في لحظةٍ حرجة من الصراع المفتوح مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، برزت طهران بصورة سياسية داخلية متماسكة، سعت من خلالها إلى تفنيد رواية دونالد ترامب القائلة بوجود انقسام داخل منظومة الحكم الإيرانية حول الحرب والتفاوض، وإلى تثبيت معادلة واضحة مفادها أن إيران تتحرك من موقع وحدة القرار ووحدة الموقف ووحدة الأولويات الوطنية، لا من موقع التباين أو التصدع الذي تحاول واشنطن الإيحاء به.
هذه الرسالة بدأت بشكل مباشر من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي أكد أن “الإيرانيين موحدون اليوم أكثر من أي وقت مضى”، وأن “الجبهتين الميدانية والدبلوماسية متسقتان تماماً”، في تعبير مكثف عن رؤية رسمية تعتبر أن التفاوض ليس مساراً منفصلاً عن الميدان، بل امتداد له، وأن القرار الإيراني لا يتحرك في مسارين متناقضين، بل في خط واحد تحكمه المصلحة الوطنية العليا. وجاء كلام عراقجي في توقيت بالغ الدلالة، بعد لحظات من صدور موقفين متطابقين في المضمون للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، أكدا فيهما أن “لا وجود لمتطرفين أو معتدلين في إيران، وكلنا إيرانيون وثوار”، وأن وحدة الأمة والحكومة والالتفاف حول القيادة هي الإطار الذي ستُجبر من خلاله إيران المعتدي على الندم.
بدوره، أكد قائد الثورة الإسلامية في إيران، السيد مجتبى خامنئي، أن الحملة الإعلامية التي يشنها العدو تستهدف تقويض الوحدة الوطنية والأمن القومي الإيراني، مشددًا على أن إيران ستزداد قوةً وصلابةً بوحدة شعبها، وأن محاولات العدو لإضعاف الجبهة الداخلية لن تنجح في تحقيق أهدافها الخبيثة. وأضاف أن التلاحم الفريد بين أبناء الشعب الإيراني لم يقتصر أثره على تحصين الداخل، بل انعكس أيضًا على الطرف المقابل، حيث أدى إلى حدوث انقسام في صفوف العدو.
هذا التزامن في الرسائل الصادرة عن قائد الثورة ورأس السلطة التنفيذية ورأس السلطة التشريعية ووزارة الخارجية لم يكن مجرد تكرار سياسي، بل بدا كأنه رد منظم ومباشر على مزاعم ترامب الذي حاول تصوير المشهد الإيراني على أنه صراع بين “متشددين” و”معتدلين” داخل الدولة، وأن طهران تعاني من صعوبة في تحديد قيادتها أو مسارها. غير أن ما صدر من داخل إيران جاء على النقيض تماماً من هذا الادعاء: خطاب موحد، مصطلحات موحدة، سقف سياسي موحد، وربط موحد بين القرار التفاوضي والقرار الميداني.
ولم يتوقف الأمر عند حدود النخبة الحاكمة، بل امتد إلى الشارع الإيراني نفسه. فقد شهدت طهران ومدن إيرانية أخرى تظاهرات ليلية واسعة وُصفت بأنها الموجة الرابعة والخمسون من الفعاليات الشعبية، مع حضور كثيف في ميدان الثورة الإسلامية، وترديد أناشيد وهتافات في أكثر من ساحة، بينها ميدان الجمهورية وميدان الشهداء وميدان خراساني، إلى جانب تفاعل شعبي واسع مع إعلان وصول حملة “جان فدا” إلى 30 مليون مشارك بحسب ما تم تداوله. وهذا الحضور الجماهيري يمنح الرسالة الرسمية بعداً مجتمعياً واضحاً: فالوحدة التي تتحدث عنها الدولة لا تُقدَّم فقط كلغة خطاب، بل كحالة تعبئة وتماسك تتردد أيضاً في الشارع والساحات العامة.
ومن هنا، فإن محاولة ترامب تصوير إيران كمنظومة منقسمة تصطدم بجدار من الوقائع السياسية والشعبية. فالمشهد الإيراني، وفق ما تعكسه هذه التصريحات والتحركات، لا يبدو مشهداً لسلطة تتنازعها الاتجاهات، بل مشهد دولة تشدد على وحدة قرارها في لحظة مواجهة، وتربط أي تفاوض بمحددات ثابتة لا خلاف عليها. وأبرز هذه المحددات ما أعلنته الخارجية الإيرانية بوضوح، ومفاده أن أي اتفاق مع واشنطن يجب أن يؤمّن المصالح الوطنية الإيرانية، ويزيل التهديد، ويضمن عدم تكرار العدوان. وبذلك، فإن طهران لا تقدم نفسها كطرف يبحث عن مخرج تفاوضي بأي ثمن، بل كدولة تقول إن الطاولة ليست بديلاً عن الكرامة الوطنية، ولا يمكن أن تكون منصة لفرض الإملاءات الأمريكية.
في هذا السياق، تبدو وحدة الموقف الإيراني جزءاً من إعادة تعريف شروط التفاوض. فبدلاً من الانخراط في نقاشات حول من يدفع نحو التسوية ومن يرفضها، تحاول طهران تثبيت قاعدة مختلفة: ليس هناك تياران متصارعان، بل دولة واحدة بمؤسساتها، وشعب واحد في خلفيتها، وحدٌّ أدنى لا يمكن النزول عنه في أي تفاهم محتمل. وهذه النقطة بالذات تُفقد رواية ترامب الكثير من قيمتها، لأنها تفشل في اختراق البنية السياسية الإيرانية أو إظهارها كمنظومة قابلة للتفكيك من الداخل.
واللافت أن حتى بعض القراءات الأجنبية التي تناولت الحرب مع إيران ركزت على تناقض خطاب ترامب نفسه وعلى أثره السلبي في المفاوضات، أكثر من تركيزها على وجود انقسام داخل طهران. فقد جرى تقديم مواقفه في بعض التغطيات بوصفها مرتبكة ومتقلبة ومربكة للمسار التفاوضي، فيما أشارت تحليلات أخرى إلى أن الفوضى في البيت الأبيض منحت إيران مساحة أكبر للتماسك والمناورة، وأضعفت قابلية رسائل واشنطن للتصديق أو البناء عليها . وهذا يعني أن رواية “الانقسام الإيراني” لم تجد حتى في بعض القراءات الخارجية ما يعززها بقدر ما ظهر أن المشكلة الحقيقية تكمن في ارتباك الخطاب الأمريكي نفسه.
وعليه، فإن الصورة التي تحاول طهران ترسيخها اليوم تقوم على ثلاثة أعمدة مترابطة: وحدة مؤسسات الحكم، وحدة الخطاب السياسي، ووحدة الشارع في لحظة الدفاع عن السيادة. ومن خلال هذه الأعمدة، تسعى إيران إلى إفهام واشنطن أن الرهان على التناقضات الداخلية رهان خاسر، وأن أي تفاوض مستقبلي لن يمر إلا عبر الاعتراف بأن إيران تتحدث بصوت واحد عندما يتعلق الأمر بأمنها وحقوقها ومصالحها الوطنية.
وفي المحصلة، فإن الرسالة الإيرانية في هذه المرحلة تبدو شديدة الوضوح: لا انقسام بين “معتدلين” و”متشددين” كما يزعم ترامب، بل إجماع داخل الدولة والشارع على أن أي تفاهم مع واشنطن يجب أن يكون اتفاقاً يحفظ مصالح إيران، يرفع التهديد عنها، ويمنع تكرار العدوان. وبين تغريدات عراقجي، ورسالة بزشكيان وقاليباف، والحشود الليلية في الميادين، يتشكل مشهد موحد يريد أن يقول للأمريكيين إن طهران لا تتفاوض تحت ضغط التهويل، ولا تنكسر بإشاعة الانقسام، بل تدخل أي معركة سياسية أو ميدانية من موقع التماسك الوطني الكامل.
