كشفت عمليات الدفاع الجوي اليمني خلال الأيام الأخيرة عن فشل جديد للرهان السعودي على الطائرات المسيّرة التركية، بعدما تمكنت القوات المسلحة اليمنية من إسقاط طائرة استطلاع من نوع “كاراييل” في أجواء محافظة صعدة، بعد يومين فقط من إسقاط طائرة مسيّرة تركية متطورة من طراز “بيرقدار أكينجي” في محافظة الجوف.
ويؤكد إسقاط الطائرتين خلال فترة زمنية قصيرة أن الصفقات الضخمة التي أبرمتها الرياض مع أنقرة لم تمنح القوات السعودية التفوق الذي راهنت عليه في الأجواء اليمنية، بل تحولت المسيّرات التركية إلى أهداف مكشوفة أمام منظومة الدفاع الجوي اليمنية.
وكانت القوات المسلحة اليمنية قد أعلنت إسقاط طائرة “كاراييل” أثناء تنفيذها أعمالاً عدائية في أجواء محافظة صعدة، مستخدمة “سلاحاً مناسباً”، في عملية عززت حضور الدفاعات الجوية اليمنية وأثبتت قدرتها على اكتشاف الطائرات المعادية والتعامل معها قبل إتمام مهامها.
وجاءت العملية بعد يومين من إسقاط طائرة “بيرقدار أكينجي” التركية الصنع التابعة للنظام السعودي في أجواء محافظة الجوف، وهي من بين أحدث وأثقل الطائرات المسيّرة التي تعاقدت السعودية على شرائها ضمن مشروع واسع لتحديث قدراتها العسكرية.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي تسقط فيها الدفاعات اليمنية طائرة من طراز “كاراييل”، إذ سبق إسقاط طائرة تجسسية مقاتلة من النوع نفسه عام 2021 أثناء تنفيذها مهمة عدائية في أجواء منطقة المرازيق بمحافظة الجوف.
ويعني تكرار إسقاط هذا الطراز أن الطائرة التي قدمتها الشركات التركية باعتبارها منصة متطورة للاستطلاع والضربات الدقيقة لم تثبت قدرتها على العمل بأمان داخل الأجواء اليمنية، رغم ما تحمله من أنظمة حماية وملاحة ورصد متقدمة.
وتعد طائرة Vestel Karayel طائرة تكتيكية مسيّرة طورتها شركة “فستيل” التركية، وتُستخدم في مهام المراقبة والاستطلاع وتحديد الأهداف وتنفيذ الضربات الدقيقة، كما صُممت وفق معيار الناتو STANAG-4671 المتعلق بصلاحية الطائرات العسكرية غير المأهولة للطيران.
وتقول الشركة المصنعة إن الطائرة مزودة بأنظمة إلكترونية متطورة للحماية من الأعطال والتصادم، كما تستطيع الإقلاع والهبوط والتحليق بصورة مستقلة، إلى جانب قدرتها على كشف الأهداف وتوجيه الذخائر الموجهة بالليزر.
إلا أن إسقاطها المتكرر في اليمن يكشف أن هذه المواصفات لم تمنع الدفاعات الجوية اليمنية من رصدها واستهدافها، وهو ما يضع علامات استفهام حول جدواها العملياتية في بيئة قتالية حقيقية أمام خصم يمتلك قدرات متطورة في الرصد والاعتراض.
أما طائرة “بيرقدار أكينجي”، فتُعد واحدة من أبرز منتجات الصناعات الدفاعية التركية، وتتميز بقدرتها على التحليق على ارتفاع يصل إلى 40 ألف قدم، والبقاء في الجو لنحو 24 ساعة، وحمل حمولة تصل إلى 1350 كيلوغراماً.
كما يبلغ طول جناحيها نحو 20 متراً، وطولها الإجمالي 12.2 متراً، وهي مزودة بأنظمة رادار وحرب إلكترونية وقدرة على حمل صواريخ وذخائر دقيقة، ما جعلها من أهم الطائرات التي راهنت عليها السعودية لرفع جاهزية قواتها الجوية.
لكن إسقاطها في أجواء الجوف أسقط معها جانباً كبيراً من الصورة الدعائية التي رافقت الصفقة، وأثبت أن امتلاك التكنولوجيا المتقدمة لا يضمن التفوق ما لم تكن محمية بمنظومة تشغيل واستخبارات ودفاع فعالة.
وكانت السعودية وتركيا قد وقعتا عام 2023 اتفاقيات ومذكرات تفاهم لتوطين صناعة الطائرات المسيّرة والأنظمة المكونة لها داخل المملكة، ضمن توجه سعودي لتقليل الاعتماد الكامل على السلاح الأمريكي والبريطاني.
وأعلن وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان حينها توقيع عقدين مع شركة “بايكار” التركية لشراء طائرات مسيّرة، وقال إن الهدف هو “رفع جاهزية القوات المسلحة وتعزيز قدرات المملكة الدفاعية والتصنيعية”.
ووُصفت الصفقة بأنها أكبر عقد دفاعي في تاريخ تركيا، فيما قدرت قيمة صفقة “أكينجي” بنحو 3 مليارات دولار، ضمن مسار سعودي أوسع لتطوير الصناعات العسكرية وتوطين جزء من إنتاج الطائرات المسيّرة.
وخصصت الرياض خلال عام 2025 ميزانية دفاعية بلغت نحو 78 مليار دولار، وهي من بين الأعلى في المنطقة، في محاولة لتعزيز قدراتها العسكرية وشراء أحدث الأسلحة والمنظومات الدفاعية.
كما تسعى السعودية إلى الوصول إلى نسبة تتراوح بين 30% و40% من احتياجاتها الدفاعية عبر التوطين والشراكات الخارجية، خصوصاً مع تركيا، في ظل استمرار اعتماد جيشها على الطيران والتكنولوجيا الأمريكية والبريطانية.
ولا يقتصر التعاون السعودي–التركي على الطائرات المسيّرة، إذ تسعى أنقرة إلى إبرام صفقات دفاعية إضافية تقدر بنحو 6 مليارات دولار، تشمل سفناً حربية ودبابات وأنظمة صاروخية.
كما تدفع تركيا نحو إشراك السعودية في برنامج تطوير المقاتلة الشبحية “قآن”، فيما تتطلع الرياض إلى شراء نحو 100 مقاتلة من هذا الطراز عند دخولها الخدمة، والمتوقع خلال عام 2028.
غير أن إسقاط “كاراييل” و”أكينجي” في اليمن يطرح تساؤلات مباشرة حول قيمة هذا التوسع في التسليح، ومدى قدرة المنظومات التركية على تغيير موازين المعركة أو حماية الأجواء السعودية من الردود اليمنية.
فالرياض تنفق مليارات الدولارات على شراء الطائرات ونقل تقنياتها، بينما تنجح الدفاعات اليمنية في إسقاطها داخل أجواء الجوف وصعدة، ما يحول الصفقات التي قُدمت باعتبارها قفزة عسكرية إلى رهان مكلف ونتائج محدودة.
ويكشف هذا الواقع أن المشكلة السعودية لا تكمن في نقص السلاح، بل في غياب القدرة على توظيفه بكفاءة أمام تطور القدرات اليمنية، خصوصاً في مجالات الرصد الجوي والدفاعات الجوية والأسلحة المناسبة لإسقاط الطائرات المسيّرة.
كما يؤكد أن القوات المسلحة اليمنية انتقلت من مرحلة مواجهة الطائرات التقليدية بصعوبة إلى مرحلة إسقاط طائرات استطلاع وهجوم متطورة، بما في ذلك أنظمة قُدمت بوصفها من فخر الصناعات الدفاعية التركية.
ويحمل إسقاط الطائرتين رسالة سياسية وعسكرية إلى الرياض مفادها أن الأجواء اليمنية لم تعد ميداناً مفتوحاً للطيران السعودي أو للطائرات الأجنبية التي تشتريها المملكة، وأن كل منصة تستخدم في مهام عدائية ستصبح هدفاً مشروعاً للدفاعات اليمنية.
