الرئيسية بلوق الصفحة 147

الصبر في زمن العدوان.. بين وَهْمِ الاستسلام وحقيقة المواجهة

تشهد المنطقة مرحلةً شديدة الحساسية تتكشّف فيها طبيعة الصراع على حقيقتها، وتتصاعد معها محاولات التضليل التي تسعى إلى تبسيط الحرب والجهاد، وتقديمهما وكأنهما خيار بلا كلفة أَو مواجهة بلا أثمان.

هذا الخطاب، الذي يصدر عن منافقين ومطبّعين ومن ارتبطت مصالحهم بمشاريع الهيمنة، يتجاهل عمدًا ميزان القوة المختل، ويتغافل عن حجم العدوان وأدواته العسكرية والاقتصادية والإعلامية، في محاولة لشيطنة الصمود وتحميل أهل المواجهة مسؤولية نتائج لم يكونوا صانعيها.

فالحروب الوجودية لا تُدار بمنطق التمنّي، ولا تُحسم بخطابات مريحة، إنما تُخاض بالصبر الطويل، وبالقدرة على تحمّل الخسائر، وبوعيٍ عميق يدرك أن طريق الحق محفوف بالتضحيات، وأن كلفة الصمود —مهما بلغت— أقلّ فداحة من كلفة الاستسلام.

ومن يروّج لوهم الحرب السهلة إنما يهرب من الحقيقة أَو يبرّر العجز والتخاذل.

إن المنافقين والمطبّعين والعملاء، ومن اصطفّت قلوبهم مع الباطل، يظنون أن الحرب نزهة سهلة، ويريدون من أهل المواجهة أن يسيروا وفق أهوائهم وطبيعتهم الهشّة.

غير أن الواقع يؤكّـد أن ما يجري هو حرب وجهاد بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وفيه قصف واشتباكات وحصار، وتسقط فيه أرواح بشرية، منهم شهداء في سبيل الله.

ومن يقف مع الباطل فمصيره الخسران، أما طريق الحق فمفروش بالصبر والثبات، لا بالأوهام ولا بالترف.

وقد أسّس القرآن الكريم لمنهج واضح في إدارة الصراع، حين قرن النصر بالصبر وربط الاستعانة بالصبر والصلاة وربط المعية الإلهية بالثبات في أشد الظروف، فقال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 153)

كما دعا إلى المصابرة والمرابطة؛ باعتبَارهما شرطًا للفلاح، فقال سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200)

وجعل الجهاد طريق العزة والكرامة، حين قال عز وجل: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (الحج: 78)

العدوّ الذي تواجهه الأُمَّــة اليوم ليس عدوًّا تقليديًّا، إنه منظومة متكاملة من القوة العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية والإعلامية، تمتلك أحدث أنواع الأسلحة، وتُحسن توظيف أدوات الحرب النفسية والاقتصادية.

وفي ظل هذا الاختلال في موازين القوة، يصبح وقوعُ الخسائر أمرًا متوقعًا، لكن القراءة الواعية لا تقفُ عند حجم الألم، بل تضعُه في سياقه الصحيح، وتدرك أن العدوان هو السبب، وأن المقاومة هي النتيجة الطبيعية لأي شعب يرفض الخضوع.

لقد أثبتت التجارب أن التنازل عن الحقوق والتفريط في المقدسات لا يصنع أمنًا ولا يحقّق استقرارًا، إنما يفتح الباب لمزيد من الابتزاز والهيمنة.

وعلى النقيض، فإن المجتمعاتِ التي اختارت طريقَ المقاومة، رغم التضحيات، انطلقت من قناعة راسخة بأن الكرامةَ لا تُجزّأ، وأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع.

وما يجري في ساحات المواجهة يؤكّـد أن الصراعَ ليس خلافًا عابرًا، إنه صراع إرادات ومشاريع، وفي قلبه مشروع عدواني مدعوم بالقوة والسلاح والمال والإعلام، تقف إلى جانبه أنظمة ونخب سخّرت ثروات الأُمَّــة لخدمة العدوان، سياسيًّا واقتصاديًّا وإعلاميًّا، ما عمّق المعاناة ووسّع دائرة الاستهداف.

وأمام هذا الواقع، لا تملك الأُمَّــة ترف الانقسام أَو الوقوف في منطقة رمادية، إنما هي مطالبة بالتماسك والصبر والوعي، كما أمر الله بالمواجهة الجماعية وعدم التفرّق، فقال تعالى:

﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: 36)

إن الدعوة إلى الصبر والثبات ليست تبريرًا للألم، بل قراءة واعية للتاريخ وسنن الصراع، فالأمم لا تُبنى بلا تضحيات، والعدالة لا تنتصر دون كلفة، وطريق التحرّر مهما طال يبقى أقل كلفة من الخضوع الدائم لإرادَة المعتدي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شاهر أحمد عمير

عقلية الدم والنار الصهيوأمريكية وحّدت سياسات ساحات المقاومة

لم يعد من الصعب ملاحظة التشابه الكبير في الخطاب السياسي والسلوك العملي لكلٍّ من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء كيان الاحتلال بنيامين نتنياهو؛ فكلاهما قدّم نفسه أمام جمهوره بوصفه قائدًا حازمًا لا يتردّد في استخدام القوة، وكلاهما جعل من التفاخر بالقتل والتدمير لغةً سياسية يقدّمها كإنجاز أَو دليل على القوة.

في خطابات ترامب وتصريحاته، كَثيرًا ما كان يكرّر عباراتِ الفخر بعمليات الاغتيال والضربات العسكرية، مقدمًا ذلك على أنه دليل على الحسم والقدرة على فرض الإرادَة الأمريكية.

وعلى النهج ذاته، اعتاد نتنياهو بعد كُـلّ عدوان على فلسطين أَو في أية ساحة أُخرى أن يتحدث بلغة “الضرب والقتل والتدمير”، وكأن هذه الجرائم تمثل معيار النجاح السياسي والعسكري.

هذا التشابه في الخطاب يعكس في حقيقته تشابُهًا أعمقَ في العقلية التي تدير الصراع؛ عقليةٍ تقوم على منطق الدم والنار، وترى في القوة المفرطة وسيلة لفرض الهيمنة وإخضاع الشعوب.

غير أن هذه المقاربة تكشف في الوقت ذاته عن قصور استراتيجي واضح؛ لأن الاعتماد على العنف وحدَه لا يصنع استقرارًا ولا يحقّق نصرًا دائمًا.

لقد سعت السياساتُ الأمريكية والصهيونية خلال السنوات الماضية إلى تفكيكِ قوى المقاومة وعزل ساحاتها عن بعضها البعض، عبر الحروب والاغتيالات والعقوبات والضغوط السياسية.

لكن المفارقة أن هذه السياساتِ نفسَها أسهمت في تحقيق نتيجة معاكسة تمامًا؛ إذ أَدَّت إلى تعزيز التقارب بين ساحات المقاومة في إيران واليمن ولبنان وفلسطين.

فالعدوان المُستمرّ والتهديدات المتكرّرة جعلت هذه الساحات تدرك أن المعركة واحدة وأن المشروع الذي يواجهها واحد أَيْـضًا، الأمر الذي دفعها إلى تعزيز التنسيق والتكامل في المواقف والقدرات.

وهكذا تحولت السياسات التي أرادت إضعاف هذه القوى إلى عامل أَسَاسي في توحيدها وتعزيز صمودها.

إن التفاخر بالقتل والتدمير قد يمنح أصحابَه مكاسبَ إعلامية مؤقتة، لكنه لا يغير حقائق الواقع.

فالمنطقة اليوم تشهدُ تزايدًا في الوعي بطبيعة المشروع الأمريكي-الصهيوني، كما تشهد في المقابل تعاظمًا في قدرات قوى المقاومة وتماسكها.

وفي المحصلة، فإن عقلية الدم والنار التي يجسّدها ترامب ونتنياهو لن تقود المنطقة إلا إلى مزيد من الأزمات والتوترات، كما أنها لن تنجح في إدارة تعقيدات الواقع الإقليمي أَو فرض الهيمنة التي يتوهمها أصحابها.

بل إن نتائج هذه المغامرات ستنعكس في نهاية المطاف تراجعًا في النفوذ الأمريكي واستنزافًا متزايدًا لكيان الاحتلال.

لقد ظنّ صناع القرار في واشنطن وكَيان الاحتلال أن القوة المفرطة يمكن أن تفرض واقعًا جديدًا في المنطقة، لكن التجارب المتتالية أثبتت أن الدمار لا يصنع نصرًا دائمًا.

وعلى العكس من ذلك، فإن سياساتِ العدوان والقتل لم تؤدِّ إلا إلى توسيع دائرة المواجهة وتوحيد ساحات المقاومة، في مسار قد يجعلُ المستقبلَ أكثرَ صعوبةً على المشروع الأمريكي-الصهيوني، وأكثر وضوحًا في اتّجاه فشل رهاناته العسكرية والسياسية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالله عبدالعزيز الحمران

الأجهزة الذكية المبكرة تهدد نمو الأطفال

أفادت الدكتورة تاتيانا تسفيتكوفا، أخصائية العلوم التربوية، بأن استخدام الطفل للأجهزة الإلكترونية قبل بلوغه سن 11 عاما يضر بنفسيته وبصره ونموه.

وتقول الدكتورة تاتيانا تسفيتكوفا: “لا يُنصح بشراء هاتف ذكي شخصي للطفل قبل سن الحادية عشرة. وحتى ذلك العمر، يمكنه استخدام هاتف عادي مزود بالأزرار للتواصل مع العائلة بسهولة عند الحاجة. ومن الأفضل أن يرتبط شراء الهاتف بالمسؤولية واستعداد الطفل لتقبّل القواعد الجديدة، لأن الاستخدام المبكر جدا للهاتف الذكي قد يضر بنمو الطفل”.

وأضافت أن قضاء وقت طويل على الإنترنت دون إشراف، وممارسة الألعاب، وتلقي معلومات غير مناسبة للأطفال، كلها أمور تؤثر سلبا على نفسيتهم، وقد ترسخ مفاهيم غير مناسبة في أذهانهم. لذلك، يجب عدم تعريض الأطفال دون سن السابعة للشاشات الصغيرة لفترات طويلة، إذ يمكن أن يضعف ذلك مجال رؤيتهم المحيطية، وهو أمر بالغ الخطورة.

وتابعت: “لا ينبغي تسليم الهاتف للطفل مباشرة، بل يجب الاتفاق على ذلك مسبقا، لأن الرقابة الأبوية على الهاتف ضرورية، ويجب مناقشة هذا الأمر بصراحة مع الطفل. كما من الأفضل تحديد ساعات استخدام الإنترنت مسبقا بما يتناسب مع الروتين اليومي للأسرة. فمثلا، يمكن السماح باستخدام الإنترنت بعد المدرسة وإنجاز الأعمال المنزلية، ضمن وقت محدد”.

مشروبات مسائية تعزز النوم وتحذيرات من المنبهات

تشير الدكتورة أولغا روماشينا، خبيرة التغذية، إلى أن عصير الكرز الحامض مع القرفة، وشاي الأعشاب مع البابونج، لهما تأثير إيجابي على جودة النوم.

ووفقا لها، من الأفضل في المساء شرب شاي الأعشاب مع البابونج ، حيث أن الأبيغينين المضاد للأكسدة الموجود فيه يعزز الاسترخاء ويقلل بلطف من مستوى التوتر. كما يساعد عصير الكرز الحامض على النوم بسهولة. هذا المشروب هو مصدر غذائي للميلاتونين، ما يساعد الجسم على التكيف مع الإيقاعات البيولوجية للنوم بشكل أسرع.

وتقول: “الحليب مثالي أيضا للمساء. لأنه يحتوي على حمض التريبتوفان الأميني، وهو لبنة بناء السيروتونين، الذي يتحول لاحقا إلى الميلاتونين”.

ووفقا لها ، قبل الذهاب إلى الفراش ، يمكن أيضا شرب المشروبات مع جذر نبات الناردين، لأنها تساعد على زيادة مستوى حمض غاما أمينوبوتيريك، الناقل العصبي المثبط الرئيسي للجهاز العصبي، ما يساعد على التخلص من الأفكار غير الضرورية.

وتشير الخبيرة إلى أنه من الضروري أن تصبح هذه عادة يومية، وحينها يستلم الدماغ إشارة بأن اليوم قد انتهى وأن الوقت قد حان للراحة. كما يجب في المساء تجنب تناول مشروبات مثل القهوة والشاي المركز.

وتقول: “يثبط الكافيين الموجود في هذه المشروبات الأدينوزين، الذي يتراكم خلال النهار ويسبب الشعور بالتعب. لذلك، فإن شربها في المساء يضلل الدماغ، ويحرمه من الإشارة التي تشير إلى الحاجة للراحة”.

وبالإضافة إلى ذلك، لا تنصح الخبيرة بتناول المشروبات الكحولية، لأنها تؤثر سلبا على جودة النوم. كما يجب تجنب المشروبات الغنية بالسكر، لأنها تسبب ارتفاعا حادا في مستوى الأنسولين، ما يمنح الجسم طاقة زائدة، في حين هو بحاجة إلى التباطؤ.

الشاي الأخضر بين الفوائد الصحية والتحذيرات

يشير الخبراء إلى أن تناول الشاي الأخضر يوميا له تأثير إيجابي على الجسم، ولكن هذا التأثير يعتمد بشكل كبير على نمط الحياة والخصائص الفردية.

ووفقا للخبراء، الشاي الأخضر غني بمضادات الأكسدة، وخاصة الكاتيكينات والبوليفينولات، التي تساعد على حماية الخلايا من التلف وتقليل الالتهابات. ولهذا السبب، ارتبط الاستهلاك المنتظم لهذا المشروب بانخفاض خطر الإصابة بالأمراض المزمنة، بما فيها أمراض القلب.
وبالإضافة إلى ذلك، يؤثر الشاي الأخضر على الدماغ أيضا، حيث يدعم الوظائف الإدراكية، ويحسن التركيز والذاكرة. ويعود ذلك إلى احتوائه على مزيج الكافيين وحمض الثيانين الأميني، اللذين لهما تأثير أخف من تأثير القهوة.
ويشير الخبراء، إلى أن الشاي الأخضر يعزز عملية الأيض باعتدال، خاصة عند دمجه مع النشاط البدني. ولكن مساهمته في إنقاص الوزن تبقى ضئيلة ولا يمكن أن تحل محل النظام الغذائي المتوازن والرياضة.
ومن الفوائد الأخرى المحتملة للبشرة، يقلل الشاي الأخضر بفضل احتوائه على مضادات الأكسدة، من أضرار الأشعة فوق البنفسجية والالتهابات.
ولكن على الرغم من هذه الفوائد، يحذر العلماء من الإفراط في شرب الشاي الأخضر لأنه قد يسبب أثارا جانبية مثل التأثير على امتصاص بعض العناصر الغذائية وزيادة الحساسية للكافيين. لذلك ينصحون بتناوله باعتدال، ومن دون إضافة السكر.
ويقولون: “تناول الشاي الأخضر بانتظام له فوائده. ولكن هذه الفوائد تعتمد على نمط الحياة العام”.

سقوط الأحلام: كيف سحقت إرادَة الشعوب هذيان أمريكا ومماطلة الغدر؟

اللجنة المنظمة تدعو للخروج المليوني في مسيرات "محور واحد صف واحد في مواجهة الطغيان الأمريكي"

يكتسي المشهد السياسي الراهن في المنطقة ملامحَ انعطافة تاريخية كبرى، حَيثُ تتهاوى أساطير الهيمنة الأمريكية عند عتبات الصمود لمحور الجهاد والمقاومة، في مشهد يزاوج بين الانكسار العسكري لواشنطن والهزيمة النفسية لرموزها.

فبينما يغرق ترامب في حالة من الهذيان السياسي والخرف الاستراتيجي، تخرج تهديداته الجوفاء فاقدة للقيمة الردعية، لتصبح مُجَـرّد ضجيج في فضاء دولي بات يدرك أن موازين القوى قد تغيرت جذريًّا.

وهو ما أكّـده السيد عبد الملك الحوثي في خطاباته، حين وصف تخبُّطَ الإدارة الأمريكية بأنه «تعبير عن العجز والفشل في كسر إرادَة الشعوب الحرة»، مُشيرًا إلى أن العقلية الاستعلائية لترامب، ومن خلفه اللوبي الصهيوني، لا تدرك أن زمن الإملاءات قد ولّى إلى غير رجعة.

هذا الانكسار لم يكن حبيسَ التحليلات الإقليمية، فقد ضجّت به كُبريات الصحف العالمية؛ حَيثُ أشَارَت تقارير في «نيويورك تايمز» و«الغارديان» إلى أن سياسة «الضغوط القصوى» قد ارتدت سلبًا على واشنطن.

كما أكّـدت مراكز أبحاث دولية أن «عصر التفرد الأمريكي في مياه المنطقة قد انتهى»، مشيدة بحجم الصمود الإيراني الذي استطاع تحويل الوجع إلى قوة دفع ذاتية.

هذا الصمود، الذي تجلى في الشجاعة والعزة التي أظهرها الشعب والجيش الإيراني، يعكس تجذر الثقافة الكربلائية ومبدأ «هيهاتَ منا الذلة» في وجدانهم، حَيثُ أصبح الاستعداد للتضحية سدًا منيعًا تتحطم عليه أوهام «تغيير النظام» أَو إخضاع الدولة.

وفي خضم هذه المواجهة، تبرز المماطلةُ الأمريكية كأدَاة يائسة لتعويض الفشل الميداني، وهو ما تجلى في تعثر مفاوضات إسلام آباد؛ حَيثُ نكثت واشنطن بالنقاط المتفق عليها، ورفضت تنفيذ وقف إطلاق النار في لبنان، محاولةً فصل جبهة لبنان عن عمقها المقاوم.

وهنا يستحضر التاريخ مقولة الشهيد عمر المختار: «ما أردتم السلام يومًا، إن أردتم إلا الوقت»، لتعبر بدقة عن النهج الأمريكي الذي يسعى لشراء الوقت لصالح كَيان الاحتلال الصهيوني الغارق في الاستنزاف، وكذلك لكسب مزيد من الوقت بعد الضربات التي طالت القواعد الأمريكية في المنطقة.

ومع كُـلّ محاولات الخداع والمكر، تطل حكومة نواف سلام في لبنان بمواقف تُوصَف بالتواطؤ، وهي تتفرج على استباحة الأراضي اللبنانية وقتل المدنيين، بل وتحمّل المقاومة المسؤولية، وتدعو إلى حوار مباشر مع كَيان الاحتلال، في مسار يُنظر إليه على أنه محاولة لشرعنة التنازل، رغم التصريحات الإسرائيلية المتكرّرة حول ما يسمى «إسرائيل الكبرى».

وعلى الضفة الأُخرى من النضال، يبرز ثباتُ الموقف اليمني كعامل حاسم في هذه المعادلة؛ وهو ما لخّصه الشهيد إسماعيل قاآني، قائد قوة القدس في الحرس الثوري، حين أكّـد أن اليمن، الذي أجبر الأساطيل الأمريكية على التراجع في البحر الأحمر، قد رسم معالمَ مسار لطرد الوجود الأجنبي من المنطقة، مذكّرًا بما جرى في باب المندب.

هذا الترابط بين الساحات تُرجم أَيْـضًا في مفاوضات باكستان، حين حمل الوفدُ الإيراني صورَ ضحايا مدرسة «ميناب» وصور القادة الشهداء، كحافز أخلاقي يرفض المقايضة على دماء الأبرياء، ليعلن أن السياسة، بالنسبة له، امتداد للعقيدة.

كما تجلى ذلك في رسالة السيد علي لاريجاني، التي ذيّلها بتوقيع «عبد من عباد الله»، في إشارة إلى البعد الإيماني في إدارة الصراع.

إن ما يحدث اليوم هو انقشاعٌ لغيم التضليل الإعلامي، حَيثُ انكشفت حقيقة الاستهداف الذي طال منشآت مدنية، من جامعات وجسور ومحطات طاقة، في محاولة لضرب بنية المجتمع، ومع ذلك اصطفّت شرائح مختلفة من المجتمع الإيراني، من فنانين ورياضيين وغيرهم، خلف دولتهم في مواجهة العدوان.

إنها ملحمة صمود تؤكّـد أن الشعوب التي تتمسك بقيمها لا تنكسر، وأن تهديدات ترامب لم تعد سوى صدى متراجع لإمبراطورية تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على نفوذها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمة الملك الخاشب

الضمير العالمي.. بين شعارات الحقائق وخرقان القيم

ليس الضمير العالمي مُجَـرّد كلمة نترنم بها في قاعات المؤتمرات الفارهة، ولا هو بند في جدول أعمال الأمم المتحدة يُرفع له القبعة ثم يُنسى مع انتهاء الجلسة.

الضمير العالمي، في أعمق معانيه، هو ذاك الوجع الإنساني المشترك الذي ينتابنا حين نرى طفلًا يلفظ أنفاسه تحت الأنقاض، ليس لأن زلزالًا ضرب الأرض، بل لأن قنبلة “ذكية” صنعتها أقوى دول العالم قرّرت أن تسقط على بيته.

لكننا اليوم، وفي زمن انكشاف الحقائق، نعيش أكبر مفارقة في تاريخ الأخلاق الدولية.

نتحدث عن الضمير العالمي، ونحن نرى بأم أعيننا أن “الضمير” هنا لا يهتز إذَا كان المعتدي يحمل جنسية أمريكية أَو إسرائيلية، ولا يستفيق إذَا كان القتلى في غزة أَو جنوب لبنان أَو أي بقعة تقف في وجه الهيمنة.

أين هذا الضمير العالمي الذي يهز عواصم الغرب كلما سقطت دمعة يتيم في أوكرانيا، لكنه يصاب بالعمى التام عندما يُباد أهالي غزة؟ أين هو عندما تتحول المستشفيات في لبنان إلى ساحات قتل تحت ذريعة “حق الدفاع عن النفس”، وعندما تُستخدم الطائرات الأمريكية لنقل القنابل التي تفتك بالنساء والأطفال؟ لقد انكشفت الحقيقة الأكثر إيلامًا: الضمير العالمي ليس عاجزًا، بل هو محتلّ.

احتلته إدارة أمريكية تلو الأُخرى التي ترعى العدوان بعين الرضا، واحتلته قوى استعمارية جديدة تلبس ثوب الديمقراطية بينما تمارس أبشع صور الإبادة.

إننا أمام ازدواجية مريضة: أمريكا التي تهدّد بـ”عقوبات على جرائم الحرب” في مكان، ترسل حاملات الطائرات لحماية من يرتكبها في مكان آخر.

كَيان الاحتلال الذي يتحدث عن “أخلاق الجيش”، تُقصف الأسواق وتجبر الملايين على النزوح، ثم تجد من يبرّر لها بصوت عالٍ في الإعلام الغربي.

هذا ليس ضميرًا عالميًّا، هذا مسرح كئيب للانتهازية السياسية.

ربما حان الوقت أن نعترف بأن “الضمير العالمي” الذي نكتب عنه هو أُسطورة جميلة، أَو حلم لم يولد بعد.

فالضمير الحقيقي لا ينام حين يرتكب القوي جريمته، ولا يلتفت حين تظهر براءة الضعيف.

الضمير العالمي، لو كان موجودًا، كان سيهتز لمشاهد الأطفال الأشلاء في غزة، وكان سينتفض لمشاهد الدمار في الضاحية الجنوبية لبيروت، وكان سيرفع صوته عاليًا: لا للصمت على جرائم أمريكا وكَيان الاحتلال.

لكن، ورغم كُـلّ هذا السواد، يبقى الأمل الأخير في ضمائرنا نحن كأفراد، في الضمير العربي الذي لا يمكن شراؤه، في الضمير الحر الذي يفضح التناقضات.

فالضمير العالمي الزائف قد يخبو، لكن الحقيقة تبقى أقوى من كُـلّ طائرات الإف 35 ومن كُـلّ الفيتوات الأمريكية.

نحن اليوم أمام امتحان حقيقي: إما أن نكشف زيف هذا “الضمير” الذي يوزع البكاء حسب الأصول، وإما أن نستمر في مناداتها اسمًا لا وجود له.

صحيح أن أمريكا وكَيان الاحتلال تملكان القنبلة والصوت الإعلامي، لكنهما لا يملكان البراءة.

والتاريخ، الذي لا يرحم الطغاة، سيكون شاهدًا على أن أعتى الانتهاكات لا يمكن تبريرها بأي “ضمير” مزيف.

في النهاية، لا ضمير عالميًّا في عالم يسوده قانون الغاب، إلا إذَا قرّرنا نحن ألا نكون جزءًا من الصمت.

وكل يوم يمر ونحن نرى العدوان دون أن نصرخ فيه، فهو يوم ندفن فيه جزءًا من إنسانيتنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خلود الشرفي

مضيق هرمز.. اختبار السيادة في مواجهة هندسة البلطجة الأمريكية

يحاول المجرم ترامب، في هذه المرحلة الحسَّاسة من الصراع بين محور المقاومة ومحور أمريكا وحلفائها، إعادة هندسة أوراق الضغط في مواجهة إيران، وفي مقدمتها ورقة مضيق هرمز؛ باعتبَاره أحد أهم الشرايين الحيوية للطاقة في العالم، دون اكتراث حتى باقتصاد حلفائه في دول الخليج العربية.

هذا التحَرّك لا يأتي في سياق البحث عن حلول عادلة أَو تفاهمات متوازنة، بقدر ما يعكس سعيًا أمريكيًّا متجددًا لنزع أدوات القوة من يد الخصوم، وفرض الهيمنة على المنطقة، وتحويل عناصر القوة الجيوسياسية إلى أوراق تفاوض تُستخدم عند الحاجة وتُسحب عند تحقّق الهدف.

إن الرهانَ الأمريكي يقومُ على فرضية مفادها أن التهديدَ بإغلاق المضيق، أَو حتى التلويح باضطراب الملاحة فيه، قد يدفع إيران إلى طاولة التفاوض بشروط مغايرة، عنوانها “فتح المضيق مقابل تنازلات سياسية وأمنية”.

غير أن هذه الفرضيةَ تتجاهَلُ حقائقَ جيوسياسية وقانونية مهمة، أبرزها أن إيران تنظر إلى المضيق بوصفه جزءًا من أمنها القومي وسيادتها الاستراتيجية، وليس مُجَـرّد ورقة قابلة للمقايضة أَو المساومة تحت الضغط.

ومن أخطر ما في هذا المشهد الخطاب المزدوج الذي تتبناه أمريكا وحلفاؤها في توصيف الأفعال ذاتها وفق هُوية الفاعل.

ففي المنظور الغربي يُقدَّم أي تهديد للملاحة في مضيق هرمز بوصفه “جريمةً” تهدّد الأمن والسلم الدوليين، بينما يُعاد توصيف الإجراءات الأمريكية أَو الغربية أَو المرتبطة بكَيان الاحتلال الإسرائيلي بأنها “إدارة للأزمات” و”ذكاء استراتيجي”.

هذا التناقض لا يعكس اختلافًا في المعايير بقدر ما يكشف عن خلل بنيوي في منظومة العدالة الدولية، حَيثُ تُفصّل القوانين على مقاس القوة.

منذ عقود، شكّل مضيق هرمز عنصرَ توازن ردعيًّا في معادلة الصراع بين إيران وأمريكا، ووسيلة لردع أي محاولة لفرض حصار اقتصادي خانق.

وبالتالي فإن أي تصور أمريكي بإمْكَانية سحب هذه الورقة أَو تحييدها عبر الضغوط، يصطدم بواقع ثابت يتمثل في اعتبار إيران أن التحكم بالمضيق يرتبط مباشرة بأمنها القومي وبأمن الإقليم ككل، وهو موقف لم يبقَ في إطار الخطاب السياسي فقط، بل انعكس في سياسات واستعدادات عملية تؤكّـد صعوبة التنازل عنه.

في المقابل، لا يمكن قراءةُ التحَرّكات الأمريكية بمعزلٍ عن الأزمة الأوسع التي يعيشها النظام الدولي، حَيثُ تتراجع القدرة على فرض الإرادَة الأحادية، وتزداد كلفة استخدام العقوبات كسلاح سياسي.

فالحصار المفروض على إيران لم تعد آثاره محصورة داخلها، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمدَاد.

ومع أي تصعيد في مضيق هرمز، تتسع دائرة المتضررين لتشمل دولًا كبرى تعتمد على نفط الخليج، ما يجعل من المضيق قضية دولية لا يمكن إدارتها بمنطق الابتزاز السياسي.

إن طرح “فتح المضيق” كحل تفاوضي يخفي في جوهره محاولة لتحميل إيران مسؤولية أزمة صنعتها سياسات الحصار نفسها.

فـأمريكا، التي تتحدث عن حرية الملاحة، هي ذاتها التي تستخدم أدوات اقتصادية وسياسية لخنق دولة ذات سيادة، ثم تطالبها بتقديم تنازلات إضافية لضمان استقرار الأسواق العالمية.

هذا التناقض يعكس عقلية تجرّم فعل الخصم وتبرّره عندما يصدر عن القوة المهيمنة.

ومن جهة أُخرى، تدرك إيران أن أي تنازل في ملف مضيق هرمز لن يُفهم كبادرة حسن نية، بل كعلامة ضعف ستفتح الباب لمزيد من الضغوط.

لذلك فإن تمسكها بهذا الملف لا يرتبط فقط؛ باعتبَارات وطنية، بل برؤية استراتيجية تستند إلى تجارب سابقة أثبتت أن التراجع تحت الضغط لا يؤدي إلا إلى مزيد من الابتزاز.

وهكذا يتحول المضيق من مُجَـرّد ممر مائي إلى رمز للسيادة ورفض الإملاءات الخارجية..

إنَّ الصراعَ حول مضيق هرمز بات اختبارا أخلاقيًّا وسياسيًّا لمعايير العدالة في النظام الدولي.

فبين من يصف إغلاق المضيق من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالجريمة حين يكون دفاعًا عن النفس وانتزاعًا للحقوق المشروعة ويمدحه بالذكاء حين يخدم مصالح القوة العظمى مثل أمريكا وكَيان الاحتلال الإسرائيلي تنكشف حقيقة عالم تحكمه ازدواجية المعايير.

عالمٌ تحكُمُه عصابةُ النفاق والإجرام، وفي ظل هذا الواقع، فإن استمرار الحصار والضغوط، أَو التلاعب بأمن الممرات الدولية، لن تكونَ كلفتُه محصورةً بطرف واحد، بل ستنعكس آثاره على الاقتصاد العالمي والاستقرار الدولي؛ ما يجعل من هذا المِلف مرآة صادقة لخلل عميق في بنية النظام الدولي ذاته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شاهر أحمد عمير

نعيم قاسم: العدوان يستهدف لبنان وجودياً والمقاومة ماضية في الميدان وترفض التفاوض المباشر مع إسرائيل

قال الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إن لبنان يواجه منذ بداية معركة “أولي البأس” ما وصفه بـ “عدوان وحشي إسرائيلي أمريكي”، مؤكداً أن أهداف هذا العدوان تتجاوز العناوين المعلنة، وتمضي ـ بحسب تعبيره ـ نحو التمهيد لمشروع “إسرائيل الكبرى” الذي لا يستهدف فئة بعينها، بل “كل لبنان” أرضاً وشعباً ومقاومةً ودولةً.

وأوضح قاسم أن الأشهر الماضية شهدت سقوط نحو 500 مدني، إلى جانب أعداد كبيرة من الجرحى وعمليات هدم واسعة للمنازل، مشيراً إلى أن حزبه “صبر 15 شهراً” رغم عدم التزام إسرائيل بأي بند من بنود الاتفاق، ومعتبراً أن المسار الدبلوماسي لم ينجح في وقف الاعتداءات أو فرض تنفيذ التعهدات القائمة.

وفي قراءة أوسع لطبيعة المواجهة، شدد قاسم على أن المعركة الحالية “ليست معركة أمن الشمال” كما تطرحها إسرائيل، بل هي ـ وفق توصيفه ـ “عدوان لالتهام لبنان ومقاومته وشعبه”، مضيفاً أن الاستهداف القائم هو استهداف وجودي للبنان في إطار مشروع إقليمي أوسع.

ووجّه قاسم خطاباً مباشراً إلى رئيس الحكومة اللبنانية، قائلاً إن الضغوط الخارجية تدفع السلطة إلى مواجهة شعبها بدل مواجهة العدوان، محذراً من أن الذين يمارسون هذا الضغط “لن يرضيهم إلا أن ينهار كل شيء لمصلحة إسرائيل”. ودعا إلى موقف موحد في مواجهة العدوان أولاً، معتبراً أن معالجة الخلافات الداخلية أو بحث المستقبل السياسي يجب أن تأتي لاحقاً، لا في ظل استمرار الحرب والاعتداءات.

وفي موقف حاسم من المسار السياسي الجاري، أعلن قاسم رفضه التفاوض المباشر مع إسرائيل، واصفاً إياه بأنه “إذعان” وليس خياراً قابلاً للتبرير في ظل الظروف الحالية. وقال إن أي انتقال من مبدأ عدم التفاوض إلى التفاوض المباشر يحتاج إلى اتفاق وإجماع لبناني وتغيير جذري في البوصلة الوطنية، داعياً إلى إلغاء اللقاء التفاوضي الذي يجري الحديث عنه، ومعتبراً أن السلطة ترتكب خطأ حين “تتنصل من المقاومة وتستعديها” في وقت يفترض فيه أن تكون داعمة لها أو مستفيدة من قدراتها.

وفي المقابل، طرح قاسم ما وصفه بـ “المسار الوحيد” لتحقيق السيادة وإنقاذ لبنان، وهو التطبيق الكامل لبنود الاتفاق، بدءاً من الوقف الشامل للعدوان، والانسحاب الفوري من كل الأراضي اللبنانية المحتلة، والإفراج عن الأسرى، وعودة الأهالي إلى قراهم، وإعادة الإعمار. واعتبر أن أي استقرار فعلي لن يتحقق ما دامت السلطة ـ بحسب قوله ـ “تسهل العدوان” أو لا تتعامل معه باعتباره أولوية وطنية مباشرة.

وعلى المستوى الميداني، أكد قاسم أن قرار حزب الله هو “ألا يهدأ ولا يستسلم”، وأن “الميدان هو الذي سيتكلم”، مشدداً على أن الحزب سيبقى في المواجهة “حتى آخر نفس”. كما قال إن مقاتلي الحزب “يسطرون أعظم الملاحم بأداء أسطوري”، موضحاً أن المقاومة “أعدت نفسها بصمت” وأن أسلوبها القتالي يعتمد على الكر والفر لا على الثبات في الجغرافيا، في إشارة إلى اعتماد تكتيكات مرنة في إدارة المعركة.

وفي رسالة إلى إسرائيل، قال قاسم إن هدم البيوت لإقامة منطقة عازلة سيقود إلى نتيجة معاكسة، مضيفاً أن الحزب “لن يدع العدو يستقر، وسيجعله يعيش الرعب”. كما وصف تجريم المقاومة بأنه “خطيئة كبرى”، داعياً الحكومة اللبنانية إلى التراجع عن أي مسار من هذا النوع، ومتهماً الولايات المتحدة وإسرائيل بالسعي إلى إيجاد انقسام داخلي وخارجي ومحاولة دفع الجيش اللبناني إلى مواجهة المقاومة.

وفي الشأن الداخلي، شدد قاسم على رفض الفتنة المذهبية، قائلاً إن الحزب يعتبر نفسه مع “إخوانه السنة قلباً واحداً”، وإنه لن يسمح للأعداء بإحداث شقاق داخلي. كما وجّه رسالة إلى دول الخليج أكد فيها أن حزب الله “ليس في مشكلة مع أحد”، وأنه لا يملك تنظيماً أو خلايا في أي بلد في العالم، في محاولة لنفي الاتهامات المتكررة المرتبطة بالنشاط الخارجي للحزب.

إقليمياً، أشاد قاسم بـ إيران، معتبراً أنها فاجأت الولايات المتحدة وإسرائيل بصمودها وقوتها ووحدتها، ووجّه لها الشكر على الدعم والضغط الذي مارسته في المواجهة الأخيرة، كما شكر اليمن والعراق، داعياً الدولة اللبنانية إلى تصحيح موقفها من إيران. وخلص إلى أن “المواجهة مع العدو الإسرائيلي هي أقل خسارة من عدمها”، في إشارة إلى أن خيار المواجهة، برأيه، يبقى أقل كلفة من القبول بالشروط الإسرائيلية أو ترك العدوان يفرض نتائجه.

وبذلك، تعكس كلمة الشيخ نعيم قاسم تمسك حزب الله بثلاثة عناوين رئيسية في هذه المرحلة: رفض التفاوض المباشر مع إسرائيل، الإصرار على مواصلة المواجهة الميدانية، واعتبار المعركة الحالية جزءاً من صراع أوسع على هوية لبنان وسيادته وموقعه في الإقليم.

بنت جبيل.. المقبرة التي ابتلعت إنجاز نتنياهو قبل وصوله إلى طاولة واشنطن

لم تكن معركة بنت جبيل مواجهةً تكتيكيةً عابرة، بل لحظة كاشفة لاختبار العقيدة القتالية الصهيونية، وقد سقطت فيه قبل أن تسقط الآليات.

ما جرى في سوق المدينة لم يكن تقدّمًا، إنما هو انزلاقٌ محسوبٌ للعدو إلى حرب مدن يعرف جيش الاحتلال كلفتها، وتُتقن المقاومة إدارتها.

أولًا: هندسة الهزيمة في المسافة صفر:

اختار حزب الله الاشتباكَ من أقرب مسافة، مُحوِّلًا التفوّق الناري إلى عبء.

التحامٌ مباشر، أسلحة خفيفة ومتوسطة، نيرانٌ متقاطعة، واستهداف دقيق لتعزيزات العدوّ داخل النسيج العمراني.

هذه ليست جرأةً فحسب؛ إنها عقيدة قتال تُمسك بالميدان وتمنع تثبيت صورة نصر.

النتيجة كانت واضحة: تقدّمٌ بلا تمركز، واستنزاف متراكم يُسقِط فرضية الحسم.

ثانيًا: الرمز حين يتحوّل كمينًا:

بنت جبيل ليست نقطةً على الخريطة؛ هي ذاكرة كسر الأُسطورة.

محاولة الوصول إلى سوقها كانت بحثًا عن صورةٍ لا عن سيطرة.

هنا تحديدًا تحوّل الرمز إلى كمينٍ استراتيجي: كُـلّ مترٍ يرفع الكلفة، وكل ساعةٍ تُضاعف الخسائر.

هكذا تُبنى معادلة الردع: الأرض تقاتل مع أصحابها، والمدينة تُربك من يجهلها.

ثالثًا: من 2006 إلى اليوم.. النتيجة نفسها بوسائلَ أعمق:

يتكرّر السيناريو الذي أسقط وهم الجيش الذي لا يُقهر: تطويقٌ، نارٌ كثيفة، ثم عجزٌ عن الحسم.

 الفارق اليوم أنّ المقاومة توسّع التأثير: دفاعٌ صلب في المدينة، وضربٌ للعمق بما فيه نهاريا.

إنها معادلة تُسقط خيار الاستفراد وتُعيد تعريف الردع: لا تقدّم بلا ثمنٍ مضاعف، ولا هدنة بلا لبنان.

رابعًا: القيادة التي تمنع صورة النصر:

تندرج المعركة في صُلب رؤية السيد حسن نصر الله: منع أية صورة نصر، وتراكم الردع، وإفشال المنطقة العازلة.

سياسيًّا، انكشف السقف الإسرائيلي بمحاولات تحسين شروط تفاوضية تحت الضغط، وباعتداءاتٍ على اليونيفيل لتحييد الشهود مع تصاعد الالتحام.

خامسًا: أكذوبة نتنياهو… حين يفضح الإخراج عجزَ الميدان:

في ذروة الفشل البري، لجأ بنيامين نتنياهو إلى فيديو حضورٍ ميداني مُلفَّق، ظَنًّا أنّ الصورة تعوّض ما عجزت عنه الدبابة.

 غير أنّ التحليل البصري التقني أسقط الرواية سريعًا: تضليلٌ مكانيّ ببنى اتصالات وقواعد ثابتة خلف الحدود.

ليست زلّة إنتاج، بل خيارًا سياسيًّا يُخفي حقيقةً أبسط: الجنوب محرّم على القيادات.

قائدٌ يحتاج إلى استوديو ليبدو موجودًا، هو اعتراف غير مباشر بأنّ الأرض ليست بيده.

وفي موازاة هذا الانكشاف الإعلامي، تتكشف في الميدان صورةٌ أشدّ قسوة على منظومة الردع الإسرائيلية؛ إذ لم يعد التزييف المكاني مُجَـرّد محاولة لتجميل الفشل، بل صار غطاءً نفسيًّا لواقعٍ يتآكل تحت النار.

 فقد أعلنت المقاومة استهداف قاعدة بحرية إسرائيلية في أسدود بصواريخ نوعية بعيدة المدى، برأس حربي ثقيل، في رسالة تتجاوز الردّ التكتيكي إلى كسر عمق الردع البحري ذاته.

وهنا تتقاطع الصورة مع الحقيقة: بينما يصنع نتنياهو حضورًا مُفبركًا بالكاميرا، كانت الصواريخ ترسم حضورًا حقيقيًّا في عمق الجغرافيا الإسرائيلية، لتسقط سردية السيطرة من البحر إلى البر، ويتحوّل الكذب الإعلامي إلى انعكاس مباشر لانهيار أوسع.

في بنت جبيل، انتصرت العقيدة على الآلية، والتنظيم على الضجيج.

كَيان الاحتلال هُزمَ لأنه فقدَ المبادرة وسقطت سرديته، فلا أمن للشمال ما لم يتوقف النزيف في الجنوب.

والمدينة التي تعرف أبناءها، تُرعب من يجهلها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عدنان عبدالله الجنيد