ذات صلة

الأكثر مشاهدة

السياسي الأعلى يرفع سقف الرد.. “جمعة التحذير والنفير” لمواجهة العدوان والحصار

أكد المجلس السياسي الأعلى أن الرد على العدوان السعودي...

واشنطن تكشف الغطاء الكامل للرياض.. دعم أمريكي صريح لأي عدوان سعودي جديد على اليمن

كشفت التصريحات الأمريكية الأخيرة بوضوح أن واشنطن لم تعد...

مفاوضات الحيص بيص.. مفاوضات سعودية بمنهجية إسرائيلية

 ليس من قبيل المصادفة العابرة، أن يتشابه الكيان السعودي...

ضربة واحدة غيّرت المعادلة

في لحظة فارقة من تاريخ الصراع مع قوى العدوان...

مسيّرات الألياف الضوئية تعزل الاحتلال ميدانياً.. حزب الله يفرض حرب استنزاف مرنة تربك توغل الاحتلال في جنوب لبنان

يدخل القتال في جنوب لبنان مرحلة أكثر تعقيداً بالنسبة لجيش الاحتلال، مع اتساع أثر التكتيك اللامركزي الذي يعتمده حزب الله، والقائم على الدمج بين المسيّرات الانقضاضية، والاشتباكات المباشرة، والقصف الصاروخي المتكرر لمحاور التقدم ونقاط التمركز، بما أدى إلى عزل قوات الاحتلال الإسرائيلي ميدانياً وتضييق هامش حركتها في مناطق التوغل، وتحويل أي تقدم بري إلى عملية مكلفة ومضطربة. وتكشف المعطيات أن هذا النمط القتالي لم يعد مجرد أسلوب استنزاف ظرفي، بل تحول إلى مقاربة عملياتية متكاملة تضرب الحركة، وتربك القيادة، وتمنع الاحتلال من تثبيت سيطرته النارية داخل مسرح المواجهة.

وبحسب القراءة الميدانية، كثّف حزب الله خلال الساعات الأخيرة استخدام المسيّرات العاملة بالألياف الضوئية، وهي طائرات يصعب رصدها أو التشويش عليها بسبب اعتمادها على خيط بصري دقيق يربطها بالمشغّل ويمنحها قدرة أعلى على المناورة والاستمرار. وتتمتع هذه المسيّرات، التي يصفها الحزب بـ الانقضاضية، بقدرة على حمل متفجرات يصل وزنها إلى نحو 4.5 كيلوغرامات، ما يجعلها أداة فعالة في استهداف الأهداف النقطية، والمواقع الأمامية، ووسائط القيادة والسيطرة، والآليات، ومنظومات القبة الحديدية. وهذه الخصائص التقنية تفسر لماذا بات هذا السلاح في قلب القلق الإسرائيلي المتصاعد.

وتشير المعطيات إلى أن هذا النوع من المسيّرات أصبح من أخطر التهديدات الميدانية بالنسبة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، في ظل غياب حل تقني فعّال للتعامل معه داخل مناطق الاشتباك، وخصوصاً مع استخدامه ضد المواقع العسكرية المستحدثة، ونقاط تمركز القوات، ووسائط الاتصالات، والبنية الأمامية للدفاع. وقد دفعت هذه التطورات لجنة الخارجية والأمن في الكنيست إلى عقد جلسة خاصة لمناقشة فشل الجيش في وقف هذا التهديد، في اعتراف ضمني بأن المسألة لم تعد مجرد إزعاج تكتيكي محدود، بل مشكلة عملياتية متفاقمة تضرب جاهزية الاحتلال وتكشف حدود تفوقه التكنولوجي.

وفي الميدان، أعاد حزب الله خلال اليومين الماضيين تفعيل سلاح الصواريخ بصورة مكثفة، مستهدفاً تجمعات لجنود الإحتلال في الناقورة والبياضة ودبل ورشاف، إلى جانب قصف جرافة عسكرية من نوع D9 في مدينة الخيام. كما أعلن خوض اشتباكات مباشرة مع قوات للاحتلال حاولت التقدم من محور رشاف باتجاه بلدة حداثا، موضحاً أن الاشتباك استمر لساعات واستُخدمت فيه أسلحة متوسطة، مع الحديث عن وقوع إصابات في صفوف القوة المتوغلة. وتكشف هذه الوقائع أن الحزب لا يكتفي بإدارة المعركة من بُعد، بل يمزج بين النيران غير المباشرة والاحتكاك القريب بما يزيد الضغط على القوات المهاجمة ويمنعها من العمل في بيئة مستقرة أو آمنة.

ويرى الخبير العسكري العميد المتقاعد بهاء حلال أن مسيّرات FPV أصبحت أداة مركزية في المعركة، لا لأنها تستنزف العدو فقط، بل لأنها تؤدي أيضاً دوراً استراتيجياً في استهداف القادة وتعطيل حركة القوات البرية. ويضيف أن نجاح الحزب في تنفيذ عمليات ضد قيادات إسرائيلية رفيعة يكشف امتلاكه قدرة استخبارية متقدمة تشمل الرصد والمتابعة وتوقيت الضربات، إلى جانب استطلاع لحظوي يتيح تعقب التحركات على محاور التقدم المختلفة. وهذا يعني أن التهديد لا يكمن في الطائرة وحدها، بل في المنظومة المتكاملة التي تديرها وتغذيها بالمعلومة والتوقيت والهدف.

ووفق هذا التقدير، فإن هذه المسيّرات نجحت في تقييد حركة الآليات المدرعة والمشاة، وأجبرت جيش الاحتلال على تقليص أعداد قواته المتقدمة لتجنب تحولها إلى أهداف مباشرة، وهو ما انعكس فوراً على قدرته في فرض السيطرة النارية داخل مناطق التوغل. فهذه السيطرة تحتاج إلى حرية حركة للمدفعية ووحدات الاستطلاع والقوات البرية، غير أن حزب الله يضرب المواقع الأمامية ومحاور التقدم المفترضة بصورة متكررة، بما يمنع تثبيت التمركز ويحوّل أي محاولة توغل إلى نزف بطيء تحت النار.

كما يشير التقييم إلى أن قوات الإحتلال حاولت التقدم عبر محور مرجليوط–الطيبة باتجاه نهر الليطاني باعتباره محور جهد رئيسياً، إلا أن وعورة المنطقة قرب خلة راج وصعوبة تحرك الآليات العسكرية، بالتوازي مع الكمائن والاستهدافات المباشرة، أدتا إلى تعثر العملية وتعريض القوات لكمائن نارية موجعة. وتظهر الوقائع أن الاحتلال لا يواجه فقط تضاريس صعبة، بل إدارة قتالية مرنة تستثمر الأرض وتتحرك بقيادة لامركزية تسمح بتنفيذ عمليات متفرقة تربك الوحدات المتوغلة وتفكك إيقاعها القتالي.

وفي ضوء هذه الوقائع، لا تبدو المسيّرات اليوم مجرد أداة دعم في المعركة، بل رافعة مركزية تعيد صياغة قواعد الاشتباك. فهي تضرب الآليات، والمواقع، والمنظومات الدفاعية، ونقاط القيادة، وحتى حرية القرار الميداني لدى الاحتلال. كما أنها تخلق فجوة استنزاف اقتصادية وعملياتية، إذ تستخدم المقاومة وسائل منخفضة الكلفة وعالية التأثير، في مقابل اضطرار الاحتلال إلى إنفاق كبير على دفاعات مؤقتة ومحدودة الجدوى.

spot_imgspot_img