انطلقت في العاصمة الباكستانية إسلام آباد جولة مفاوضات بالغة الحساسية بين الوفدين الإيراني والأمريكي، في لحظة تبدو فيها المنطقة كلها معلقة بين مسار تهدئة مشروط ومسار انفجار جديد إذا ما حاولت واشنطن الالتفاف على المطالب الإيرانية أو استخدام التفاوض غطاءً للمماطلة والخداع. غير أن الرسالة التي حملها الوفد الإيراني منذ اللحظة الأولى كانت واضحة وحاسمة: طهران لم تأتِ إلى إسلام آباد لتقديم تنازلات مجانية، بل دخلت المباحثات وهي تحمل خطوطاً حمراء صلبة تتصل بمضيق هرمز، والتعويضات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ووقف إطلاق النار على جميع الجبهات، وفي مقدمتها لبنان.
وبحسب المعطيات المعلنة، أبلغ الوفد الإيراني رئيس الوزراء الباكستاني مباشرةً مقترحات طهران وخطوطها الحمراء، فيما أكد التلفزيون الإيراني أن هذه الخطوط تشمل بوضوح مضيق هرمز، ودفع تعويضات عن الحرب، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ووقف إطلاق النار في أنحاء المنطقة. وهذا يعني أن إيران تتعامل مع هذه الجولة لا بوصفها مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل باعتبارها معركة سياسية موازية للميدان، هدفها تثبيت نتائج الصمود الإيراني وانتزاع ترجمتها في المسار التفاوضي.
وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن المفاوضات بدأت عملياً منذ وصول الوفد الإيراني ليلة أمس، وإن طهران نقلت ملاحظاتها إلى الجانب الباكستاني خلال سلسلة لقاءات عديدة، مشدداً على أن إيران توجد الآن في لحظة تاريخية حساسة، وأن الدبلوماسية الإيرانية تخوض معركة مهمة. لكن بقائي حرص في الوقت نفسه على تثبيت المعادلة الأساسية بقوله إن القوات المسلحة الإيرانية يدها على الزناد، ومستعدة للرد فوراً على أي اعتداء، ما يعني أن طهران لا تفصل بين الطاولة والميدان، بل تدخل التفاوض محصنةً بقوة الردع لا بمنطق الاسترضاء.
ومن أكثر الملفات حساسية في هذه الجولة ملف وقف إطلاق النار في لبنان، إذ أكد بقائي أن هذا المطلب أساسي بالنسبة لإيران، وأن هناك تواصلاً بين إسلام آباد وبيروت للتأكد من وقف النار على جميع الجبهات. وبذلك ترفض طهران أي محاولة أمريكية لحصر التهدئة في ساحتها المباشرة مع تجاهل جبهات المحور الأخرى، وتصر على أن أي اتفاق حقيقي يجب أن يكون شاملاً، لا تجزئة فيه، ولا يسمح للعدو الإسرائيلي بأن يواصل عدوانه على لبنان بينما يتحدث الأمريكيون عن السلام.
أما في ملف الأصول الإيرانية المجمدة، فقد كشفت رويترز عن مصدر إيراني رفيع أن الولايات المتحدة وافقت على الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة موجودة في قطر وبنوك أجنبية أخرى، وأن طهران تنظر إلى هذه الخطوة بوصفها اختباراً لحسن النية ودليلاً على الجدية في التوصل إلى اتفاق سلام دائم. غير أن هذا الإفراج، وفق المصدر نفسه، ليس خطوة منفصلة، بل مرتبط مباشرةً بضمان المرور الآمن عبر مضيق هرمز قبل أي اتفاق نهائي. بمعنى آخر، فإن إيران لا تتعامل مع أموالها المجمدة كملف مالي فقط، بل كجزء من معادلة سيادة وردع تشمل البحر والطاقة والممرات الحيوية.
ومع ذلك، فإن المشهد لا يخلو من التباس، إذ سارع مسؤول رفيع في البيت الأبيض إلى نفي هذه المعطيات واعتبارها “مزاعم زائفة”، في محاولة تعكس على الأرجح حجم الارتباك داخل الإدارة الأمريكية بين من يريد تقديم إشارات إيجابية لإنقاذ التفاوض، ومن لا يزال أسير منطق الابتزاز والضغط والتراجع عن التعهدات. وهذا بالضبط ما يفسر حالة انعدام الثقة الكامل التي عبّر عنها الجانب الإيراني بوضوح، سواء على لسان بقائي أو عبر تصريحات عباس عراقجي ومحمد باقر قاليباف، اللذين شددا على أن تجربة التفاوض مع واشنطن كانت دائماً مصحوبة بنقض العهود والخداع والعدوان.
في المقابل، تظهر باكستان في هذه الجولة بوصفها الوسيط المركزي الذي يحاول جمع الخيوط المتشابكة. فقد عقد نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس اجتماعاً مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بحضور ويتكوف وكوشنر، فيما التقى الوفد الإيراني بقيادة قاليباف وعراقجي مسؤولين باكستانيين رفيعي المستوى، بينهم رئيس الوزراء، ورئيس البرلمان، وقائد الجيش. وتشير هذه الكثافة في اللقاءات إلى أن المباحثات لا تقتصر على صيغة دبلوماسية تقليدية، بل تدور في إطار هندسة سياسية وأمنية معقدة تتعلق بمستقبل الحرب ومضيق هرمز والملف النووي ووقف النار في لبنان والمنطقة كلها.
وبحسب التقديرات المتداولة، فإن محادثات إسلام آباد توصف بأنها “عالية المخاطر”، وقد تُدار بصيغتين مباشرة وغير مباشرة في الوقت نفسه، مع احتمال أن يبدأ التفاهم أولاً عبر الوسطاء الباكستانيين قبل الانتقال إلى مناقشات وجهاً لوجه. لكن الأهم من شكل التفاوض هو مضمونه: فإيران تشترط بوضوح أن تدخل المفاوضات على أساس حقوقها وخطوطها الحمراء، لا على أساس المهل الأمريكية ولا التهديدات المبطنة. وقد قالت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية بوضوح إن إرسال الوفد إلى باكستان دليل على جدية طهران في التفاوض، لكن “أيدينا ستبقى على الزناد”، مؤكدة أن إيران لن تتنازل ولن تتراجع عن حقوقها.
وفي قلب هذه الجولة يبقى مضيق هرمز عنواناً مركزياً. فترامب أبدى امتعاضه من طريقة تعامل إيران مع المضيق، بينما تصر طهران على أن أي تفاهم حول حرية الملاحة لا يمكن أن يُفصل عن العدوان الأمريكي الإسرائيلي، ولا عن الأصول المجمدة، ولا عن وقف إطلاق النار الشامل. وبذلك تتحول هرمز من مجرد ملف ملاحي إلى أداة سيادية تفاوضية من الدرجة الأولى، تعكس حقيقة أن إيران لا تدخل المفاوضات من موقع المحاصر، بل من موقع من يملك أوراقاً استراتيجية قادرة على فرض نفسها على حسابات الحرب والسلام معاً.
الخلاصة أن مفاوضات إسلام آباد بدأت تحت سقف إيراني واضح: لا اتفاق بلا هرمز، ولا تهدئة بلا وقف شامل للنار، ولا مسار سلام بلا إفراج عن الأصول وتعويضات وضمانات حقيقية. وفي المقابل، تبدو واشنطن مضطرة إلى اختبار جديتها بالفعل لا بالكلام، فيما تمضي طهران في إدارة المعركة التفاوضية بذات الصلابة التي أدارت بها معركة الصمود في الميدان. هكذا تدخل الجمهورية الإسلامية هذه الجولة: بعقل تفاوضي بارد، وخطوط حمراء ثابتة، ويد عسكرية على الزناد.
