تكشف التحركات الأمريكية الأخيرة أن واشنطن لم تعد تتصرف من موقع القوة الواثقة في ملف مضيق هرمز، بل من موقع الباحث عن غطاء دولي وشركاء يتقاسمون معها كلفة المواجهة، بعد أن اصطدمت حساباتها السابقة بصلابة الموقف الإيراني وتعقيدات المشهد الإقليمي. فالتصريحات الأمريكية الصادرة في الساعات الأخيرة، بالتوازي مع الحراك الأوروبي والخليجي، توحي بأن الإدارة الأمريكية تحاول إعادة ترتيب مشهد انسحابها من مأزق هرمز من دون أن تبدو مهزومة بالكامل.
وفي هذا السياق، بدا واضحاً أن الولايات المتحدة تعوّل على أوروبا لانتشالها من مأزقها المتفاقم في هرمز. فقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خلال مؤتمر لحلف الناتو أن بلاده ستقبل بأي مساعدة من حلفائها فيما يتعلق بالمضيق، في إشارة مباشرة إلى حاجة واشنطن إلى إسناد أوروبي بعد أن فشلت في فرض معادلتها منفردة. ولم يخفِ روبيو امتعاض إدارة ترامب من بعض الدول الغربية التي رفضت السماح باستخدام قواعدها في الحرب على إيران، وهو ما يكشف أن التحالف الغربي نفسه لم يعد متماسكاً بالكامل خلف المغامرة الأمريكية.
وتزامنت هذه التصريحات مع تحركات أمريكية لافتة في أوروبا، من بينها عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعزيز الجناح الشرقي للقارة بـ خمسة آلاف جندي في بولندا، في وقت تتصاعد فيه التوترات مع روسيا. ويحمل هذا التحرك دلالات مزدوجة: فمن جهة تحاول واشنطن ترميم ثقة الأوروبيين واستدراجهم إلى الاصطفاف معها، ومن جهة أخرى تسعى إلى إعادة توزيع العبء العسكري والسياسي في ملفات التوتر الكبرى، وعلى رأسها هرمز. وهذا يأتي بعد فترة لوّحت فيها الولايات المتحدة بسحب قواتها من أوروبا، وبدأت فعلاً بسحب آلاف الجنود من ألمانيا، بما يعكس تناقضاً أمريكياً واضحاً بين التهديد بالتراجع والحاجة الملحّة للاستنجاد بالحلفاء.
وفي المقابل، تقود دول أوروبية رئيسية، وفي مقدمتها فرنسا وبريطانيا، مساراً موازياً في ملف هرمز، عبر السعي إلى توفير غطاء شرعي دولي لتحركاتها تحت عنوان “حماية حرية الملاحة”. ويتجلى ذلك في الدفع بمشروع داخل مجلس الأمن لتأمين شرعية دولية لهذا الحضور العسكري، بالتزامن مع إرسال بوارج وأساطيل حربية، بينها حاملة طائرات فرنسية إلى بحر العرب، حيث تتمركز قطع أمريكية أخرى. لكن هذا الحراك الأوروبي، وإن بدا في ظاهره مسانداً لواشنطن، قد يتحول عملياً إلى فخ سياسي وعسكري تجر فيه أمريكا حلفاءها إلى مواجهة مفتوحة مع إيران تحت لافتة الملاحة الدولية.
ويزداد هذا الاحتمال وضوحاً مع ما نقل عن ترامب بشأن رغبته في توجيه ضربة كبيرة لإيران قبل إعلان “النصر” وإنهاء الحرب. فهذه الفكرة لا تعبّر عن ثقة أمريكية بالحسم، بل عن محاولة انتقامية واستعراضية لفرض مشهد ختامي بالقوة بعد الفشل في تحقيق اختراق استراتيجي حقيقي. كما أنها تكشف استعداد ترامب لترك الأوروبيين أمام أمر واقع خطير: إما الالتحاق بالمواجهة وتحمل كلفتها، أو الظهور بمظهر العاجز عن حماية المسار الذي دفع نحوه داخل مجلس الأمن والبحار الإقليمية.
وفي تطور لا يقل أهمية، بدأت أبرز ثلاثة حلفاء لأمريكا في الخليج إظهار رفض واضح للعودة إلى الحرب على إيران، بما يكشف عمق القلق الإقليمي من تداعيات أي مغامرة أمريكية جديدة. فقد انضمت الإمارات رسمياً إلى قطر والسعودية في رفض استئناف التصعيد، حيث اعتبر أنور قرقاش أن عودة الحرب لن تؤدي إلا إلى تعقيد المشهد أكثر، داعياً إلى الحل السياسي ومعالجة القضايا الأساسية بعيداً عن منطق الانفجار الجديد.
وفي قطر، جاء اتصال الأمير تميم بن حمد بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليؤكد أن الدوحة تتحرك في اتجاه خفض التصعيد ومواصلة المسارات السياسية، لا الانجرار إلى جولة عسكرية جديدة. أما السعودية، فتشير المعطيات إلى أنها كثفت اتصالاتها لمنع استئناف الحرب، خصوصاً مع اقتراب موسم الحج وما يحمله من حساسية دينية وأمنية واقتصادية. وهذا يعني أن واشنطن تجد نفسها اليوم في مواجهة حقيقة غير مريحة: حتى حلفاؤها الخليجيون الأوثق لا يريدون دفع ثمن مغامرة أمريكية جديدة ضد إيران.
وهنا تتكشف المفارقة الكبرى: الولايات المتحدة التي حاولت طويلاً إقناع العالم بأنها تمسك بزمام المبادرة في هرمز، تبدو الآن باحثة عن مخرج يحفظ ماء الوجه، في وقت يرفض فيه الأوروبيون التورط الكامل من دون غطاء، ويتحفظ الخليجيون على العودة إلى النار، فيما تواصل إيران التلويح بأن أي عدوان جديد سيقود إلى توسيع المواجهة على امتداد خارطة المنطقة. وهذا يعني أن واشنطن لم تعد تقود مشهداً هجومياً متماسكاً، بل تدير أزمة انسحاب من مأزق استراتيجي تحاول تأجيل كلفته وإعادة توزيعها على الآخرين.
في المحصلة، فإن التعويل الأمريكي على أوروبا، بالتزامن مع رفض خليجي متصاعد، يعكس أن واشنطن لم تعد تملك ترف الحرب المنفردة، ولا قدرة فرض التسويات بالقوة كما تريد. بل إن كل المؤشرات تدل على أن أي ضربة أمريكية جديدة لن تكون بداية نصر، بل بوابة تورط أوسع سيحاول الجميع تجنبه، فيما تبقى إيران الطرف الذي نجح حتى الآن في إغلاق طريق الحسم العسكري وتحويل تهديدات ترامب إلى عبء على حلفائه قبل خصومه.
