كشف تقرير استقصائي غربي عن ملامح أزمة متصاعدة داخل منظومة الدفاع الجوي التابعة للعدو الإسرائيلي، في ظل تراجع حاد في مخزون الصواريخ الاعتراضية خلال الحرب المستمرة مع إيران، وتزايد الضغط الناتج عن اتساع الجبهات وانخراط قوى المقاومة في لبنان واليمن في مسار المواجهة، بما بدّد أوهام الحسم السريع وفتح الباب أمام استنزاف مركّب يطال البنية الدفاعية للكيان وحلفائه معاً.
وبحسب التقرير الذي نشره موقع “دروب سايت” واستند إلى تحليل صادر عن معهد RUSI البريطاني، فإن عدد الصواريخ الاعتراضية المتبقية لدى الاحتلال للتصدي للصواريخ الباليستية انخفض إلى مستوى بالغ الخطورة، حتى إنه وصل إلى “رقمين” فقط وفقاً لمصدر في إدارة ترامب. ويعني ذلك، وفق القراءة التي يقدمها التقرير، أن الحرب لم تعد تدور حول قدرة “إسرائيل” على اعتراض الهجمات فحسب، بل حول مدى قدرتها على مواصلة الصمود الدفاعي أصلاً في ظل الاستنزاف المتراكم.
ويشير التقرير إلى أن هذا التراجع الحاد في المخزون دفع الاحتلال إلى الاعتماد المتزايد على البحرية الأمريكية في عمليات الدفاع الصاروخي، حيث أطلقت الولايات المتحدة 431 صاروخاً من طراز “إيجيس” البحري من أصل 2500 صاروخ في مخزونها، لتتحول واشنطن عملياً إلى “المنقذ الأخير” لمنظومة الدفاع الإسرائيلية. وهذه المعطيات لا تعكس فقط هشاشة الجبهة الداخلية للكيان، بل تكشف أيضاً أن تل أبيب لم تعد قادرة على حماية نفسها من دون استنزاف مباشر للمخزون الأمريكي نفسه.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ يؤكد التقرير أن الجيش الأمريكي اضطر في الوقت ذاته إلى تخصيص كميات كبيرة من مخزونه المحدود لحماية دول الخليج العربي، ما أدى إلى سحب جزء من الذخائر التي كانت مخصصة لدعم الردع الأمريكي في مواجهة الصين. وبذلك، فإن حرب إيران لم تستنزف الدفاعات الإسرائيلية فقط، بل بدأت تترك أثرها أيضاً على التوازنات العسكرية الأمريكية الأوسع، بما يربط بين جبهات الشرق الأوسط وحسابات واشنطن في آسيا والمحيط الهادئ.
وفي ما يعد أحد أبرز استنتاجات التقرير، فإن انضمام حزب الله في لبنان وأنصار الله في اليمن إلى الحرب أضاف عبئاً ثقيلاً ومتصاعداً على الدفاعات الإسرائيلية، وأدى إلى تسريع وتيرة النضوب في مخزون الصواريخ الاعتراضية. فبدلاً من مواجهة جبهة واحدة، وجد الاحتلال نفسه أمام تعدد في مصادر النيران والضغط، وهو ما فاقم الحاجة إلى الاعتراض المتكرر، ورفع كلفة الدفاع إلى مستويات غير مسبوقة. ويخلص التقرير إلى أن هذا التطور شكّل عاملاً حاسماً في مضاعفة الاستنزاف، بعدما بات الكيان مطالباً بتوزيع قدراته الدفاعية على أكثر من محور وفي توقيت متقارب.
كما يلفت التقرير إلى أن الرهان الإسرائيلي على تدمير منصات الإطلاق والقواعد الصاروخية الإيرانية تحت الأرض عبر الغارات الجوية لم يحقق أهدافه، إذ أثبتت هذه البنية المحصنة صعوبة بالغة في التدمير، ما أفشل نظرية “النصر السريع” التي روّج لها قادة الاحتلال في بداية الحرب. ومع استمرار الصواريخ الإيرانية في الوصول، لم يعد الاستنزاف الإسرائيلي حالة مؤقتة، بل تحول إلى معضلة بنيوية داخل المعركة.
ويعزز التقرير هذا الاستنتاج بالإشارة إلى بيانات مستندة إلى المعهد اليهودي للأمن القومي، أظهرت أن معدل إصابة الصواريخ ارتفع من 3% في بداية الحرب إلى 27% لاحقاً، وهو ارتفاع لافت يكشف بوضوح تراجع فعالية المظلة الاعتراضية مع مرور الوقت. ويُرجع التقرير هذا التصاعد، جزئياً، إلى استخدام إيران صواريخ برؤوس عنقودية ذات تأثير أكثر تشتتاً، الأمر الذي أجبر الاحتلال على استهلاك مزيد من الصواريخ الاعتراضية في محاولة لاحتواء التهديدات المتعددة والمتفرعة.
ومن أخطر ما يكشفه التقرير أن الصناعة الدفاعية نفسها تعاني من بطء شديد في إنتاج الصواريخ الاعتراضية، إذ إن رفع وتيرة الإنتاج من 96 صاروخاً إلى 400 صاروخ سنوياً سيستغرق، بحسب التقديرات، سبع سنوات كاملة، ما يعني أن الأزمة الحالية لا يمكن معالجتها سريعاً، وأن أي محاولة لترميم المخزون ستبقى عاجزة عن إحداث أثر حاسم في المدى القريب. وهذا يمنح قوى المقاومة ومعها إيران أفضلية استراتيجية قائمة على استنزاف طويل النفس يتجاوز زمن المعركة المباشرة إلى ما بعدها.
وفي مقابل هذه المؤشرات المقلقة، حاول وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس نفي وجود أزمة، مدعياً أن لدى الاحتلال ما يكفي من الصواريخ الاعتراضية، غير أن التقرير يضع هذا النفي في سياق محاولة احتواء الصدمة داخلياً والتقليل من حجم الخسائر المتراكمة، خصوصاً مع اتساع القلق داخل الكيان من انكشاف منظومته الدفاعية أمام حرب متعددة الجبهات.
في المحصلة، يقدم هذا التقرير الغربي صورة واضحة عن تآكل الدرع الدفاعي الإسرائيلي تحت ضغط الحرب مع إيران واتساع جبهات الإسناد من لبنان واليمن، ويؤكد أن ما كان يُسوَّق باعتباره تفوقاً تقنياً حاسماً بدأ يفقد توازنه أمام الاستنزاف المتواصل، وتعدد مسارات النيران، وصعوبة تعويض المخزون. وبهذا المعنى، فإن أخطر ما تكشفه هذه المعطيات ليس فقط نقص الصواريخ الاعتراضية، بل انكشاف حقيقة أن الحرب الراهنة تدفع الكيان إلى مرحلة دفاع منهك، فيما تواصل قوى المقاومة مراكمة الضغط وتوسيع فجوة العجز داخل المنظومة الإسرائيلية.
