في تطور ميداني بالغ الدلالة، أظهرت الساعات الأخيرة أن الرد الإيراني دخل طوراً أكثر إيلاماً وحسماً، بعدما تحولت بلدة عراد في عمق الكيان إلى عنوان واضح لانهيار المنظومة الدفاعية الصهيونية تحت وقع الضربات الصاروخية الإيرانية المباشرة. ووفق المعطيات الواردة، فقد أدى القصف الإيراني إلى انهيار 9 مبانٍ وسقوط أكثر من 50 مصاباً، قبل أن تتحدث وسائل إعلام العدو عن 30 جريحاً بعضهم بحالة خطرة، ثم ترتفع الحصيلة الأولية في القناة 12 إلى 7 قتلى وأكثر من 100 مصاب، وسط استدعاء وحدة الإنقاذ العسكرية بسبب الحجم الكبير جداً للإصابات، فيما اضطر الإسعاف الصهيوني إلى دعوة المستوطنين للتوجه إلى المستشفيات للتبرع بالدم، في مشهد يختصر حجم الصدمة التي أحدثتها الضربة الإيرانية في العمق المحتل.
هذه الضربات لم تعد مجرد رسائل ردع، بل باتت تعكس تحولاً نوعياً في الأداء الإيراني، وهو ما أكده مقر خاتم الأنبياء بإعلانه أن الاستخبارات والقوات المسلحة أدخلت تكتيكات هجومية جديدة وأنظمة أكثر حداثة في ساحة المعركة بعد رصد نقاط ضعف العدو، وأن ميدان المعركة سيصبح أضيق وأصعب على العدو مما كان من قبل. وبالفعل، أعلن حرس الثورة الإسلامية في الموجة الـ73 من عملية “الوعد الصادق 4” استهداف منشآت عسكرية وأمنية في عراد وديمونا وأم الرشراش وبئر السبع وكريات غات، إلى جانب ضرب قواعد علي السالم والمنهاد والظفرة التابعة للجيش الأمريكي، مؤكدًا أن الهجمات نُفذت عبر صواريخ “فتاح” و”قدر” و”عماد” وطائرات مسيّرة انقضاضية، وأن منظومة الدفاع الجوي للعدو الإسرائيلي تشهد انهياراً متسارعاً، بينما يمارس أمن العدو ضغوطاً على الصحفيين لفرض الرقابة والتكتم على أعداد الضحايا وحجم الدمار.
وفي موازاة هذا التصعيد، برز ردّ إيراني شديد الوضوح على تهديدات ترامب، بعدما توعّد الأخير بضرب محطات توليد الطاقة الإيرانية إذا لم يُفتح مضيق هرمز بالكامل خلال 48 ساعة. فقد أعلن مقر خاتم الأنبياء أن جميع البنى التحتية للطاقة التابعة لأمريكا والكيان الصهيوني في المنطقة ستصبح هدفاً مباشراً إذا تعرضت البنية التحتية للوقود والطاقة في إيران لأي اعتداء جديد، في تأكيد على أن طهران نقلت المعركة إلى معادلة الطاقة مقابل الطاقة، وأن واشنطن إذا اختارت هذا المسار فستفتح على نفسها وعلى حلفائها جبهة استراتيجية مدمرة تتجاوز حدود الميدان العسكري المباشر.
وبينما حاولت واشنطن رفع سقف التهديد، جاءت المؤشرات من الميدان البحري لتقول العكس تماماً. فقد أكدت وزارة الدفاع الإيرانية أن العدو انسحب فعلياً من ساحة المواجهة البحرية في الخليج وبحر عمان، وأنه لم يعد يُرى لقطعه البحرية أي أثر، معتبرة أن مسار التطورات يتجه نحو انتصار الشعب الإيراني والمقاتلين ومحور المقاومة. وهذه المعادلة تعني أن أدوات الردع الأمريكية في البحر تراجعت في لحظة تصاعدت فيها الضربات الإيرانية على البر والجو والقواعد، وهو ما يكشف أن هيبة القوة الأمريكية تتآكل بالتوازي مع اتساع مسرح النار الإيراني.
وعلى مستوى الجبهات المساندة، واصل حزب الله تثبيت حضوره كركن أساسي في معادلة الاستنزاف الشامل، فاستهدف تجمعات جنود العدو في خلة العقصى، وأعلن لاحقاً تنفيذ 55 عملية نوعية خلال 24 ساعة، قبل أن يواصل الاشتباك والقصف في الخيام والناقورة ومواقع أخرى. وفي تطور آخر، أشاد أبو عبيدة، الناطق العسكري باسم كتائب القسام، بالضربات الصاروخية الإيرانية، معتبراً أنها رد طبيعي ليس فقط على العدوان الصهيوأمريكي على إيران بل أيضاً على مجازر الإبادة بحق الشعب الفلسطيني في غزة، ومؤكداً أن الجمهورية الإسلامية تمثل اليوم خط دفاع متقدم عن الأمة الإسلامية بأسرها. كما بارك المكتب السياسي لأنصار الله هذه الضربات واعتبرها منكلة بالصهاينة وتأتي في ظل انهيار واضح لمنظومة دفاع العدو، مشدداً على أن إيران تخوض حرباً عادلة دفاعاً عن المنطقة والأمة والمقدسات.
وفي البعد السياسي والدولي، برز تطور مهم مع تأكيد أنطونيو غوتيريش لعباس عراقجي أنه “لا يوجد أي شك في حق إيران في الدفاع عن نفسها”، في إقرار أممي ينسف السردية الأمريكية الصهيونية التي تحاول تصوير العدوان على أنه دفاع أو احتواء. كما شدد بقائي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، على أن اغتيال الشهيد علي محمد نائيني كشف مرة أخرى الوجه الحقيقي لأعداء السلام والأمن، مؤكداً أن الشهيد كان جسراً متيناً بين رواة ملاحم الميدان والدبلوماسية، وأن العدو باغتياله لم يضرب فرداً بل استهدف صوت الحرس والرواية الصادقة للحرب.
أما اقتصادياً، فالمؤشرات الواردة من طهران تكشف أن الرهان على خنق إيران مالياً لم يحقق هدفه، إذ أعلنت وزارة النفط الإيرانية أن وضع عائدات العملات الأجنبية الناتجة عن صادرات النفط جيد جداً، وأن جزءاً من الأموال العائدة خلال الأيام الماضية فاق الاستهلاك المعتاد وتمت إضافته إلى الاحتياطات النقدية، ما يعني أن إيران لا تخوض الحرب فقط بالنار، بل تدير أيضاً الجبهة الاقتصادية بثبات وقدرة على التكيف، في وقت تتراكم فيه الضغوط على خصومها.
وخلاصة المشهد أن ضربة عراد لم تكن حادثاً عابراً، بل محطة كاشفة عن أن الحرب دخلت مرحلة جديدة: العمق الصهيوني ينزف، القواعد الأمريكية تُضرب، التهديدات الأمريكية تتحول إلى اعتراف بالعجز عن كسر إيران إلا عبر استهداف الطاقة، والرد الإيراني يعلن بوضوح أن أي مساس بالبنية التحتية سيقابل بحرب طاقة شاملة في المنطقة. وبذلك، لم تعد المسألة تتعلق بقدرة العدو على إملاء شروطه، بل بقدرته على النجاة من تبعات حرب تتغير فيها المعادلات بسرعة، ويتسع فيها هامش المبادرة الإيرانية أكثر فأكثر.
