في تطور سياسي لافت يعكس اتساع الضغوط على العدو الإسرائيلي وتزايد التململ داخل العواصم الغربية من سلوكه العدواني المنفلت، أعلنت إيطاليا تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية التعاون الدفاعي مع العدو، وهي الاتفاقية التي تشمل تبادل المعدات العسكرية وأبحاث التكنولوجيا، في خطوة تكشف عن تصدع جديد في شبكة العلاقات العسكرية والسياسية التي حاول الاحتلال ترسيخها داخل أوروبا.
وأعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني أن حكومتها قررت، “نظرا للوضع الراهن”، تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية الدفاع مع العدو الإسرائيلي، في إشارة واضحة إلى أن استمرار الحروب والتوترات والاعتداءات التي أشعلها الاحتلال في المنطقة بات يفرض ارتدادات مباشرة على علاقاته مع شركائه الغربيين. ووفق ما نقلته وكالة الأنباء الإيطالية، فإن وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو وجّه رسالة إلى نظيره في حكومة العدو يسرائيل كاتس لإبلاغه رسميا بقرار تعليق مذكرة التفاهم التي دخلت حيز التنفيذ في 13 أبريل 2016 وكانت تُجدد تلقائيا كل خمس سنوات.
وتنبع أهمية هذه الخطوة من طبيعة الاتفاقية نفسها، إذ إنها لا تتعلق بمجرد تنسيق بروتوكولي، بل تؤسس لإطار تعاون في قطاع الدفاع يشمل تبادل المواد العسكرية والأبحاث التكنولوجية بين القوات المسلحة للطرفين. ومن هنا، فإن قرار التعليق لا يحمل فقط بعدا إجرائيا، بل يمثل إشارة سياسية واضحة إلى اهتزاز الثقة الإيطالية في استمرار العلاقة العسكرية مع كيان يواصل جرائمه وحروبه وتوسيع عدوانه على أكثر من ساحة.
ويأتي هذا القرار في سياق توتر متصاعد بين روما والعدو الإسرائيلي، على خلفية إطلاق قوات الاحتلال نيرانًا تحذيرية على قوافل تابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “يونيفيل”، التي تضم جنودا إيطاليين، في حوادث وقعت يومي 8 و12 أبريل. وقد دفعت هذه التطورات وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إلى استدعاء السفير الإسرائيلي لدى روما، في خطوة عكست حجم الانزعاج الإيطالي من سلوك الاحتلال، خصوصا بعد أن امتد تهوره إلى قوات دولية تضم عناصر أوروبية تعمل ضمن إطار أممي.
كما زاد من حدة التوتر ما صدر عن تاياني خلال زيارته إلى بيروت، حيث أكد تضامن بلاده مع لبنان في مواجهة الهجمات التي تستهدف المدنيين، وهو ما أثار غضب الجانب الإسرائيلي الذي ردّ باستدعاء السفير الإيطالي في تل أبيب. ويكشف هذا التبادل الدبلوماسي المتوتر أن العلاقة بين الطرفين لم تعد محكومة فقط باعتبارات التحالف التقليدي، بل باتت تتأثر مباشرة بكلفة الجرائم الإسرائيلية وانعكاساتها على مصالح الدول الغربية وجنودها ومواقعها السياسية في المنطقة.
وفي السياق نفسه، ربطت ميلوني بين ضرورة دفع مفاوضات السلام قدمًا وبين أهمية إعادة فتح مضيق هرمز وتحقيق الاستقرار، مؤكدة أن هذا المضيق يمثل مسألة حيوية بالنسبة لإيطاليا ليس فقط في ما يخص إمدادات الوقود بل أيضًا الأسمدة. وهذا الربط يعكس إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن الحروب التي يغذيها العدو الإسرائيلي والولايات المتحدة لم تعد مجرد نزاعات بعيدة، بل تحولت إلى تهديد مباشر للأمن الاقتصادي والطاقة والاستقرار التجاري الأوروبي.
وبذلك، فإن قرار إيطاليا تعليق تجديد اتفاقية التعاون العسكري مع العدو الإسرائيلي لا يبدو مجرد خطوة فنية مؤقتة، بل يمثل مؤشرًا على اتساع العزلة السياسية والعسكرية للاحتلال حتى داخل بعض العواصم التي احتفظت طويلًا بعلاقات وثيقة معه. كما يكشف أن العدوان المتواصل على لبنان والمنطقة بدأ يرتد على داعميه، وأن منسوب الحرج والغضب من ممارساته يتصاعد مع كل جريمة جديدة، خصوصًا حين تمس هذه الجرائم قوات دولية أو تضع مصالح الدول الأوروبية في دائرة الخطر المباشر.
