رفعت إيران، اليوم، سقف رسائلها السياسية والعسكرية تجاه واشنطن، مؤكدة أن أي عودة إلى خيار الحرب لن تكون تكراراً للجولة السابقة، بل ستُواجَه بقدرات أعادت إيران بناءها وتعزيزها خلال فترة وقف إطلاق النار، وبمعادلة ردع أكثر اتساعاً وإيلاماً للقوات الأمريكية. وتأتي هذه الرسائل في ظل توتر متجدد بعد تصريحات أمريكية عن احتمال استئناف الضربات على إيران إذا لم يتحقق تقدم سياسي.
وفي هذا السياق، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن ما كشفه الكونغرس الأمريكي بشأن خسائر القوات الأمريكية خلال الحرب الأخيرة يفضح الحجم الحقيقي للكلفة العسكرية التي تكبدتها واشنطن، مؤكداً أن القوات المسلحة الإيرانية أثبتت قدرتها على مواجهة أحدث المنظومات الأمريكية. وقال إن اعتراف الأمريكيين بخسارة عشرات الطائرات بمليارات الدولارات بعد أشهر من بدء الحرب، يكشف أن الرهان على التفوق التقني لم يمنح واشنطن الحسم الذي كانت تتوهمه.
وأضاف عراقجي أن إيران تأكدت بأنها الأولى التي أسقطت طائرة F-35 التي طالما جرى الترويج لها باعتبارها ذروة التفوق الجوي الأمريكي، مشيراً إلى أن الخبرات والدروس التي راكمتها القوات الإيرانية خلال الحرب ستجعل أي عودة إلى المواجهة العسكرية تحمل “الكثير من المفاجآت الأخرى”. وبذلك، لا تقدم طهران خطاباً دفاعياً محضاً، بل رسالة واضحة مفادها أن الجولة المقبلة، إذا فُرضت، ستكون أعلى كلفة وأشد تعقيداً على القوات الأمريكية.
وتستند هذه الرسالة إلى تقرير تناول كلفة الحرب التي بدأت، وفق الرواية الإيرانية، في 28 فبراير 2026 بالتنسيق بين الولايات المتحدة و”إسرائيل”، وشملت مواجهات جوية وبحرية وصاروخية واسعة. ووفق هذا التقرير، بلغت تقديرات تكاليف العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران نحو 29 مليار دولار، وسط حديث عن خسائر وأضرار طالت عشرات الطائرات والمسيّرات الأمريكية، بينها مقاتلات F-15E وF-35A، وطائرات للتزود بالوقود والإنذار المبكر، إضافة إلى فقدان 24 طائرة مسيّرة من طراز MQ-9 Reaper، فضلاً عن أضرار أصابت مدمرات وطائرات دعم وعمليات إنقاذ.
ومن جانبه، مضى رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أبعد في رسم صورة المواجهة المحتملة، مؤكداً أن الولايات المتحدة، إذا عادت إلى العدوان، فإنها “ستعلق مجدداً في حرب لا نهاية لها ولا إمكانية للانتصار فيها”. وفي لهجة حادة، قال إن هذه المرة سيُدفع ثمن إشعال الحروب من قبل “الفقراء والمنسيين الأمريكيين” الذين يتحملون تبعات مغامرات الأوليغارشية القريبة من البيت الأبيض.
وأشار قاليباف إلى أن التحركات العلنية والخفية للعدو تكشف أنه ما يزال يسعى إلى جولة جديدة من الحرب، لكنه حرص في المقابل على طمأنة الداخل الإيراني بأن القوات المسلحة استغلت فرصة وقف إطلاق النار بأفضل شكل ممكن من أجل إعادة بناء وتعزيز قدراتها، متعهداً بأن إيران ستجعل العدو يندم على أي اعتداء مجدد.
وفي الشق الداخلي، أقر قاليباف بوجود ارتفاع في الأسعار وتكاليف المعيشة، لكنه شدد على أن الشعب الإيراني لن ينحني أبداً أمام الغطرسة والبلطجة، معتبراً أن من أخطاء العدو الحسابية اعتقاده أن اشتداد الضغوط المعيشية سيؤدي إلى إضعاف الانسجام الوطني. وأكد أن هذا الرهان خاطئ، وأن المرحلة تتطلب إدارة جهادية تحافظ على الوحدة وتحوّل التحديات إلى فرصة لتعزيز التماسك الداخلي.
كما أعلن عن تشكيل لجنة رقابية خاصة في مجلس الشورى الإسلامي لمتابعة القضايا المعيشية وتأمين السلع الأساسية، مؤكداً أن التأمين المستدام للمواد الأساسية يجب أن يكون أولوية عليا لجميع المسؤولين. وفي الوقت نفسه، حذر من أن بعض الانتقادات الموجهة للحكومة تتصرف وكأن أي حرب لم تقع، مع إقراره بوجود بعض نقاط الضعف الإدارية، لكنه اعتبر أن إعطاء عناوين وإشارات خاطئة في هذه المرحلة يضر بالوحدة الوطنية ويخدم رهانات العدو.
وفي المحصلة، تكشف رسائل عراقجي وقاليباف أن طهران تريد تثبيت معادلة واضحة: العدو لم ينجح في كسر إيران بالحرب الماضية، ولن ينجح في إخضاعها باستئناف العدوان أو مواصلة الحصار. فإيران، وفق هذا الخطاب، خرجت من الحرب بخبرة أكبر، وبقناعة أرسخ بقدرتها على الصمود والرد، فيما تواصل واشنطن المراوحة بين التهديد والدبلوماسية من دون امتلاك ضمانة حقيقية للنجاح العسكري. ولهذا، فإن أي مغامرة جديدة لن تواجه فقط جبهة إيرانية مستعدة، بل ستصطدم أيضاً بإرادة سياسية تعتبر أن الاستسلام للمطالب الأمريكية المفرطة ليس خياراً، وأن الرد المقبل سيكون أشد وأوسع وأوجع.
