ذات صلة

الأكثر مشاهدة

تصعيد خطير في هرمز.. عدوان أمريكي يستهدف جزيرة لارك والحرس الثوري يتوعد بالرد

شهدت منطقة مضيق هرمز، مساء الأحد، تصعيداً عسكرياً جديداً...

بعد عقد من الحصار صنعاء تفرض قواعد اشتباك جديدة

هناك أحداث تمر في المنطقة كخبر عابر لبضع ساعات ثم تختفي، وهناك أحداث تكشف ما يجري خلف الستار وتفضح حجم التغيرات التي تتشكل بصمت حتى تأتي لحظة ظهورها أمام الجميع.

ما جرى في أجواء اليمن فجر الجمعة يندرج ضمن النوع الثاني، فالقضية لم تعد مرتبطة بطائرة مدنية إيرانية تقل مرضى وجرحى وعالقين بقدر ما أصبحت مرتبطة بالسؤال الأكبر: من الذي يملك القرار في سماء اليمن؟ ومن الذي يحدد مصير مطار صنعاء؟ ومن الذي يرسم حدود السيادة اليمنية بعد أحد عشر عاماً من الحرب والحصار؟

البيان الصادر عن القوات المسلحة اليمنية حمل في ظاهره توصيفاً لواقعة عسكرية محددة، لكن في جوهره، هو إعلان سياسي من العيار الثقيل، إعلان يقول إن مرحلة الوصاية على اليمن تواجه اختباراً حقيقياً، وإن صنعاء لم تعد مستعدة للتعامل مع حصار المطار باعتباره أمراً واقعاً يمكن التعايش معه إلى أجل غير معلوم.

منذ بداية الحرب اعتمدت السعودية على فرضية ثابتة مفادها أن السيطرة على المنافذ الجوية والبحرية ستبقي اليمن تحت الضغط الدائم، وستمنح الرياض القدرة على التحكم بإيقاع الأحداث..هذه الفرضية تعرضت خلال السنوات الماضية لسلسلة طويلة من الضربات، فشل الحرب العسكرية، فشل الرهان على الانهيار الداخلي، فشل محاولات عزل صنعاء سياسياً، ثم جاءت التطورات الأخيرة لتضع ملف المطار نفسه في قلب المواجهة.

فعندما يضطر الطيران الحربي السعودي إلى التدخل لمنع هبوط طائرة مدنية، فإن ذلك يكشف حجم القلق الذي تعيشه الرياض من أي خطوة يمكن أن تؤدي إلى كسر الحصار المفروض على اليمن، وعندما تنجح الدفاعات الجوية اليمنية في إفشال هذه المحاولة وإجبار الطائرات المعادية على المغادرة، فإن الرسالة تصبح أكثر وضوحاً بأن زمن انتهاك سيادة اليمن بلا كلفة يتآكل بسرعة.

والمسألة هنا تتجاوز الجانب العسكري المباشر، لأن أي مراقب للصراعات الكبرى يعرف أن معارك السيادة تبدأ غالباً من تفاصيل تبدو صغيرة للوهلة الأولى، رحلة جوية هنا، سفينة هناك، معبر حدودي في مكان آخر، ثم تتراكم الوقائع حتى تتحول إلى حقائق سياسية جديدة، وهذا بالضبط ما يبدو أن صنعاء تسعى إليه اليوم، أن تثبيت حقها في تشغيل مطارها الوطني باعتباره حقاً سيادياً غير قابل للمساومة أو الابتزاز.

اللافت في البيان أن لغة الثقة كانت حاضرة في كل سطر تقريباً، حيث لا توجد لغة دفاعية، ولا توجد إشارات إلى القلق أو التردد، فهناك طرف يتحدث وكأنه يدرك جيداً حجم ما يمتلكه من أوراق قوة، ولهذا جاء التحذير الموجه إلى السعودية واضحاً وصريحاً وحاداً، بأن أي عدوان جديد، أو أي محاولة جديدة لفرض الحصار بالقوة ستقابل برد يستهدف المطارات والمصالح الحيوية.

فهذه ليست جملة إنشائية أضيفت لإكمال البيان، ومن يعرف مسار الحرب خلال الأعوام الماضية يدرك أن صنعاء تتحدث انطلاقاً من تجربة طويلة أثبتت فيها قدرتها على نقل المعركة إلى عمق الخصوم، ولهذا فإن أهمية التحذير تكمن في أنه يصدر بعد سنوات من تراكم القدرات العسكرية والتقنية والخبرات القتالية، وليس في ظروف ضعف أو ارتباك.

أما بالنسبة للشريك الأساسي في الحرب والحصار “الولايات المتحدة”، فتبدو اليوم أمام نتيجة معاكسة لكل الأهداف التي سعت إليها، فواشنطن أرادت يمنًا منهكاً ومنعزلاً ومحاصراً، والذي تشكل على الأرض كان شيئاً مختلفاً تماماً، فهناك قدرات عسكرية تتطور باستمرار، ومنظومات ردع تتوسع، وحضور سياسي أكثر رسوخاً، وعلاقات إقليمية ما زالت قائمة رغم كل العقوبات والضغوط.

ومن المفارقات أن الحصار الذي كان يفترض أن يؤدي إلى إخضاع اليمن تحول مع مرور الوقت إلى أحد أهم العوامل التي دفعت اليمنيين إلى بناء خياراتهم الذاتية وتطوير أدواتهم العسكرية والتقنية، وهناك كثيرون في المنطقة يتذكرون كيف كانت وسائل الإعلام الأمريكية والخليجية تتحدث بثقة عن حسم سريع وعن انهيار وشيك، واليوم أصبح الحديث يدور حول كيفية احتواء قوة صاعدة فرضت نفسها رقماً صعباً في معادلات الإقليم.

الشق المتعلق بإيران في البيان لا يقل أهمية عن الجانب العسكري، فالإشادة بالمبادرة الإيرانية واستمرار الرحلات بين صنعاء وطهران يحملان رسالة سياسية مباشرة إلى واشنطن والرياض وأبوظبي، حيث أن الرسالة تقول إن محاولات عزل اليمن عن محيطه الاستراتيجي لم تحقق أهدافها، وإن العلاقات بين أطراف محور المقاومة تتجه نحو مزيد من التنسيق والانفتاح رغم كل الضغوط.

وهنا يكمن أحد أسباب التوتر الحقيقي لدى الكيان الصهيوني، فهو يدرك أن أي نجاح يحققه اليمن في كسر الحصار وتعزيز ارتباطه بمحور المقاومة يضيف عنصراً جديداً إلى بيئة استراتيجية تزداد تعقيداً بالنسبة لها، ولذلك فإن ما يجري في صنعاء لا يُنظر إليه داخل المؤسسات الأمنية الصهيونية كملف محلي منفصل، وإنما كجزء من مشهد إقليمي واسع تتراجع فيه هيبة المشروع الأمريكي تدريجياً وتتعرض أدواته السياسية والعسكرية لاختبارات متلاحقة.

حتى الإمارات التي حاولت خلال السنوات الماضية تقديم نفسها باعتبارها لاعباً إقليمياً قادراً على تشكيل الوقائع في اليمن، تجد نفسها أمام مشهد مختلف تماماً عما خططت له، فالمعادلات التي رُسمت في غرف القرار الخارجية اصطدمت بإرادة شعبية وعسكرية أثبتت قدرة عالية على الصمود والتكيف وإفشال المشاريع التي استهدفت وحدة اليمن واستقلال قراره الوطني.

ومن زاوية إعلامية يمكن ملاحظة أن البيان تعمد استخدام مفردات السيادة والردع وكسر الحصار أكثر من استخدام مفردات الشكوى أو التظلم، وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن الخطاب الإعلامي هنا لا يسعى إلى استجداء التعاطف الدولي، وإنما إلى تثبيت صورة طرف يمتلك الإرادة والقدرة والاستعداد للذهاب بعيداً في معركة فرض الحقوق الوطنية.

وفي صنعاء حيث اعتاد الناس خلال سنوات طويلة على سماع أخبار الحصار والقيود والإجراءات والمنع، يشعر كثيرون اليوم أن النقاش لم يعد يدور حول إمكانية كسر الحصار، وإنما حول سرعة هذا المسار وحدود توسعه، وهذه ملاحظة يمكن التقاطها من المزاج العام ومن طريقة استقبال مثل هذه التطورات، خصوصاً بعد سنوات أثبتت أن الوقائع الميدانية كثيراً ما سبقت توقعات الخصوم وحساباتهم.

لهذا كله فإن البيان لا يمكن قراءته باعتباره رد فعل على حادثة طارئة، فنحن أمام وثيقة سياسية وعسكرية تعكس مزاج مرحلة كاملة، مرحلة تتقدم فيها صنعاء بثقة أكبر، وتتراجع فيها رهانات الحرب والحصار، وتتسع فيها دائرة القلق داخل العواصم التي اعتقدت يوماً أن اليمن سيبقى محكوماً بإرادتها، وما جرى فجر الجمعة قد يكون واحداً من المؤشرات التي ستعود إليها مراكز الدراسات والدوائر السياسية لاحقاً عندما تحاول فهم الكيفية التي بدأت بها معادلات جديدة بالتشكل في هذه المنطقة المضطربة من العالم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد إبراهيم المنصور

spot_imgspot_img