العملية العظمى التي اذهلت العالم، وقلبت الموازين، وأعادت ترجيح الكفة، ووجهت صفعة للعدو أفاقته من سكره، تعدى تأثيرها حدود الميدان والمواقع إلى النفس والواقع.
فآلاف الكيلو مترات المحررة لامست قلوب آلاف الأحرار، وشعروا كم تشبههم في رفضها للضيم، حتى اقشعرت جلودهم ثم لانت وخرت ساجدة بين يدي صانع النصر، والممكن لهم في أرضه بعد الاستضعاف.
ومع سقوط الفرق السبع، رتل اليمانيون السبع المثاني، والنصر، والإخلاص حمدا لله على تأييده، وشكرا له على جزيل فضله، وطمعا في مزيده، وخجلا من عظيم مواهبه، وخوفا من تقصير في حقه تعالى.
وحين رأوا نكالا شديدا في صفوف حزب الشيطان على هيئة مئات من الصرعى، والجرحى، والأسرى من جيش العدو؛ علموا يقينا أنه نتاج ارتباط أولو البأس الشديد بمن هو اشد بأسا وأشد تنكيلا.
وأما الاسرى الذي اودعهم العدو سجونه، وادعتهم أهاليهم رب السجن وسجانه؛ فقال لهم الله: لا تخافوا هم بأعيينا، فأعادهم لتقر عيون ساهدة وافئدة فاقدة؛ ففاضت أعينهم من الدمع بالتزامن مع رؤية الأسرى لنور الحرية، فسبحان من لا تضيع ودائعه.
وابتهل أهالي الشهداء الذين تصدوا للطائرات بجماجمهم، والجرحى الذين دفعوا الظلم بأجسادهم، عندما علموا أن عمليات التصدي باتت الآن بالطائرات والاسلحة المناسبة، وقطفوا ثمار جراحهم وثمن دمائهم نصرا عزيزا مؤزرا، ورفعت للسماء يدُ المنفق، الباذل للغالي والنفيس، من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ولم يقبل أن يكون ممكن أنفق بعد الفتح وقاتل، حاصدا محصوله من السنابل التي أنفقها وجانيا بعد العسر يسرى.
وتحققت وعود الله للصابرين على بلاء الخوف والجوع، ونقص الأموال، والأنفس، والثمرات، ولم يرضوا بأن يشروا بآيات الله وعهده ثمن قليلا ولم يبيعوا دينهم بوليمة، ولم يلبسوا الحق بالباطل ليحضوا بتأشيرة فأبدلهم بعد خوفهم أمنا وبشرى.
وشفيت صدور قوم مؤمنين هاجروا، وجاهدوا في الله بأموالهم وأنفسهم، لم يخافوا في الله لومة لائم، صدقوا بوعده ووثقوا بنصره واشتروا أنفسهم ابتغاء مرضاته، ومستهم البأساء والضراء وزلزلوا زلزالا شديدا فما زادهم ذلك إلا أيمانا وتسليما.
وعلى مشارف باب المندب صرخ المندب قائلاً: لقد صدق الأنصار وعدهم! وعانق البحر آمالهم وأبى إلا الخضوع لمن تجري الفلك فيه بأمره، فكيف بأفئدة حملت بحرا لا يدرك قعره أن تضنى عن خوض بحر قد وعدت رسول الله بخوضه معه..!؟
فالحمدلله حتى يبلغ الحمد منتهاه.
