غادر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية إسلام آباد متوجهاً إلى مسقط بعد زيارة رسمية قصيرة ومكثفة استغرقت نحو 19 ساعة، في خطوة عكست انتقال الوساطة الباكستانية إلى مرحلة أكثر حساسية، بعد تسلّم إسلام آباد ردّ طهران الشامل على المقترحات المطروحة، وسط ترقب لما إذا كانت هذه التحركات ستفضي إلى جولة محادثات ثانية أم ستظل أسيرة التباين العميق بين الموقفين الإيراني والأمريكي.
وشهدت الزيارة سلسلة اجتماعات رفيعة المستوى، تُوّجت بلقاء أخير مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بحضور وزراء الخارجية والداخلية وقائد الجيش عاصم منير ومستشار الأمن القومي، في مؤشر على أن باكستان لا تتحرك هنا كقناة لنقل الرسائل فقط، بل كطرف يسعى إلى صياغة حلول وتفكيك العقد المعقدة بين طهران وواشنطن. كما أشارت المعطيات إلى أن قائد الجيش الباكستاني يضطلع بدور محوري في بلورة الأفكار وتقريب وجهات النظر، وهو ما يمنح الوساطة الباكستانية طابعاً سياسياً وأمنياً يتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي.
وبحسب ما ورد، حمل عراقجي إلى إسلام آباد ردّاً إيرانياً مكتوباً وشاملاً على مقترحات سبق أن قدمها الجانب الباكستاني خلال زيارة سابقة إلى طهران، مع تأكيد إيراني على أن هذا الرد يراعي كل ملاحظات طهران وشروطها. وفي المقابل، تعمل باكستان حالياً على دراسة هذه المقترحات وتقييمها وتحسينها قبل عرضها على الولايات المتحدة، في محاولة لدفع واشنطن نحو إرسال مبعوثيها والموافقة على جولة ثانية من التفاوض.
في العمق، تتمحور الرؤية الإيرانية حول الخروج من حالة “اللاحرب واللاسلم” التي ترفضها طهران، والوصول إلى إنهاء شامل للحرب لا مجرد إدارة مؤقتة للتوتر. وتشمل الشروط الإيرانية، وفق ما ورد، ضمانات قانونية عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن والدول الحاضنة تمنع الولايات المتحدة و”إسرائيل” من تكرار الهجوم على إيران، إضافة إلى فك الحصار عن الموانئ الإيرانية ومعالجة ملف مضيق هرمز بوصفه جزءاً من أي تفاهم مقبل. وهذا يعني أن طهران لا تنظر إلى المفاوضات كمسار منفصل عن الميدان، بل كمسار مرتبط مباشرة بالسيادة والأمن القومي ورفع القيود البحرية.
وفي هذا الإطار، برز مقترح “حل وسط” طرحته باكستان ويخضع حالياً للنقاش، يقوم على خفض محدود ومتبادل للتصعيد: بحيث تخفف إيران قبضتها عن مضيق هرمز وتسمح بمرور عدد محدود من السفن، مقابل تخفيف أمريكي موازٍ للحصار المفروض على الموانئ الإيرانية. غير أن طهران، بحسب المعطيات، تنتظر الرد الأمريكي على هذا الطرح، وتعتبر أن أي تشدد أمريكي في ملف الموانئ سيجهض أي فرصة لمسار تفاوضي جديد.
ومع مغادرة عراقجي إلى سلطنة عمان، تراجعت فرص عقد لقاء مباشر في إسلام آباد مع المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهو احتمال كانت مصادر إيرانية قد وصفته أصلاً بأنه ضعيف جداً ومرتبط حصراً بمدى استجابة واشنطن المسبقة للشروط الإيرانية. وفي الوقت ذاته، تمسكت الولايات المتحدة بخطاب مختلف، إذ أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن ويتكوف وكوشنر سيتوجهان إلى إسلام آباد لإجراء محادثات مباشرة مع الإيرانيين بوساطة باكستانية، بينما شدد ترامب على أن إيران راغبة في التفاوض وتقديم عرض يلبي المطالب الأمريكية.
غير أن هذا الطرح الأمريكي قوبل بنفي إيراني واضح، إذ أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أنه لا توجد خطط لأي اجتماع بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد، كما نقل الإعلام الإيراني ووكالة فارس عن مصادر قريبة من مجلس الأمن القومي الإيراني أنه لا مفاوضات مباشرة مع واشنطن في هذه المرحلة. وهذا التباين بين الجزم الأمريكي والنفي الإيراني يعكس مستوى انعدام الثقة بين الطرفين، كما يكشف أن واشنطن تريد إظهار المسار وكأنه يتقدم، بينما تصر طهران على أن أي خطوة جديدة لا يمكن أن تقوم على الضجيج الإعلامي بل على تجاوب أمريكي فعلي مع المطالب الأساسية.
وفي الخلفية، تشير المعطيات إلى أن المقترح الأمريكي نفسه يدور حول كيفية التعامل مع حصار الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز، والبحث عن صيغة وسط ترضي الطرفين. كما تبرز مؤشرات على احتمال تغيير مستوى التفاوض والفريق المفاوض الإيراني، وربما نقل مكان التفاوض لاحقاً من باكستان إلى سلطنة عمان، مع حديث عن دخول روسيا أيضاً على خط تذليل العقبات، وخصوصاً في الملف النووي الإيراني. وبذلك، فإن ما جرى في إسلام آباد لا يبدو خاتمة لمسار، بل مرحلة تمهيدية كثيفة قد تفضي إلى إعادة تشكيل منصة الوساطة وتوزيع الأدوار بين أكثر من عاصمة.
في الخلاصة، أظهرت زيارة عراقجي لإسلام آباد أن طهران سلّمت ردها ورفعت شروطها بوضوح، وأن باكستان تحاول الانتقال من دور الوسيط الناقل إلى الوسيط الصانع للأفكار والحلول، فيما تبقى الجولة الثانية من المحادثات مرهونة بالعقدة الأمريكية الأساسية: هل ستقبل واشنطن بمقاربة تعترف بمطالب إيران في الموانئ وهرمز والضمانات القانونية، أم ستواصل الرهان على ضغوط لا تنتج سوى مزيد من التعقيد؟ وحتى تتضح الإجابة، يبقى الترقب سيد الموقف، وتظل الوساطة الباكستانية أمام اختبار بالغ الصعوبة في واحد من أكثر ملفات المنطقة حساسية.
