.
ولم تتوقف الضربة عند حدود الخارج، بل جاءت من داخل المنظومة الأمريكية نفسها. فقد أعلن جو كينت، مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب، استقالته من منصبه، مؤكدًا أنه لا يستطيع بضمير حي أن يؤيد الحرب الدائرة على إيران، وأن إيران لم تشكل تهديدًا وشيكًا للولايات المتحدة، وأن الحرب بدأت تحت ضغط إسرائيلي ولوبيها النافذ في واشنطن. وتمثل هذه الاستقالة أول انشقاق رفيع بهذا المستوى داخل الإدارة على خلفية الحرب، وتكشف أن الرواية الأمريكية الرسمية نفسها باتت تتآكل من الداخل، لا سيما مع تصاعد الجدل حول دوافع الحرب وكلفتها الحقيقية.
هذا الانكشاف السياسي تزامن مع استمرار إيران في فرض معادلة الردع الهجومي. فقد أعلنت الموجة 57 من عملية “الوعد الصادق 4” ضد أهداف في قلب الأراضي المحتلة شملت البنى التحتية للقيادة والسيطرة والدفاع الصاروخي، مع استهداف قاعدة العديد بصواريخ ذو الفقار وقيام وطائرات مسيّرة هجومية، ثم جاءت الموجة 58 ضد أهداف في شمال ووسط الأراضي المحتلة وقواعد أمريكية في فيكتوريا وعلي سالم والخرج والأسطول البحري الخامس باستخدام صواريخ خرمشهر برأس حربي يزن طنين وصواريخ قادر وفتح وخيبر شكن. وبعدها أعلنت طهران تنفيذ الموجة 59 ضد أهداف في بيت شيمش ويافا والقدس المحتلتين، إلى جانب قواعد أمريكية في العديد، وعلي السالم، والفجيرة، والشيخ عيسى، وأربيل، مؤكدة أنها بدأت مرحلة جديدة من الضربات المؤثرة ضد العدو الأمريكي الصهيوني. وفي وقت لاحق، أفادت تقارير إيرانية باستخدام صاروخ “حاج قاسم” المتطور للمرة الأولى، بما يؤكد أن بنك الأسلحة النوعية الإيرانية ما يزال يتسع داخل المعركة.
وفي عمق الكيان، استمرت صفارات الإنذار من الشمال حتى الوسط والقدس، وسُجلت إصابات وأضرار مباشرة، بينها مبنى في نهاريا انتُشل منه عالقون، في وقت أقرت فيه معاريف بأن الصواريخ الإيرانية ذات الرؤوس المتشظية أصبحت من أخطر التحديات التي تواجه الدفاعات الجوية الإسرائيلية، إذ يحمل كل صاروخ منها عشرات القذائف ويوسع دائرة الإصابة إلى مساحات كبيرة. كما أقرت وسائل إعلام الاحتلال بأن الحرب دخلت نمط الاستنزاف، وأن إيران لا تظهر مؤشرات على الانكسار، بل تبدو وكأنها تتعافى وتعيد تموضعها وتواصل التصعيد.
وفي الجبهة الأمريكية الإقليمية، واصلت إيران الضغط على القواعد التي تشكل مفاصل القيادة والسيطرة والدعم اللوجستي للعدوان. فقد أكدت القوة البحرية في الحرس الثوري تنفيذ عملية مركبة بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت حظائر المقاتلات في قاعدة الشيخ عيسى وقاعدة الظفرة، موضحة أن الظفرة كانت منطلقًا للهجمات الأمريكية على الجزر الإيرانية خلال الأيام الماضية، وأن الضربات الأخيرة خفضت القدرة العملياتية للقاعدة بشكل كبير. كما أعلنت طهران أنها ستواصل الهجمات حتى إخلاء وتدمير القواعد التابعة للقوات الأمريكية، وطلبت من المدنيين الابتعاد عنها حفاظًا على سلامتهم. وتدعم هذه الوقائع ما أقر به الجيش الأمريكي نفسه من إصابة نحو 200 جندي خلال العدوان، في حين نقلت واشنطن بوست عن مسؤول خليجي أن الولايات المتحدة بدأت الحرب من أجل إسرائيل ثم تركت الحلفاء يواجهون الضربات بمفردهم.
وعلى الجبهة اللبنانية، واصل حزب الله رفع الكلفة على الاحتلال، معلنًا تنفيذ 47 عملية نوعية خلال 24 ساعة، بينها استهداف قاعدة ميرون للمراقبة وإدارة العمليات الجوية مرتين، وقصف كريات شمونة وأفيفيم، وتدمير جرّافة D9 ودبابات ميركافا، وضرب رامات دافيد ومواقع الرادارات وغرف التحكم فيها، إلى جانب استهدافات متتالية في الخيام والعديسة ومحيط الحدود. وقد أقرت صحف وقنوات عبرية بأن قدرات الحزب على إيذاء الجبهة الداخلية فاقت تقديرات الاستخبارات، وأن الشمال الإسرائيلي بات يعيش حالة شلل متراكمة.
وفي العراق، اتسعت رقعة الضربات ضد الوجود الأمريكي مع استهداف معسكر الدعم اللوجستي الأمريكي بمحيط مطار بغداد ثم السفارة الأمريكية في بغداد بصواريخ ومسيّرات، وهو ما أكدته رويترز نقلًا عن مصادر أمنية عراقية. هذا التطور يعكس أن القواعد والمقار الأمريكية في العراق لم تعد مواقع خلفية، بل صارت خط تماس مباشرًا في الحرب الإقليمية المفتوحة.
سياسيًا، رفعت طهران سقف خطابها الاستراتيجي. فقد أكد محمد باقر قاليباف أن إيران لم تعد تقبل بمعادلة “الحرب–وقف إطلاق النار–التفاوض”، وأن سياستها المقبلة ستركز على محو أثر التهديد تمامًا لا مجرد إدارته أو تأجيله. كما شدد على أن الأمن الإقليمي يجب أن ينبع من دول المنطقة لا أن يُفرض من الخارج، وأن الوجود الأمريكي لا يحقق الاستقرار بل يقوضه، وأن أوضاع مضيق هرمز لن تعود إلى سابق عهدها مع استمرار الوجود الأمريكي والصهيوني. وانسجم ذلك مع موقف الرئيس مسعود بزشكيان الذي أكد أن على العدو أن يحمل معه إلى القبر حلم استسلام أبناء إيران، ومع مطالبة عراقجي للأمم المتحدة بإدانة العدوان الأمريكي–الصهيوني ومحاسبة المعتدين.
أما في ملف هرمز والطاقة، فقد باتت الورطة الأمريكية أكثر وضوحًا. فإيران تؤكد أنها تسيطر على حركة المرور في المضيق، وأن تعطيل الملاحة هو نتيجة مباشرة للحرب المفروضة من واشنطن وتل أبيب. وقد انعكست هذه المعادلة على الأسواق فورًا، مع ارتفاع أسعار النفط وتزايد القلق العالمي، وبدء دول مثل اليابان بالسحب من احتياطياتها النفطية، وتراجع بورصات الخليج، وتعليق عمليات تحميل النفط في ميناء الفجيرة. كما رأت المفوضية الأوروبية أن الوقت حان لإنهاء الحرب بسبب تداعياتها الاقتصادية الهائلة، في اعتراف بأن كلفة المواجهة لم تعد إقليمية فقط، بل عالمية البعد.
وخلاصة هذه الإضافة أن اليوم الثامن عشر كشف ثلاث حقائق كبرى دفعة واحدة: أولًا، أن ترامب فشل في جرّ حلفائه إلى هرمز ووقع في ورطة تحالفية؛ وثانيًا، أن الشرخ داخل المؤسسة الأمريكية نفسها اتسع مع استقالة مدير مكافحة الإرهاب واتهامه الحرب بأنها ضُغطت من إسرائيل ولوبيها؛ وثالثًا، أن إيران لا تزال تمسك بزمام التصعيد، توسّع ضرباتها على القواعد الأمريكية والعمق الصهيوني، وتحوّل الحرب من محاولة لعزلها إلى مأزق أمريكي–صهيوني مركب سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. بهذا المعنى، لم تعد المعركة مجرد حرب على إيران، بل أصبحت حرب انكشاف الهيمنة الأمريكية وتآكل قدرتها على فرض الطاعة حتى على حلفائها.
