تكشف المعطيات الجديدة عن إخفاق أمريكي واضح في مضيق هرمز، بعد أن اضطرت واشنطن إلى الاعتراف، ولو متأخرة، بأن بوارجها تعرضت لهجمات إيرانية مركبة خلال محاولتها فرض ما سمّاه دونالد ترامب “مشروع الحرية” لفتح المضيق بالقوة. فبعد النفي الأولي، جاءت إفادات مسؤولين أمريكيين لتؤكد أن المدمرتين “ميسون” و“تروكستون” تعرضتا لهجمات برية وبحرية وجوية، في تطور يعزز الرواية الإيرانية التي تحدثت منذ البداية عن إفشال العملية الأمريكية وإجبار القطع البحرية المعادية على التراجع تحت الضغط.
وبحسب ما نقلته شبكة سي بي إس عن مسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية، فإن القوات الإيرانية استهدفت البارجتين بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة وزوارق سريعة، وهو ما يكشف طبيعة الاشتباك الواسع الذي دار في محيط المضيق، ويؤكد أن طهران لم تتعامل مع التحرك الأمريكي باعتباره مجرد استعراض عابر، بل بوصفه محاولة عدوانية مباشرة لكسر السيادة الإيرانية على هرمز، استوجبت رداً متعدد الأبعاد والأدوات.
هذا الاعتراف الأمريكي المتأخر لا يفضح فقط التناقض في الرواية الأمريكية، بل يثبت أن واشنطن حاولت بداية التستر على حجم الإخفاق الذي منيت به خلال محاولتها فرض أمر واقع جديد في المضيق. غير أن عودة المسؤولين الأمريكيين للاعتراف بما جرى تعني أن ما حدث كان أكبر من أن يُخفى، وأن “مشروع الحرية” الذي حاول ترامب تسويقه باعتباره مبادرة لحماية الملاحة، اصطدم منذ لحظاته الأولى بقوة الرد الإيراني وبصلابة المعادلة التي فرضتها طهران في هرمز.
وفي موازاة هذا التطور البحري، تكشفت خسارة أمريكية جديدة في أجواء المضيق، مع ورود تقارير عن اختفاء طائرة عسكرية أمريكية للتزود بالوقود من نوع “كيه سي – 135” خلال تحليقها فوق هرمز. وأظهرت مقاطع تتبع ملاحي أن الطائرة ظلت تدور في مسار دائري محدود قبل أن تحاول العودة إلى قاعدتها في قطر، لكنها اختفت بشكل مفاجئ، وسط تقارير تحدثت عن إطلاقها نداء استغاثة قبل فقدانها.
ورغم عدم صدور إعلان نهائي بشأن مصير الطائرة وطاقمها، فإن اختفائها في هذا التوقيت الحساس يحمل دلالات عسكرية كبيرة، خاصة في ظل محاولات واشنطن الترويج لسيطرة جوية وبحرية على المضيق. وإذا ما تأكد إسقاطها أو إصابتها، فإن ذلك سيعني أن إيران لا تكتفي بمنع التقدم البحري الأمريكي، بل تملك أيضاً قدرات ردع جوي مؤثرة قادرة على تهديد الطائرات العسكرية الأمريكية حتى في أكثر الممرات حساسية في المنطقة.
وتزداد أهمية هذا التطور إذا ما وُضع في سياق المواجهات الأخيرة، حيث سبق أن تحدثت تقارير عن تدمير طائرات أمريكية مماثلة سواء في الجو أو داخل قواعدها في السعودية ودول خليجية أخرى. وهذا يعني أن إيران لا تخوض مواجهة دفاعية محدودة، بل تدير معركة استنزاف مركبة تستهدف المنظومة الأمريكية في البحر والجو والقواعد الخلفية، وتمنع واشنطن من فرض صورة الهيمنة التي تحاول تصديرها إلى العالم.
وفي القراءة الأوسع، يبدو أن ما جرى في هرمز أسقط عملياً خطاب ترامب عن “الحرية” و”تحرير الملاحة”، وأعاد تعريف المشهد على أساس أكثر واقعية: الولايات المتحدة حاولت فتح المضيق بالقوة، فواجهتها إيران بالنار من البر والبحر والجو، وأثبتت أن هرمز ليس ممراً متروكاً للإرادة الأمريكية، بل ساحة سيادة وردع تتحدد قواعدها من طهران لا من البيت الأبيض.
وبذلك، فإن الاعتراف الأمريكي بالهجمات على المدمرتين، بالتزامن مع حادثة الطائرة العسكرية، يرسم صورة واضحة عن الارتباك الأمريكي في المضيق، ويؤكد أن إيران لم تنجح فقط في إفشال العملية العسكرية الأمريكية، بل فرضت كذلك كلفة ميدانية وسياسية وإعلامية على واشنطن، جعلت مشروعها المزعوم يبدو أقرب إلى مغامرة فاشلة انتهت بانكشاف الرواية الأمريكية وتأكيد فاعلية الرد الإيراني.
