في لحظاتٍ تاريخيةٍ فارقة، لا تُقاسُ فيها المواقف إلا بمدى انحيازها لكرامة الأوطان أَو بيعها في مزادات التسوية، يبرزُ المشهدُ الذي تضمنته صورة الاحتضان بين سفيرة حكومة لبنان وسفير كيان الاحتلال كأصدق تعبيرٍ عن حالة الذل والانبطاح، والانكسار السياسي.
إنّ ما وُصف زورًا بأنه “اتّفاق” بين حكومة لبنان وحكومة كيان الاحتلال، ليس سوى محطةٍ جديدة في مسار التنازلات التي تنهشُ جسد السيادة اللبنانية، وتصادرُ القرار الوطني لحساب أجنداتٍ لا تعرف للحق طريقًا ولا للأرض حرمة.
تغوُّلٌ على السيادة:
يأتي هذا الاتّفاقُ في توقيتٍ دقيق، ليؤكّـد أن اليدَ التي امتدت للمصافحة أَو العناق – هي يدٌ غافلة عن دماء الشهداء وأنين المظلومين، ومتجاهلةً لحقوق شعبٍ يرى في هذا “كيان الاحتلال الغاصب” عدوًّا وجوديًّا لا يمكن أن يكون شريكًا في أي معادلةٍ تحفظ الأمن أَو الكرامة.
إنّ جوهرَ هذا الاتّفاق يكمن في الإرادَة السياسية التي قرّرت الارتماء في حضن الذل، متجاهلةً أن السيادة لا تتجزأ، وأن القرار الوطني لا يمكن أن يُستمد من مظلات الرعاية الدولية التي تخدم مصلحة المعتدي أولًا.
سقوط القناع:
لا يمكن قراءة المشهد الذي تجلى في صورة الاحتضان بمعزلٍ عن السياق العام للسياسة اللبنانية الراهنة.
إن هذا العِناقَ السياسي، الذي يختزل كُـلّ معاني الخضوع، يمثل طعنةً في ظهر كُـلّ من آمن بأن المقاومة هي السبيل الوحيد لانتزاع الحقوق.
ما رأيناه في تلك الصورة المُقززة يُعد انحلال أخلاقي واضح وانسلاخ سياسي بشع يعبر عن حالة الانبطاح الذي وصلت إليه الحكومة اللبنانية، إننا نقفُ اليومَ أمامَ مشهد مأساوي يترجم “تطبيع الإرادَة” قبل تطبيع العلاقات، حَيثُ يتم تمريرُ اتّفاقات العار تحت لافتات الواقعية السياسية الزائفة، بينما الحقيقة هي انتهاك صارخٌ لكل الثوابت التي قامت عليها كرامة هذا البلد.
إنّ الشعوبَ لا تُهزَم بالعدوان الخارجي بقدر ما تُهزم بالانكسارات الداخلية والاتّفاقات التي تُبرم في الغُرَف المظلمة على حساب دماء أبنائها.
صرخةٌ في وجه النسيان:
إن التاريخَ لن يرحَمَ أُولئك الذين جعلوا من أنفسهم أدواتٍ رخيصةً لترسيخِ وجود المحتلّ، ولن يغفرَ لهم “اتّفاقُ العار” الذي ينتهكُ السيادةَ ويصادرُ القرار.
ورغم قتامة الصورة، يبقى الرهانُ الحقيقي على وعي الشعوب العربية التي ترفضُ أن تُباع أوطانها في سوق النخاسة السياسي، وتصرُّ على أن الحق الذي وراءه مُطالب، لن يضيع أبدًا، مهما بلغت ذروة العمالة أَو طال أمدُ الانبطاح للعدو.
