لم تتعامل الصحافة الأميركية والإسرائيلية مع حسم أنصار الله السيطرة على المخا وذوباب وجزيرة ميون باعتباره مجرد تحول في خريطة الحرب اليمنية.
فقد التقت أغلب القراءات على أن ما جرى نقل باب المندب إلى داخل معادلة الحرب الأميركية الإيرانية، وجعل المضيق الذي اعتمدته السعودية ممراً بديلاً عن هرمز جزءاً من أدوات الضغط التي يملكها محور المقاومة.
ولم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان أنصار الله قد اقتربوا من باب المندب، لأن ذوباب وميون هما باب المندب، السؤال المطروح هو ما إذا كانوا سوف يستخدمون السيطرة لإقفال المضيق، أم سوف يحتفظون بها ورقة تفاوضية.
وضعت صحيفة واشنطن بوست عنواناً مباشراً يقول إن المقاتلين الحوثيين المدعومين من إيران يقاتلون لإغلاق ممر البحر الأحمر أمام النفط السعودي.
وقالت إن سيطرة أنصار الله على باب المندب تمثل انتكاسة خطيرة لإدارة الرئيس إدارة الرئيس ترامب في حربها مع إيران، بعدما تحول البحر الأحمر إلى الطريق البديل الذي اعتمدت عليه السعودية لتجاوز الإقفال الإيراني لمضيق هرمز.
ونقلت عن الباحث في شؤون اليمن آدم بارون أن السيطرة على البحر الأحمر تحمل دلالتين، الأولى يمنية تتصل بميزان الحرب الداخلية، والثانية إقليمية بوصف أنصار الله جزءاً من محور المقاومة، بما يعني أن إيران حصلت على ورقة ضغط جديدة في مواجهتها مع الولايات المتحدة.
أما وول ستريت جورنال فقالت إن دخول أنصار الله إلى ذوباب وجزيرة ميون منحهم سيطرة فعلية على إحدى أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم.
وربطت الصحيفة التطور مباشرة بمشكلة الصادرات النفطية السعودية، لأن المملكة اعتمدت على خط أنابيب الشرق الغرب وموانئ البحر الأحمر لتجاوز اضطراب الملاحة في الخليج.
وخلصت إلى أن انتقال الخطر من هرمز إلى باب المندب يضع الطريقين معاً تحت الضغط، ويجعل دول الخليج أكثر اهتماماً بالانخراط الدبلوماسي مع إيران لخفض التصعيد، بعدما ظهر عجز القوى المدعومة سعودياً عن منع وصول أنصار الله إلى المضيق.
ووصفت شبكة سي إن إن جزيرة ميون بأنها «الجائزة الاستراتيجية» في الحرب المتسعة مع إيران.
وقالت إن أهمية الجزيرة تضاعفت بعدما تقلص العبور من مضيق هرمز، وصارت السعودية تعتمد بصورة أكبر على نقل النفط غرباً نحو البحر الأحمر.
ولفتت إلى أن موقع ميون في أضيق نقطة من باب المندب يمنح القوة المسيطرة عليها قدرة على مراقبة السفن واستهدافها، ويجعلها عنصراً حاسماً في تقرير مصير حركة الملاحة بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.
وكشف موقع أكسيوس أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان اتصل بالرئيس الأميركي دونالد ترامب مرتين، طالباً تنفيذ ضربات أميركية مباشرة ضد أنصار الله، مع تراجع القوات المدعومة من الرياض أمام تقدمهم نحو المضيق.
لكن ترامب رفض التدخل العسكري المباشر، رغم أن واشنطن قررت زيادة دعمها الاستخباري والتقني للسعودية.
ورأى الموقع أن اقتران سيطرة أنصار الله على باب المندب بتعطيل إيران للملاحة في هرمز يمنح طهران نقطة نفوذ قوية على الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين.
كما نقل عن مسؤول أميركي أن أولوية واشنطن هي إبقاء البحر الأحمر مفتوحاً، مع ترك المواجهة البرية والإقليمية للسعودية وشركائها.
وقدمت رويترز الصورة البحرية بالأرقام.
ففي اليوم الذي ثبت فيه وصول أنصار الله إلى ميون، تراجع عدد السفن العابرة لمضيق هرمز إلى سبع سفن فقط، مقارنة بمتوسط بلغ 125 سفينة يومياً قبل الحرب، وبمتوسط خمسة عشر عبوراً خلال الأيام العشرة السابقة.
وفي المقابل عبرت باب المندب 26 سفينة، بما يعني أن السيطرة الجديدة لم تتحول بعد إلى إقفال للمضيق.
وبذلك ميزت الوكالة، ولو بصورة غير مباشرة، بين امتلاك القدرة واستخدامها.
فالقدرة على خنق الممر أصبحت متوافرة، لكن حركة الملاحة ما زالت مستمرة بانتظار القرار السياسي والعسكري.
في الصحافة الإسرائيلية قالت يديعوت أحرونوت إن أنصار الله استكملوا السيطرة على المضيق الحاسم للاقتصاد العالمي، ونقلت عن مسؤول إسرائيلي وصفه ما جرى بأنه «تطور سيئ جدا». لكن المسؤول نفسه رسم حدود الموقف الإسرائيلي بقوله إن إسرائيل لن تتدخل ما لم تتعرض لهجوم.
وتكشف هذه العبارة إدراك تل أبيب خطورة التحول، بالتوازي مع حرصها على عدم فتح جبهة مباشرة جديدة في اليمن، خصوصاً في ظل الحرب مع إيران والجبهة اللبنانية وحساسية حركة السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر.
وكان توصيف مصدر إسرائيلي لقناة N12 أكثر صراحة، إذ قال إن الوضع في باب المندب «أسوأ من هرمز»، لأن أنصار الله أصبحوا في النقطة الأقصر والأضيق، ويمكنهم مشاهدة السفن بالعين المجردة وإطلاق الصواريخ المضادة للدروع عليها.
وهذا يعني أن التحكم بالمضيق لم يعد يحتاج حصراً إلى صواريخ بحرية بعيدة المدى أو منظومات رصد معقدة، بعدما أصبحت السفن داخل مجال المراقبة والاستهداف المباشر من ذوباب وميون.
وذهبت صحيفة كالكاليست إلى وضع عنوان يقول إن «الحوثيين يقدمون لإيران إنجازاً كبيراً»، رابطين بين سقوط البديل السعودي لمضيق هرمز وبين إحجام واشنطن عن الدخول في مواجهة عسكرية جديدة.
أما هآرتس فرأت أن السيطرة على ميون تمثل أهم تقدم لأنصار الله نحو الإمساك بباب المندب، وأنها تمنح إيران أفضلية إضافية في المواجهة والتفاوض مع الولايات المتحدة.
وهكذا انتقلت الصحافة الإسرائيلية من الحديث عن خطر يمني بعيد إلى الإقرار بنشوء معادلة بحرية جديدة تشمل هرمز وباب المندب معاً.
الجواب هو أن قيمة ما جرى لا تتوقف على إقفال باب المندب فوراً.
فامتلاك القدرة على التحكم به، بالتزامن مع شبه توقف الملاحة في هرمز، يضع تدفق نحو ثلاثين مليون برميل من النفط يومياً تحت التهديد، ويمنح محور المقاومة موقعاً تفاوضياً جديداً.
وعندما تطلب السعودية التدخل الأميركي ثم تكتشف أن واشنطن لا تريد حرباً إضافية، تصبح العودة إلى مذكرة التفاهم أقل كلفة من اختبار الإقفال المزدوج، بما تتضمنه من انسحاب إسرائيلي من لبنان وفك الحصار عن اليمن وفتح طريق التسوية السياسية فيه.
من هنا يُقرأ اجتماع الاثنين في عُمان بوصفه استجابة خليجية للدعوة الإيرانية إلى التفاوض، وقد جاءت هذه المرة مسنودة بالعصا الغليظة التي يمثلها باب المندب، بعدما أضيف إلى القبضة الإيرانية على هرمز.
وبعدما ثبت أن التراجع الأميركي عن دخول الحرب إلى جانب السعودية، رغم إتصال محمد بن سلمان مع ترامب مرتين طالباً التدخل العسكري، يمنح الضوء الأخضر لفتح مسار تفاوضي جدي، ويكشف في الوقت نفسه تسليماً أميركياً وخليجياً بالعجز عن تغيير المعادلة الميدانية.
لم يعد ممكناً الرهان على استعادة المخا وذوباب وميون بالقصف الجوي، ولا على فتح هرمز بالقوة، بينما يهدد جمع المضيقين بتعطيل تدفق نحو ثلاثين مليون برميل من النفط يومياً.
لذلك لا يمثل اجتماع عُمان محاولة خليجية لمنع ولادة مرحلة جديدة، بل يأتي في سياق انخراط خليجي في مرحلة بدأت فعلاً، يعكس الاتجاه الذي رسمه اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي مع وزير الخارجية الأميركي في 25 حزيران الماضي بعد اسبوع على توقيع مذكرة التفاهم الاميركية الايرانية للتأسيس لخطة الانقلاب على المذكرة، بعد اختبار خطة الانقلاب بلغ كل شيء مداه وحسم الأمر، لذلك فإن السعودية تنتقل من طلب الحرب إلى قبول التفاوض، وواشنطن تمتنع عن التصعيد، وإيران تدخل المفاوضات وهي تمسك بهرمز ويقف حليفها اليمني عند باب المندب، فتغدو العودة إلى مذكرة التفاهم عنواناً لتنظيم موازين القوى الجديدة لا انقلاباً عليها.
