بعد أقل من عامين على دخوله مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت محمولاً على فوز انتخابي واسع، أعلن كير ستارمر استقالته من رئاسة الحكومة البريطانية، منهياً مرحلة قصيرة ومضطربة من حكم حزب العمال، كانت قد بدأت بوعد كبير بإعادة “الاستقرار” إلى البلاد بعد سنوات من الفوضى السياسية، لكنها انتهت تحت ضغط الخسائر الانتخابية، والانقسامات الداخلية، وتراجع الثقة الشعبية، وصعود اليمين الشعبوي بقيادة نايجل فاراج.
قرأت الصحافة البريطانية استقالة ستارمر باعتبارها سقوطاً سياسياً لوعد الاستقرار أكثر من كونها نتيجة أزمة عابرة أو انتكاسة انتخابية محدودة. فالرجل الذي قدّم نفسه بوصفه رجل الإدارة الهادئة والكفاءة القانونية، عجز عن تحويل الأغلبية البرلمانية إلى مشروع حكم واضح، وفشل في بناء سردية سياسية مقنعة تشرح للناخبين ما الذي يريد تحقيقه، ولماذا، وإلى أين يقود البلاد في مرحلة اقتصادية واجتماعية معقدة.
وبحسب صحيفة إندبندنت، جاءت الضربة الأخيرة لستارمر عقب فوز عمدة مانشستر الكبرى السابق آندي بيرنهام في انتخابات ميكرفيلد الفرعية، وهي النتيجة التي قرأها كثيرون داخل حزب العمال باعتبارها مؤشراً على وجود شخصية قادرة على مواجهة صعود حزب “إصلاح المملكة المتحدة” بصورة أكثر فاعلية من ستارمر. غير أن الصحيفة أوضحت أن رحلة التراجع لم تبدأ من تلك الانتخابات، بل تراكمت عبر محطات عدة أضعفت موقع رئيس الوزراء تدريجياً داخل حزبه وأمام الرأي العام.
ومن أبرز تلك المحطات تراجع الحكومة عن خطط تقليص الإنفاق على ذوي الاحتياجات الخاصة بعد تمرد واسع داخل البرلمان، إضافة إلى الجدل الذي أثارته قرارات اقتصادية مرتبطة بتقليص مخصصات دعم التدفئة الشتوية لكبار السن. وزادت الأزمة تعقيداً مع فضيحة تعيين بيتر ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة في واشنطن، وما رافقها من كشف علاقات محرجة بملفات جيفري إبستين، الأمر الذي منح خصوم ستارمر مادة سياسية وأخلاقية إضافية للهجوم على حكومته.
كما شهدت ولاية ستارمر موجة استقالات وزارية لافتة، إذ غادر عدد كبير من الوزراء مواقعهم، بينهم وزير الدفاع جون هيلي، الذي استقال احتجاجاً على مستويات الإنفاق العسكري. وقد عززت هذه الاستقالات صورة حكومة مرتبكة وغير قادرة على ضبط صفوفها الداخلية أو فرض اتجاه سياسي ثابت، في وقت كانت فيه المعارضة اليمينية والشعبوية توسع حضورها داخل المزاج العام البريطاني.
أما صحيفة فايننشال تايمز، فقد ذهبت إلى أن الأزمة أعمق من سلسلة أخطاء أو ضربات انتخابية. فجوهر المشكلة، بحسب قراءتها، كان غياب الرؤية السياسية الواضحة منذ اليوم الأول لوصول ستارمر إلى السلطة. فقد دخل رئاسة الحكومة من دون برنامج حكم متماسك أو نظرية تغيير محددة، واعتمد على صورته كرجل إدارة منضبط أكثر من اعتماده على مشروع سياسي قادر على تحريك الدولة والحزب والمجتمع.
وتحوّلت الخلفية القانونية لستارمر، التي ساعدته في البداية على الظهور كزعيم هادئ ومنظم، إلى نقطة ضعف سياسية مع مرور الوقت. فقد بدا في الملفات الكبرى شديد الحذر والتردد، سواء في قضايا الضرائب أو الهجرة أو الرعاية الاجتماعية أو الإنفاق العام. وبدلاً من أن يمنح البلاد قيادة حاسمة بعد سنوات الاضطراب، ظهر كزعيم يدير الملفات واحداً تلو الآخر من دون رؤية جامعة أو قصة وطنية كبرى.
ولسد هذا الفراغ، اعتمد ستارمر على دائرة ضيقة من المستشارين، وبدّل عدداً من كبار المسؤولين والمساعدين في محاولات متكررة لتحسين موقعه السياسي، لكن هذه التعديلات لم تغيّر الانطباع العام بأن الحكومة تفتقر إلى الاتجاه. ومع استمرار تراجع استطلاعات الرأي، بدأ نواب حزب العمال يفقدون الثقة بقدرته على قيادة الحزب إلى انتصارات جديدة، خاصة مع تقدم حزب الإصلاح واستغلاله غضب الناخبين من الأوضاع الاقتصادية والهجرة وتراجع الخدمات.
ولم تكن أزمة ستارمر داخلية فقط، إذ واجه اختباراً صعباً على الساحة الدولية مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. فقد رفض الانضمام إلى دعوات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتأييد الضربات العسكرية الأمريكية ضد طهران، مفضلاً نهجاً حذراً يتجنب الانخراط المباشر في التصعيد. غير أن هذا الموقف تسبب في توتر غير مسبوق مع واشنطن، بعدما اتهم ترامب بريطانيا بعدم الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة في لحظة اعتبرها “حاسمة”.
وكشفت هذه الأزمة الخارجية جانباً آخر من مأزق ستارمر. فهو حاول تجنب التورط في حرب مفتوحة، لكنه لم ينجح في تحويل الحذر إلى موقف استراتيجي قوي ومقنع. وبذلك وجد نفسه بين ضغط أمريكي خارجي وانتقادات داخلية تتهمه بالتردد وضعف الحسم، ما عمّق الانطباع بأن حكومته لا تملك القدرة الكافية على فرض أجندتها في الداخل أو حماية موقعها في الخارج.
ومع استقالة ستارمر، تقدم اسم آندي بيرنهام بوصفه المرشح الأوفر حظاً لقيادة حزب العمال والحكومة. وتقرأ الصحافة البريطانية والأمريكية صعوده باعتباره محاولة من الحزب لاستعادة نَفَسه الشعبي، خصوصاً في شمال إنجلترا، حيث بنى بيرنهام صورته كسياسي قريب من الناس، قادر على مخاطبة الطبقات المتضررة من الركود وتراجع الخدمات وغياب العدالة المناطقية بين لندن وبقية البلاد.
وتصف بعض القراءات بيرنهام بأنه شخصية أكثر دفئاً وكاريزما من ستارمر، ويتمتع بقدرة أفضل على التواصل مع الناخبين. فمنذ توليه منصب عمدة مانشستر الكبرى عام 2017، رسّخ حضوره كسياسي محلي قوي، دافع عن مناطق الشمال، وظهر بموقف صلب خلال جائحة كورونا، كما عمل على تطوير شبكة الحافلات المحلية وتوسيع دور السلطات المحلية. لذلك يرى أنصاره أن نجاحه في مانشستر يعكس قدرة على الجمع بين الخطاب الشعبي والإدارة العملية.
لكن صعود بيرنهام لا يخلو من تحديات كبيرة. فإدارة مدينة كبرى تختلف جذرياً عن إدارة دولة تواجه ركوداً طويلاً في الإنتاجية، وضغوطاً مالية متزايدة، وصعوداً يمينياً شعبوياً، وأزمات معيشية متراكمة. وإذا وصل إلى رئاسة الحكومة، فسيكون مطالباً بإثبات أن شعبيته المحلية يمكن أن تتحول إلى مشروع وطني قادر على إدارة الاقتصاد والسياسة الخارجية والخدمات العامة في آن واحد.
وتتوقع بعض التحليلات أن يدفع بيرنهام حزب العمال نحو توجه أكثر يسارية، من خلال توسيع دور الدولة، وزيادة الإنفاق العام، وربما طرح سياسات ضريبية وتنظيمية أكثر جرأة. غير أن هذا المسار سيصطدم بالواقع الاقتصادي الصعب، حيث تواجه بريطانيا قيوداً مالية وأسواقاً حساسة وناخبين يريدون تحسين الخدمات من دون تحمل أعباء ضريبية ثقيلة.
وتحذر قراءات اقتصادية في فايننشال تايمز من أن تغيير القيادة لا يعني حل المشكلات البنيوية. فبريطانيا تعاني منذ سنوات طويلة من ضعف في الإنتاجية، وتراجع في الاستثمار، وضغوط مرتبطة بخروجها من الاتحاد الأوروبي، وشيخوخة السكان، وتكاليف المعيشة. لذلك فإن أي رئيس وزراء جديد، مهما امتلك من حضور شعبي، سيحتاج إلى قرارات صعبة قد لا تكون شعبية، لكنه لن يستطيع تجنبها إذا أراد إعادة تحريك الاقتصاد.
أما الغارديان، فركزت على الدرس السياسي الأهم من سقوط ستارمر، وهو أن الانطباعات الأولى في الحكم قد تحدد المسار كله. فقد فشل ستارمر في بناء صورة سياسية مؤثرة منذ بداية ولايته، وبدا كزعيم إداري بلا مشروع تعبوي. ولهذا فإن بيرنهام، إذا تولى القيادة، سيكون مطالباً منذ اللحظة الأولى برسالة واضحة تلامس معيشة الناس، وتقدم تصوراً عملياً لمواجهة صعود اليمين الشعبوي، لا مجرد استبدال وجه بآخر داخل حزب العمال.
وتكشف استقالة ستارمر في المحصلة أن بريطانيا تعيش أزمة سياسية أعمق من اسم رئيس الوزراء. فالأحزاب التقليدية تواجه تراجعاً في الثقة، واليمين الشعبوي يتقدم مستفيداً من الغضب الاجتماعي، والاقتصاد لم يعد يمنح الحكومات مساحة واسعة للمناورة، والناخبون باتوا أقل صبراً مع الوعود العامة والشعارات الإدارية.
لقد جاء ستارمر إلى السلطة بوعد “الاستقرار”، لكنه غادرها لأن الاستقرار وحده لم يعد كافياً. فالناخب البريطاني يريد اتجاهاً واضحاً، وحزب العمال يريد زعيماً قادراً على الفوز المتكرر، والدولة تحتاج مشروعاً يتجاوز إدارة الأزمة إلى صناعة تحول حقيقي.
أما آندي بيرنهام، فيدخل المشهد بوصفه فرصة إنقاذ محتملة لحزب العمال، لكنه يدخل أيضاً حقل ألغام سياسي واقتصادي. فإذا نجح في الجمع بين الخطاب الشعبي والواقعية الاقتصادية، فقد يفتح مرحلة جديدة في الحكم البريطاني. أما إذا اكتفى بتغيير النبرة من دون معالجة جذور الأزمة، فإن استقالة ستارمر قد لا تكون نهاية الاضطراب، بل بداية فصل جديد من عدم اليقين في السياسة البريطانية.
