كشفت بيانات ملاحية وتقارير دولية حديثة عن تراجع حاد في عمليات تحميل النفط الخام من ميناء ينبع السعودي، في ظل استمرار تنفيذ قرار القوات المسلحة اليمنية فرض الحصار البحري على الموانئ والملاحة المرتبطة بالسعودية، بما يضع أحد أهم منافذ تصدير النفط السعودي أمام خطر الشلل التدريجي.
وتشير المعطيات إلى أن التداعيات التي سبق أن أصابت ميناء إيلات الإسرائيلي باتت تقترب اليوم من ميناء ينبع، مع تراجع حركة الناقلات، وانخفاض رحلات التحميل، ولجوء بعض السفن إلى إخفاء تحركاتها عبر إيقاف أنظمة التعريف الآلي.
وأفادت وكالة رويترز، استناداً إلى بيانات ملاحية متخصصة، بانخفاض عمليات تحميل النفط الخام من ميناء ينبع عقب إعلان القوات المسلحة اليمنية بدء فرض الحصار البحري على السعودية.
ونقلت الوكالة عن شركة “إيه.إكس.إس مارين” أن “عدد رحلات تحميل النفط من ميناء ينبع تراجع إلى 16 رحلة خلال الأسبوع الماضي، مقارنة بـ35 رحلة في الأسبوع الذي سبقه”.
وتكشف هذه الأرقام عن تراجع يتجاوز النصف في وتيرة الشحن خلال أسبوع واحد، بما يعكس الضغط المباشر الذي بدأت تمارسه الإجراءات اليمنية على أحد أبرز موانئ تصدير النفط السعودي في البحر الأحمر.
ولا يمثل هذا الانخفاض مجرد تذبذب مؤقت في حركة الناقلات، بل مؤشراً على اتساع المخاطر المحيطة بالميناء، وتزايد خشية شركات الشحن والتأمين من استمرار الرحلات المرتبطة بتصدير النفط السعودي عبر البحر الأحمر.
كما نقلت رويترز عن شركة “فورتكسا” المتخصصة في تتبع حركة النفط أن “عمليات التحميل السرية من ميناء ينبع شهدت زيادة ملحوظة”، مع قيام بعض ناقلات النفط بإيقاف أجهزة نظام التعريف الآلي AIS أثناء عمليات التحميل والتحرك.
ويكشف اللجوء إلى إطفاء أجهزة التتبع حجم الارتباك الذي أصاب حركة التصدير السعودية، ومحاولة بعض الناقلات إخفاء هويتها ومسارها وارتباطها بالموانئ السعودية، بعد تحول قرار الحظر اليمني إلى واقع ميداني نافذ.
غير أن إيقاف أجهزة التعريف الآلي لا يوفر حماية للسفن، بل يضاعف المخاطر المحيطة بها، ويجعل تحركاتها أكثر غموضاً أمام بقية السفن والجهات الملاحية، إلى جانب وضعها تحت الاشتباه باعتبارها ناقلات تحاول التحايل على قرار الحظر.
ومن هذا المنطلق، تتحمل السلطات السعودية المسؤولية الكاملة عن تعريض السفن وطاقمها للخطر، عبر الدفع نحو عمليات تحميل سرية ومحاولات تهريب النفط وإخفاء بيانات الملاحة، بدلاً من معالجة الأسباب التي دفعت صنعاء إلى فرض الحصار.
وكانت القوات المسلحة اليمنية قد أكدت أن استئناف حركة تصدير النفط السعودي بصورة طبيعية يتطلب وقف العدوان، وإنهاء الحصار المفروض على اليمن، وفتح المطارات والموانئ، واحترام السيادة اليمنية.
أما مواصلة المماطلة والتصعيد ومحاولات الالتفاف على الحظر، فإنها تعني توسيع دائرة الاستهداف وتحميل الرياض كامل المسؤولية عن النتائج المترتبة على ذلك.
وتأتي هذه التطورات بعد أيام من إعلان القوات المسلحة اليمنية بدء تنفيذ الحصار البحري على الموانئ السعودية، واستهداف عدد من السفن والناقلات المرتبطة بحركة تصدير النفط السعودي.
كما سبقتها تقارير ملاحية أشارت إلى انخفاض تحميلات النفط الخام في ميناء ينبع بنحو 40% بعد 19 يوليو، قبل أن تكشف البيانات الأحدث عن تراجع عدد رحلات التحميل من 35 إلى 16 رحلة فقط.
ويعزز هذا التسلسل الزمني صورة التأثير المتصاعد للحظر اليمني؛ إذ بدأت التداعيات بتغيير مسارات السفن، ثم تراجع عمليات التحميل، وصولاً إلى إطفاء أجهزة التتبع ومحاولة تنفيذ رحلات سرية بعيداً عن أنظمة الرصد.
ويكتسب ميناء ينبع أهمية استراتيجية كبيرة، لكونه منفذاً رئيسياً لتصدير النفط السعودي عبر البحر الأحمر، ونقطة النهاية لخط أنابيب الشرق–الغرب الذي ينقل الخام من حقول المنطقة الشرقية إلى الساحل الغربي.
ولهذا، فإن تعطيل حركة ينبع لا يضغط على ميناء منفرد فحسب، بل يستهدف شبكة كاملة لنقل النفط وتصديره، تعتمد عليها الرياض بوصفها بديلاً عن المسارات البحرية المهددة في الخليج.
ويكشف انخفاض الشحنات من ينبع أن معادلة “الحصار بالحصار” بدأت تضرب في صميم الخيارات التي راهنت عليها السعودية لتأمين صادراتها النفطية بعيداً عن مضيق هرمز.
فإذا كان ميناء إيلات قد واجه شللاً واسعاً بفعل العمليات اليمنية في البحر الأحمر، فإن ميناء ينبع يسير اليوم في الاتجاه نفسه، مع فارق أن أثره يرتبط مباشرة بعصب الاقتصاد السعودي وصادراته النفطية.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن استمرار الحظر سيقود إلى مزيد من التراجع في حركة الناقلات، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتراجع قدرة الميناء على الحفاظ على وتيرة التصدير المعتادة.
كما أن اضطرار السفن إلى إخفاء بياناتها أو تغيير مساراتها يكشف أن الحظر لم يعد مجرد تهديد عسكري، بل أصبح عاملاً مؤثراً في قرارات الشركات الدولية وإدارة الأساطيل النفطية.
