الرئيسية بلوق الصفحة 148

ردود فعل واسعة على إهانة ترامب للبابا “ليو الرابع عشر” بتصريحات مسيئة

تتواصل ردود الفعل الغاضبة على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المسيئة بحق البابا ليو الرابع عشر، زعيم الكاثوليك في العالم، وسط تصاعد المواقف السياسية والدينية الرافضة لهذا الخطاب.

ونقلت شبكة CBS عن ثلاثة كرادلة أمريكيين بارزين تأكيدهم أن البابا ألهمهم، انطلاقًا من التعاليم الكاثوليكية، لمعارضة الحرب الظالمة على إيران، مشددين على أن رسالة الكنيسة تقوم على نشر السلام ووحدة الأسرة الإنسانية.

من جانبه، أعرب بول إس. كوكلي، رئيس مؤتمر الأساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة، عن خيبة أمله من تصريحات ترامب، مؤكدًا أن البابا ليس خصمًا سياسيًا ولا منافسًا للرئيس.

كما شدد أنطونيو سبادارو، رئيس تحرير مجلة الحضارة الكاثوليكية، على أن البابا يتحدث بلغة أخلاقية وإنسانية تتجاوز منطق القوة والسياسة، في إشارة إلى رفضه الانجرار إلى خطاب المواجهة.

وفي السياق نفسه، علّق إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، على ما وصفه بإهانة المسؤولين الأمريكيين للبابا، قائلًا في منشور على منصة إكس إن كلمات البابا ليو الرابع عشر، في زمن تطغى فيه أصوات القنابل وضجيج دعاة الحروب والمعتدين على ضمير العالم، تعكس النداء الإنساني والإلهي للإنجيل: “طوبى لصانعي السلام”.

وأضاف بقائي أن الإساءة إلى البابا ليو الرابع عشر لا تمثل فقط سلوكًا منافيًا لتعاليم المسيحية، بل تُعد أيضًا اعتداءً واضحًا على قيم السلام والعدالة والإنسانية.

وأشار إلى أن البابا كان قد دعا مؤخرًا، في انتقاد للسياسات الأمريكية ذات الطابع الحربي، إلى وقف إراقة الدماء وإحلال السلام في منطقة غرب آسيا والعالم، معتبرًا أن هذه المواقف قوبلت لاحقًا بإساءة من الرئيس الأمريكي.

وكان ترامب قد وصف البابا ليو الرابع عشر سابقًا بأنه “ضعيف” في تعامله مع قضايا الجريمة والسياسة الخارجية، ما أثار موجة انتقادات واسعة وردود فعل متصاعدة من شخصيات دينية وإعلامية وسياسية.

حزب الله قرة عين محور الجهاد والمقاومة

حكومة جوزيف عون تتبنى خطة أمريكية لنزع سلاح حزب الله

يحاول الإعلام العربي المتصهين أن يقول للشعوب العربية والإسلامية إن محور الجهاد والمقاومة بقيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية تخلى عن حزب الله، وترك لبنان وحيدًا في المعركة مع الصهاينة، والحقيقة أن الكثير لا يعلم بمكانة حزب الله لدى كافة أطراف المحور، ولا الدور الخطير الذي تلعبه الحكومة اللبنانية في تمرير هذه الرواية، ولا النتائج التي تحقّقت في هذه المواجهة التاريخية مع الأمريكيين والصهاينة وأدواتهم في المنطقة.

ولعل من أهم نتائج هذه الجولة هي تثبيت معادلة وحدة الساحات؛ هذه المعادلة هي من أفشلت العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية، وأربكت مخطّطاتهم وأوراقهم وأدواتهم المتصهينة، وقادتهم إلى هزيمة تاريخية غير مسبوقة في تاريخ الأمريكيين والصهاينة.

هذه المعادلة الجهادية الإسلامية لا يمكن التفريط بها من قبل محور الجهاد والمقاومة، أَو السماح بالمساس بها في أية مرحلة، وسوف تتعزز معادلة وحدة الساحات أكثر وأكثر خلال المواجهات القادمة.

هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن حزب الله قرة عين محور الجهاد والمقاومة، فهو النموذج الأرقى والأسمى لكل الأحرار والشرفاء في المنطقة والعالم، لا يستطيع أي طرف من أطراف المحور سواء في فلسطين أَو العراق أَو اليمن أَو غيرها أن ينكر فضل حزب الله عليه، وما قدمه له حزب الله حتى وصل كُـلّ طرف إلى ما وصل إليه.

ومن ناحية ثالثة فإن العلاقة بين أطراف محور الجهاد والمقاومة لا تقوم على مصالح سياسية أَو اقتصادية يمكن أن تتغير أَو تتبدل في أية لحظة، بل هي علاقة ثابتة تقوم على الفداء والتضحية، هي علاقة نابعة من منطلقات إيمانية قرآنية واضحة.

هذه العلاقة غير قابلة للتفاوض والمساومة، بخلاف علاقة الأمريكيين والصهاينة الذين يبيعون حلفاءهم وأدواتهم في أية لحظة إذَا تعارضت أهدافهم ومصالحهم مع مصالح الأمريكيين والصهاينة، وقد شاهد العالم كيف تخلت أمريكا عن أدواتها في المنطقة وسخرت كافة إمْكَانياتهم في الدفاع عن الصهاينة.

وبالنسبة لعدم رد محور الجهاد والمقاومة على الجرائم الصهيونية الأخيرة في لبنان فهذا يعود أولًا إلى موقف السلطات اللبنانية العميلة التي أعطت المبرّرات للصهاينة لارتكاب المزيد من الجرائم والمجازر الوحشية؛ فرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة اللبنانية هما من رفضا صراحة أن يكون لبنان جزءًا من اتّفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في باكستان، وقدمت هذه السلطة العميلة للمجرمين الصهاينة كافة البيانات والمعلومات والإحداثيات للأماكن والمناطق والمواقع اللبنانية التي تم قصفها خلال الأيّام الثلاثة الماضية للقضاء على بيئة المقاومة، ومضاعفة معاناة النازحين من جنوب لبنان والضاحية، وهذا واضح من خلال تصريحات وتحَرّكات ومواقف نواف سلام وجوزف عون الموثقة.

وأيضًا، هل يُعقل أن يقوم كَيان الاحتلال المجرم بأكثر من مِئة وستين غارةً داخل لبنان خلال عشر دقائق فقط دون أن تكونَ لديه معلومات دقيقة وصلته من جهات رسمية في لبنان خلال الساعات الأولى من إعلان وقف إطلاق النار؟ ولو كانت هذه المعلومات والأهداف لدى كيان الاحتلال من قبلُ لما تأخَّر عن قصفها أولًا بأول، لا سِـيَّـما في ظل الخسائر والهزائم التي تكبدها خلال الفترة الماضية على الحدود اللبنانية.

لهذا فإننا ننصحُ إخوانَنا المجاهدين في لبنان بأن يراقبوا تحَرّكات الحكومة وأجهزتها الأمنية والحزبية في بيروت وغيرها، فهذه الحكومة لن تتوقف عن خيانتها وعمالتها حتى تستكمل مهمتها في تسليم لبنان لِكيان الاحتلال، وتحويل الدولة اللبنانية إلى سلطة تابعة للاحتلال.

وما يؤخر محور الجهاد والمقاومة بقيادة الجمهورية الإسلامية عن الرد على جرائم كَيان الاحتلال في لبنان هو ثقته ومعرفته بأن حزب الله لا يزال قادرًا على هزيمة الاحتلال بمفرده، وفي اللحظة التي تستدعي تدخل المحور إلى جانبه فلن يتأخر لحظة واحدة، وهذا ما صرح به كافة أطراف محور الجهاد والمقاومة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

القاضي علي عبدالمغني

ترامب ومقامرة “إقفال المقفول”: من العجز إلى “بلطجة” دولية

في واحدة من أكثر لحظات السياسة الدولية سريالية، خرج ترامب ليعلن عن “إنجاز” جديد بفرض حصار شامل على مضيق هرمز، ومنع دخول وخروج أية سفينة منه.. هذا الإعلان الذي جاء عقب فشل مفاوضات إسلام آباد، يثير سؤالًا ساخرًا: هل يحاول “إقفال المقفول” أصلًا، أم أنه يمارس عملية “سطو إعلامي” على جغرافيا لا يملك مفاتيحها؟

من “التطهير” إلى “الحصار”: تخبط الرواية

قبل ساعات فقط، كان ترامب يروّج لعملية “تطهير” المضيق وفتحه أمام الملاحة العالمية كمنقذ و”خادم” للدول.

لكن، وما إن اصطدمت طموحاته بصخرة الردع الإقليمي وتراجعت مدمّـراته أمام التهديد الميداني، حتى قلب الرواية رأسًا على عقب.

إن التحول من خطاب “فتح الممرات” إلى خطاب “فرض الحصار” ليس إلا اعترافًا ضمنيًّا بالفشل في كسر الإرادَة السيادية للدول المشاطئة للمضيق.

سرقة “الفعل” الإيراني

المفارقة المضحكة في تصريح ترامب هي محاولته تحويل “إغلاق المضيق” من أدَاة ردع تلوح بها طهران، إلى “عقوبة” يفرضها البيت الأبيض.

هي محاولة يائسة لسرقة زمام المبادرة؛ فبما أن واشنطن عجزت عن فرض “المرور الآمن” بشروطها، قرّرت أن تدَّعي أنها هي من “يغلق” الممر، لتداريَ انكسار هيبتها البحرية خلف ستار “الحصار الشامل”.

الحصار على العالم لا على إيران

حين يعلن ترامب منعَ “أي وجميع السفن” من العبور، فهو لا يحاصرُ إيران فحسب، إنما يعلن الحرب على اقتصاديات الصين واليابان وأُورُوبا.

إنها “قرصنة دولية” مقنعة، حَيثُ يحاولُ تحويلَ ممر ملاحي عالمي إلى “منطقة نفوذ” خَاصَّة، يُمنع فيها حتى دفع الرسوم القانونية للدول السيادية.

هذا “الإقفال الترامبي” ليس موجهًا ضد القوات العسكرية، بل هو طعنة في قلب التجارة العالمية واستقرار الطاقة.

الهروب إلى الأمام

إن لجوء ترامب للغة التهديد بـ “إبادة ما تبقى من جيش إيران” وادِّعاءاته بتدمير قادتها، تعكس حالة من الهستيريا السياسية الناتجة عن اصطدام عقلية “رجل الصفقات” بجدار “رجل الميدان”.

ترامب يعلم أن الحصار الفعلي يتطلب مواجهة مباشرة لا يملك النفَس الطويل لخوضها، لذا فهو يكتفي بـ “الحصار اللفظي” بانتظار معجزة سياسية تنقذه من المأزق الذي وضع نفسه فيه.

إذن..

مضيق هرمز، بجغرافيته المعقّدة وصواريخه الرابضة على الشواطئ، لا يعترف بالتغريدات ولا ببيانات البيت الأبيض.

إن محاولة ترامب “إقفالَ المقفول” هي مُجَـرّد “فقاعة إعلامية” لترميم صورة مهتزة.

فالواقع يقول إن من يملك الساحل يملك القرار، ومن يهدّد بالحصار من خلف المحيطات ليس سوى مقامر يراهن بأوراقٍ محترقة في سوق لا تبيع إلا الأوهام.

‏ترامب يظن أنه يتعاملُ مع نظام هش يمكن لَفُّه بـ “صفقة” أَو إخضاعه بقرار حصار، متناسيًا أن إيران “ابنة الحصار” بامتيَاز، وقد طورت كيمياء خَاصَّة للبقاء والنمو تحت أقسى الضغوط طيلة عقود.

إيران على مدى 47 عامًا قامت بـ “توطين” أزماتها وتحويلها إلى قوة؛ صنعت سلاحها، وأدارت اقتصادها بالحد الأدنى، واعتادت العيش خارج المنظومة المصرفية الدولية.

في المقابل، فإن أمريكا وحلفاءها يعيشون في “بيئة زجاجية” من الوفرة؛ أي اهتزاز في أسعار النفط أَو توقف في سلاسل الإمدَاد عبر هرمز سيؤدي إلى زلزال سياسي واقتصادي داخل واشنطن وأُورُوبا، ولن يتحمل الناخب الغربي دفع ثمن مغامرات ترامب من جيبه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مبارك حزام العسالي

الحصار البحري الأمريكي المزعوم على هرمز.. واشنطن تلوّح من بعيد وطهران ترد بسيادة النار والممرات

تكشف التطورات الأخيرة في ملف مضيق هرمز أن الولايات المتحدة انتقلت من محاولة فرض إرادتها عبر الحرب المباشرة إلى التلويح بحصار بحري واسع يستهدف الموانئ والسواحل الإيرانية ويطاول، بصورة غير مسبوقة، حركة السفن في بحر العرب وخليج عُمان، في خطوة تعكس بوضوح أن واشنطن لم تستطع انتزاع ما تريده من طهران على طاولة المفاوضات، فعادت إلى استخدام ورقة البحر بوصفها أداة ضغط سياسي واقتصادي وعسكري.

وبحسب المعطيات المتداولة، فإن المذكرة المنسوبة إلى البحرية الأمريكية ترسم ملامح ما يشبه منظومة سيطرة بحرية شاملة، لا تقتصر على السفن الإيرانية أو المرتبطة بإيران، بل تمتد إلى حركة جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ترفعه. ووفق هذا التصور، تعلن واشنطن نيتها فرض سيطرة على بحر العرب وخليج عُمان، مع الإبقاء – نظرياً – على المرور عبر مضيق هرمز من وإلى وجهات غير إيرانية، لكن تحت مظلة التحقق والتفتيش، بما في ذلك السفن المحايدة، بحجة البحث عن بضائع مهرّبة أو شحنات غير مصرح بها. وحتى المساعدات الإنسانية، وفق هذه الرواية، لن تُستثنى من هذا النظام، إذ سيسمح فقط بمرور المواد الغذائية والطبية والسلع الأساسية بعد تفتيشها.

هذا يعني عملياً أن واشنطن لا تتحدث عن مجرد رقابة ملاحية أو إجراءات احترازية، بل عن مشروع حصار بحري مرن ومتشعب، يتيح لها التحكم بالإيقاع البحري والتجاري في محيط إيران، حتى لو حاولت تجميله بصيغة “عدم عرقلة المرور” أو “تأمين الملاحة”. فجوهر الخطة، كما يبدو من بنودها، هو إخضاع المجال البحري المحيط بإيران لإرادة أمريكية مباشرة، وجعل أي حركة تجارية أو لوجستية أو حتى إنسانية تمر عبر بوابة القرار الأمريكي.

وتعزز هذا المعنى المعلومات التي تحدثت عن تلقي هيئة العمليات البحرية البريطانية إشعارات بفرض قيود على بلوغ موانئ وسواحل إيران بدءاً من الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش، في إشارة إلى أن ما يُطرح لم يعد مجرد مناورات إعلامية أو تهديدات خطابية، بل إجراءات تُسوّق لها واشنطن وحلفاؤها كأمر واقع بحري جديد.

لكن في المقابل، جاءت الرسالة الإيرانية حاسمة ومباشرة. فقد أكدت وزارة الدفاع الإيرانية أن إدارة مضيق هرمز ستبقى بيد إيران والمنطقة إلى الأبد، وأن العدو فشل في إسقاط النظام أو تفكيك البلاد أو السيطرة على المضيق. كما شدد مقر خاتم الأنبياء على أن أمن الموانئ في الخليج وبحر عُمان إما أن يكون للجميع أو لا يكون لأحد، وأنه لن يُسمح للسفن التابعة للعدو بالمرور عبر مضيق هرمز، بينما يُسمح للسفن غير المرتبطة بالأعداء بالعبور وفق ضوابط القوات المسلحة الإيرانية. وهذه الصياغة لا تحمل فقط موقفاً سيادياً، بل تعكس إعلاناً صريحاً بأن طهران تتعامل مع هرمز باعتباره فضاء سيادياً يخضع لإرادتها الأمنية والعسكرية، لا لسفن الاستعراض الأمريكي ولا لخرائط القيادة المركزية.

وفي هذا السياق، يكتسب كلام عباس عراقجي أهمية خاصة، إذ أشار إلى أن طهران انخرطت بحسن نية في محادثات مكثفة مع الولايات المتحدة، لكنها حين اقتربت من توقيع “مذكرة تفاهم إسلام آباد” فوجئت بـ نهج متشدد وتغيير مستمر في الأهداف وحصار، بما يوحي بأن واشنطن لم تدخل المسار التفاوضي بحثاً عن تسوية متوازنة، بل عن فرصة لانتزاع مكاسب إضافية عبر الابتزاز البحري والسياسي.

وتكشف ردود الفعل الدولية أن هذا المسار الأمريكي لا يُنظر إليه باعتباره خطوة استقرار، بل مصدراً جديداً للاضطراب العالمي. فالصين دعت إلى الهدوء وضبط النفس ووقف الأعمال العدائية لضمان أمن الملاحة، فيما شدد كير ستارمر على أن فتح مضيق هرمز ضرورة وأن لندن لا تدعم فرض حصار عليه. كما حذر مجلس الأمن الروسي من أن استمرار الأزمة حول هرمز يهدد الأمن الغذائي العالمي، بل إن إغلاق المضيق لثلاثة أشهر فقط قد يؤدي إلى نقص غذائي حاد في دول المنطقة. أما المنظمة البحرية الدولية فقد وصفت الوضع بأنه مقلق للغاية، مع تعرّض آلاف البحارة لمخاطر مباشرة.

وعلى المستوى العملي، بدأت مؤشرات الاختناق البحري تظهر سريعاً. فقد أفادت تقارير بحرية بأن حركة السفن في مضيق هرمز توقفت تماماً بعد إعلان ترامب عن الحصار البحري، وأن خمس ناقلات تابعة لشركة كوسكو الصينية باتت عالقة، فيما تحدثت وول ستريت جورنال عن ناقلات أخرى لم تعبر. وهذا يكشف أن مجرد التلويح الأمريكي بالحصار، حتى قبل اكتمال فرضه، كان كافياً لإحداث شلل جزئي في شريان الطاقة العالمي، وهو ما يعكس هشاشة الرهان الأمريكي: واشنطن تقول إنها تضغط على إيران، لكنها في الواقع تضغط على التجارة الدولية والطاقة العالمية والأسواق والشحن البحري.

ولهذا جاء نقد عدد من الأصوات الغربية لافتاً. فقد اعتبر ميرشايمر، وفق ما ورد، أن التهديد الأمريكي يبدو أقرب إلى الانتحار الاستراتيجي منه إلى خطة حرب ناجحة، في ظل بقاء الأسطول بعيداً في عمق المحيط، ونفاد مخزونات صواريخ الدفاع الجوي، وتحول الحلفاء إلى “مغناطيس” للمسيّرات الإيرانية. كما تحدث خبراء فرنسيون عن فشل الحصار الأمريكي وعن مستنقع لا مخرج منه، بينما وُجهت انتقادات أوروبية مباشرة إلى ترامب بوصفه يمارس الابتزاز ويتوهم القدرة على السيطرة على هرمز.

في المحصلة، فإن ملامح الحصار البحري الأمريكي المزعوم تكشف عن محاولة أمريكية لإعادة إنتاج الهيمنة من بوابة البحر، بعد أن فشلت في فرضها عبر الحرب والتفاوض. لكن هذه المحاولة تصطدم بحقيقة أساسية: هرمز ليس ممراً فارغاً أمام الأساطيل، بل عقدة سيادية واستراتيجية تمسك إيران بخيوطها السياسية والعسكرية. ولهذا، فإن أي حصار يُراد فرضه على إيران لن يبقى حصاراً عليها وحدها، بل سيتحول سريعاً إلى أزمة عالمية في الطاقة والملاحة والغذاء والتجارة.

والمعادلة التي تفرض نفسها الآن تبدو واضحة: واشنطن تلوّح بالحظر والبحر، لكن طهران ترد بالسيادة والجاهزية وإمساك مفاتيح المضيق. وبين التهديد الأمريكي والرد الإيراني، لا يبدو العالم أمام عملية “تأمين ملاحة”، بل أمام صراع مفتوح على من يملك القرار في واحد من أخطر شرايين العالم.

تصعيد ناري واسع من جنوب لبنان.. “حزب الله” يدك مستوطنات الشمال بـ 24 عملية متتابعة لمواقع وتجمعات العدو الإسرائيلي

شهدت الجبهة اللبنانية الجنوبية، اليوم الإثنين 13 أبريل/نيسان 2026، تصعيداً نارياً متدرجاً ومكثفاً، بعدما أعلنت المقاومة الإسلامية تنفيذ 24 عملية عسكرية متتالية قالت إنها جاءت رداً على خروقات العدو الإسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار واعتداءاته المتكررة على قرى الجنوب ومدينة صور. وبحسب البيانات الصادرة عن الإعلام الحربي لحزب الله، فإن نمط العمليات كشف عن انتقال واضح من الرد الموضعي إلى الضغط الناري الواسع والمركب على امتداد المستوطنات والمواقع والثكنات في الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة، وصولاً إلى العمق العملياتي المحاذي لجنوب لبنان.

بدأت العمليات مع ساعات الفجر الأولى باستهداف كريات شمونة عند الساعة 01:20 بصليات صاروخية، ثم دوفيف عند 02:45، في إشارة مبكرة إلى أن الرد لن يبقى محدوداً أو رمزياً. ومع دخول ساعات الصباح، توسعت دائرة الاستهداف لتشمل موقع المطلة بسرب من المسيّرات الانقضاضية، ثم تجمعاً لجنود العدو في شلومي، قبل أن يُعاد استهداف المطلة مرة أخرى ولكن هذه المرة بصواريخ ثقيلة، بما يعكس تصعيداً نوعياً في مستوى النيران وتنوعاً متعمداً في أدوات الاشتباك.

ومع تقدم النهار، دخلت العمليات مرحلة أكثر كثافة واتساعاً. فتم استهداف مسكاف عام بصليات صاروخية وبسرب من المسيّرات الانقضاضية، ثم تلة العويضة في العديسة حيث قالت البيانات إن الهجوم أدى إلى اندلاع حريق في الموقع، تلا ذلك استهداف ثكنة كريات شمونة، ثم نشر مشاهد لعملية استهداف إيفن مناحيم وموقع خربة ماعر بالمسيّرات، قبل أن تمتد الهجمات إلى ثكنة أفيفيم وتجمع للجنود في شوميرا وتجمع آخر في كفرجلعادي، في صورة توحي بأن الضغط لم يعد منصباً على نقطة واحدة، بل على شبكة كاملة من التمركزات والنقاط العسكرية والبشرية للعدو.

وفي موازاة ذلك، ظهرت ملامح هجوم جوي مركب ومنظم مع إعلان تنفيذ عملية واسعة عند الساعة 10:30 استهدفت تموضعات لجنود جيش العدو بأسراب من المحلقات الانقضاضية، وشملت وفق البيان: غرفة منامة جنود في ثكنة يفتاح، وتموضع جنود في قاعدة بيت هيلل، وغرفة منامة جنود في مستوطنة كريات شمونة، وغرفة إدارة نار وخيمة عسكرية قرب مربض كفرجلعادي، وغرفة قيادة وخيمة يتموضع فيها جنود في ثكنة كفرجلعادي، ومقراً قيادياً وخيمة يتموضع فيها جنود في مستوطنة مرغليوت. وهذا الهجوم يكشف عن محاولة شل بيئات الإسناد والإيواء والقيادة وإدارة النيران، لا مجرد استهداف أهداف مكشوفة أو تقليدية.

وبالتوازي مع الضربات الجوية، استمرت الصليات الصاروخية لتشمل زرعيت، دوفيف، أفيفيم، مسكاف عام، كريات شمونة، المطلة، مع استهداف قاعدة عميعاد شمال بحيرة طبريا وقاعدة تدريب للواء المظليين في مستوطنة كرمئيل بسرب من المسيّرات الانقضاضية، وهو ما يشير إلى أن بنك الأهداف لم يقتصر على المواقع الحدودية المباشرة، بل شمل أيضاً مواقع تدريب وتموضع وإدارة عمليات خلف الخط الأمامي.

كما شملت البيانات استهداف موقع بلاط المستحدث في جنوب لبنان بقذائف المدفعية، إلى جانب رأس الناقورة والناقورة وثكنة ليمان شمال نهاريا وثكنة زرعيت، بما يبرز أن المشهد لم يكن مجرد رشقات متفرقة، بل حملة نارية متصلة الإيقاع استخدمت فيها الصواريخ الخفيفة والثقيلة، القذائف المدفعية، وأسراب المسيّرات الانقضاضية ضمن مسرح عمليات واسع ومتعدد الطبقات.

اللافت في مجمل البيانات أن كل العمليات حملت الرسالة نفسها: أن هذا الرد سيستمر إلى أن يتوقف العدوان الإسرائيلي الأمريكي على لبنان وشعبه. وتكرار هذه العبارة في جميع البيانات الصادرة يمنح هذا التصعيد طابعاً سياسياً وعسكرياً واضحاً، مفاده أن ما جرى ليس جولة رد محدودة الزمن، بل مسار ضغط مفتوح مرتبط باستمرار الخروقات الإسرائيلية للتهدئة.

خلاصة المشهد أن الجبهة الشمالية للعدو تعرضت خلال أقل من نصف يوم إلى موجة كثيفة من الضربات المتنوعة طالت مستوطنات، ثكنات، قواعد، مواقع حدودية، تجمعات جنود، وغرف قيادة ومنامة، في تصعيد يعكس استعادة زمام المبادرة نارياً ومحاولة فرض معادلة ردع ميدانية جديدة عنوانها أن استمرار الاعتداءات على الجنوب اللبناني سيقابله استنزاف متصاعد ومركب على طول الشريط العسكري والاستيطاني المقابل.

العمى الاستخباري الإسرائيلي.. من انهيار الإنذار إلى فشل الردع

تكشف التطورات المتلاحقة منذ طوفان الأقصى أن أزمة الاحتلال لم تعد أزمة إخفاق ميداني عابر، بل أزمة بنيوية تضرب صميم المنظومة الاستخبارية والعسكرية الإسرائيلية. فبعد أن حاولت تل أبيب، منذ خريف 2024، تسويق مشهد يوحي باستعادة تفوقها الأمني عبر الاغتيالات والضربات المركزة، جاءت الوقائع اللاحقة لتنسف هذه الصورة تدريجيا، من المفاجأة الكبرى في غزة إلى قدرة حزب الله على التعافي السريع، وصولا إلى سوء تقدير الموقف في الحرب على إيران. والنتيجة أن المؤسسة الإسرائيلية تبدو اليوم قادرة على جمع كم هائل من المعلومات، لكنها عاجزة عن فهم الخصم كما هو، لا كما تريد أن تراه.

وقد عبّر قائد المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال رافي ميلو عن هذا المأزق بعبارة شديدة الدلالة حين أقر بوجود “فجوة بين ما اعتقدناه وما نكتشفه فعليا” في ما يتعلق بحزب الله. وهذه العبارة لا تخص الجبهة اللبنانية وحدها، بل تختصر أزمة أوسع تتكرر في كل الساحات: تقدير إسرائيلي متضخم للذات، يقابله استهانة مزمنة بقدرة الخصم على التعافي والمباغتة والصمود. فالمشكلة لم تعد مجرد خطأ في قراءة موقف هنا أو هناك، بل فشل متراكم في إنتاج صورة استخبارية صادقة عن الواقع الميداني.

وفي الجبهة الإيرانية، ظهرت الصورة ذاتها بشكل أكثر خطورة. فالتقديرات التي حملها نتنياهو إلى واشنطن قبل الحرب قامت على فرضية أن حملة قصف مكثفة، مدعومة بتحركات سرية لإثارة الاضطرابات، قد تفتح الطريق لإسقاط النظام الإيراني أو شل قدرته على الرد. لكن ما حدث عمليا كان العكس: إيران لم تنهَر، والرهان على الاضطراب الداخلي أخفق، والقدرة على إغلاق هرمز أو ضرب المصالح الأمريكية لم تكن وهما كما تخيلت تل أبيب. وهكذا وجد الاحتلال نفسه من جديد أمام فجوة بين السيناريو الذي روّجه والواقع الذي فرض نفسه بالنار والميدان.

وتوضح الشواهد أن هذا الفشل لم يكن بسبب غياب المعلومات، بل بسبب طريقة التعامل معها. فقبل 7 أكتوبر، امتلك الاحتلال الإسرائيلي مؤشرات عديدة: تدريبات، وتحذيرات، وإشارات تقنية، ومعلومات من مصادر بشرية، لكن كل ذلك لم يتحول إلى إنذار فعلي. السبب الأساسي كان هيمنة الافتراضات المسبقة على التفكير الاستخباري، وفي مقدمتها الاعتقاد بأن حماس مردوعة، وأنها تفضّل إدارة القطاع لا الذهاب إلى مواجهة كبرى. هذه الفرضيات لم تسقط فقط في غزة، بل امتدت آثارها لاحقا إلى لبنان وإيران، حيث استمر العقل الأمني الإسرائيلي في تفسير سلوك الخصوم وفق ما يناسب تصوراته هو، لا وفق ما يعكسه الواقع.

كما تكشف الدراسة أن منظومة الاحتلال الإسرائيلي عانت من اعتماد مفرط على الوسائل التقنية مقابل تراجع واضح في الاستخبارات البشرية والفهم الثقافي والسياسي العميق للخصوم. ومع تزايد الثقة بالجدار، والمراقبة، والبيانات الضخمة، نشأ وهم السيطرة الكاملة، حتى باتت الأجهزة الأمنية تعتقد أنها تعرف كل شيء، بينما كانت تعجز عن التقاط التحولات الحقيقية داخل حماس وحزب الله وإيران. وبهذا المعنى، فإن الاحتلال لم يسقط بسبب نقص الأدوات، بل بسبب الغطرسة التي جعلته يثق بأدواته أكثر من اللازم.

وتضيف الشواهد بعدا أكثر خطورة، يتعلق بـ تحول دور شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” من جهاز يُفترض أن يركز على التقدير الإستراتيجي والإنذار المبكر، إلى جهاز مشغول بإنتاج بنك أهداف وإدارة الضربات السريعة. هذا التحول رفع كفاءة الاحتلال على مستوى التفاصيل والقتل والاغتيالات، لكنه أضعف قدرته على فهم الصورة الكلية، أي فهم عقيدة الخصم، ودوافعه، وإرادته، وقدرته على التكيف تحت الضغط. وهكذا صار الضابط الإسرائيلي، كما تصف الدراسة، أكثر قدرة على الإجابة عن الأسئلة الجزئية الدقيقة، لكنه أقل قدرة على بناء صورة شاملة.

ومن الأسباب البنيوية أيضا تجزؤ البنية الاستخبارية بين الشاباك وأمان والموساد، في ظل غياب مركزية حقيقية تجمع المعلومات في تقدير موحد. هذا التشتت، مضافا إليه التنافس البيروقراطي والخوف من تحمل مسؤولية التحذيرات الكبيرة، أدى إلى تبعثر المعطيات وتآكل القدرة على دمجها في رؤية واحدة. وحين اجتمع ذلك مع التأثير السياسي، والانشغال الداخلي، والثقة المفرطة، تشكلت ما يشبه العاصفة المثالية التي أنتجت الفشل في 7 أكتوبر، ثم أعادت إنتاجه بأشكال مختلفة في الجبهتين اللبنانية والإيرانية.

الخلاصة التي يفرضها هذا المسار أن الإخفاق الإسرائيلي ليس موضعيا ولا ظرفيا، بل هو جزء من أزمة أعمق في عقل التقدير نفسه. ففي غزة، ولبنان، وإيران، تكرر النمط ذاته: معلومات كثيرة، وضربات مؤلمة، وقدرة نارية ضخمة، لكن مع قراءة قاصرة للخصم، وثقة مبالغ فيها بالنفس، وعجز عن إدراك التحولات الكبرى. لذلك تبدو المفارقة الإسرائيلية اليوم شديدة الوضوح: نجاح هائل في التفاصيل، وفشل ذريع في فهم الصورة الكبيرة. وهذه هي النقطة التي تجعل “عيون إسرائيل” تبدو مفتوحة تقنيا، لكنها عمياء استراتيجيا.

صنعاء تتوعّد: استئناف العدوان على إيران سيُقابل بتصعيد عسكري يمني مباشر

أكدت وزارة الخارجية في حكومة صنعاء أن تماسك الوفد الإيراني وثباته على طاولة المفاوضات شكّل انتصاراً جديداً للجمهورية الإسلامية ومحور الجهاد والمقاومة، مشيرة إلى أن كل الضغوط التي مورست خلال الجولة الأخيرة كانت تستهدف كسر الموقف الإيراني وإسقاط معادلة “وحدة الساحات”، غير أنها انتهت إلى الفشل، بعدما عجزت واشنطن عن فرض ما تريد سياسياً كما عجزت عن انتزاعه عسكرياً.

وأوضحت الوزارة، في بيان، أن الولايات المتحدة حاولت عبر المسار التفاوضي فرض شروط لم تتمكن من تحقيقها في الميدان، معتبرة أن هذا السلوك يكشف بوضوح إخفاق الأدوات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية في صناعة وقائع جديدة أو كسر إرادة قوى المقاومة، وهو ما دفعها إلى الانتقال نحو الضغط السياسي والدبلوماسي بحثاً عن مكاسب تعوّض خسارتها في الميدان.

وفي لهجة تحذيرية واضحة، شددت الخارجية على أن أي تصعيد أمريكي جديد، سواء في المنطقة أو في البحار والممرات الملاحية، ستكون له تداعيات مباشرة على سلاسل التوريد العالمية وأسعار الطاقة، بما يعني أن أي مغامرة جديدة لن تبقى محصورة في بعدها العسكري، بل ستنعكس على الاقتصاد الدولي برمته، في ظل حساسية الممرات البحرية وخطورة توسع المواجهة في هذه المرحلة.

كما أكدت الوزارة أن موقف اليمن سيظل ثابتاً وحاسماً في حال استؤنف العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، موضحة أن صنعاء مستعدة للمشاركة الفاعلة ضمن مسار تصاعدي للعمليات العسكرية، في رسالة تعكس أن قرار الإسناد لم يعد مجرد موقف سياسي أو تضامن إعلامي، بل خيار عملي قائم على الجاهزية والتنسيق والتعامل مع أي تطور ضمن رؤية موحدة لمحور المقاومة.

ورأت الخارجية أن تصعيد الخطاب الأمريكي، وخصوصاً ما صدر عن دونالد ترامب بشأن نقل المواجهة إلى أعالي البحار، لا يعكس قوة وثقة بقدر ما يكشف عن فشل الخيارات العسكرية السابقة وعجزها عن تحقيق أهدافها، معتبرة أن واشنطن تحاول التلويح بمسارات جديدة بعدما أخفقت في فرض إرادتها عبر الحرب المباشرة والضغط العسكري التقليدي.

ويأتي هذا الموقف امتداداً لما كانت صنعاء قد أعلنته سابقاً من أن قرار الوقوف إلى جانب إيران قد تم اتخاذه بالفعل، مع تأكيد وجود تنسيق كامل بين أطراف محور المقاومة في مواجهة التطورات الجارية، بما يرسخ مجدداً أن أي عدوان على إحدى جبهات المحور لن يبقى معزولاً، بل سيُواجَه ضمن مقاربة موحدة تقوم على وحدة الساحات وتكامل الردود وتوسيع كلفة الحرب على المعتدين.

وبهذا البيان، تكون صنعاء قد رفعت سقف رسائلها السياسية والعسكرية معاً، مؤكدة أن المرحلة المقبلة لن تُدار بمنطق الانتظار أو الحياد، وأن أي محاولة لإعادة إشعال الحرب ضد إيران ستُقابل بدخول يمني أكثر فاعلية وتأثيراً، في إطار معادلة ردع إقليمية تتشكل على قاعدة أن العدوان على طرف من محور المقاومة هو عدوان على الجميع.

سكوت ريتر: نيفاتيم لم تكن ضربة عابرة.. بل لحظة كسرت أسطورة التفوق الإسرائيلي وأعادت رسم الشرق الأوسط بالنار

في قراءة عسكرية وسياسية شديدة الحدة، اعتبر ضابط الاستخبارات الأمريكي السابق سكوت ريتر أن ما جرى في قاعدة نيفاتيم الجوية لا يمكن التعامل معه كحادث ميداني عابر أو كضربة ضمن سياق حرب تقليدية، بل بوصفه واحداً من أكثر الأحداث العسكرية تأثيراً في القرن الحادي والعشرين، لما حمله من تداعيات تتجاوز الخسائر المباشرة إلى نسف افتراضات استراتيجية كاملة حكمت توازنات الشرق الأوسط لعقود. وبحسب ريتر، فإن الضربة لم تستهدف مجرد مدرجات أو حظائر، بل أصابت مركز العصب في القوة الجوية الإسرائيلية، القاعدة التي انطلقت منها معظم عمليات القصف والاختراق الإسرائيلي في الإقليم، من سوريا إلى لبنان إلى الأهداف المرتبطة بإيران.

ويقول ريتر إن خطورة ما حدث لا تكمن فقط في حجم الدمار، بل في طبيعة الرسالة العسكرية والسياسية التي حملها. فهو يصف نيفاتيم بأنها “جوهرة القوة الجوية الإسرائيلية”، وأن ضربها يعني عملياً ضرب قدرة إسرائيل على الوصول إلى خصومها في الزمان والمكان اللذين تختارهما. ومن هذا المنظور، فإن استهداف هذا المركز لم يكن عملاً تكتيكياً محدوداً، بل هجوماً محسوباً بدقة على صلب القدرة الإسرائيلية في فرض الهيمنة الجوية والردع الإقليمي.

ويذهب ريتر إلى أبعد من ذلك حين يربط الضربة بما يعتبره انهياراً فعلياً لبوليصة الضمان الأمريكية للتفوق الإسرائيلي. فهو يشير إلى أن طائرات إف-35 لم تكن بالنسبة إلى واشنطن مجرد معدات باعتها لحليفها، بل ضماناً استراتيجياً طويل الأمد لتفوق إسرائيل النوعي في السماء. ومن هنا، فإن تدمير هذا العدد الكبير منها على الأرض، وفق هذا الطرح، لا يعني فقط خسارة مليارات الدولارات من السلاح، بل إلغاء جزء مركزي من العقيدة التي بنت عليها الولايات المتحدة وإسرائيل تفوقهما العسكري في المنطقة. ولهذا يصف ريتر ما حدث بأنه ليس فقط خسارة مادية أو ميدانية، بل ضربة مباشرة لفكرة التفوق نفسه.

وفي معرض تفسيره لما جرى، يشدد ريتر على أن الضربة لم تكن محض صدفة ولا نتيجة “إصابة محظوظة”، بل ثمرة سنوات من جمع الاستخبارات المنهجي والتخطيط والهندسة الدقيقة التي طورتها إيران تحت وطأة العقوبات. ووفق تحليله، فإن العملية اعتمدت على عقيدة هجومية مصممة خصيصاً لهزيمة منظومة الدفاع الجوي الطبقي التي أنفقت عليها إسرائيل والولايات المتحدة عقوداً ومليارات الدولارات. وبذلك، فهو يقدّم نيفاتيم لا كعنوان لضربة واحدة، بل كنموذج على نضج القدرة الإيرانية في اختراق أكثر البيئات تحصيناً وحساسية.

كما يلفت ريتر إلى أن ما جرى في النقب لا يقتصر أثره على الساحة الإسرائيلية وحدها، بل يضرب دفتر الحسابات الأمريكي كله. فبحسب قراءته، كانت واشنطن تبني استراتيجيتها في الشرق الأوسط على افتراضين أساسيين: الأول أن القوة الأمريكية ساحقة إلى حد يستحيل معه تحديها إقليمياً، والثاني أن التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي دائم ومستقر. لكن ما جرى في نيفاتيم، وفق هذا المنظور، أظهر أن هذين الافتراضين يمكن إسقاطهما علناً وفي وقت واحد، وأن بنية الردع التي استندت إليها الولايات المتحدة في المنطقة لم تعد كما كانت. ولهذا يعتبر ريتر أن ما حدث أعاد رسم الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط بالنار والدخان.

ومن أكثر ما يركز عليه ريتر في نصه أن القلق الحقيقي في واشنطن لا يتعلق بنيفاتيم وحدها، بل بما تفتحه من أسئلة على قواعد ومراكز انتشار أمريكية أخرى في المنطقة. فإذا كانت إيران -وفق منطقه- قادرة على الوصول إلى نيفاتيم بهذه الدقة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه داخل غرف القرار الأمريكية هو: ماذا يعني ذلك بالنسبة للعديد والظفرة وإنجيرليك وبقية بنية الانتشار الأمامي الأمريكي؟ ومن هنا يقرأ ريتر الصمت الأمريكي لا بوصفه هدوءاً، بل بوصفه لحظة إدراك مرعبة داخل المؤسسة العسكرية بأن منظومة القواعد الأمريكية نفسها تقع داخل مدى تهديد جديد لم يعد من السهل تجاهله أو احتواؤه بالشعارات.

كما يرى أن البعد الأخطر في هذا التطور هو أنه لم يأتِ من قوة عظمى موازية لواشنطن، بل من إيران التي طورت هذه القدرة بالكامل تحت أشد نظام عقوبات. ولهذا يطرح خلاصة سياسية لافتة مفادها أن العقوبات التي كان يُفترض أن تُضعف إيران صنعت قدرتها على الاكتفاء الذاتي والابتكار العسكري، وأن العزلة لم تكسرها، بل دفعتها إلى بناء قاعدة صلبة أنتجت هذا التحول. وفي هذا المعنى، يتحول نيفاتيم عند ريتر من حادثة عسكرية إلى شهادة على فشل العقيدة الغربية في إخضاع إيران بالعقوبات والحصار والتهديد.

وفي الخلاصة، يقدّم ريتر ما جرى في نيفاتيم على أنه لحظة فاصلة: لحظة سقطت فيها هيبة التفوق الجوي الإسرائيلي، وتزعزعت فيها ثقة واشنطن بمنظومة انتشارها وردعها، وظهر فيها أن إيران لم تعد خصماً يُحاصَر أو يُرَدع بسهولة، بل قوة قادرة على فرض تبدل استراتيجي عميق في معادلات الحرب والردع والسيطرة في الشرق الأوسط. ومن هنا جاءت عبارته المركزية التي تختصر رؤيته كلها: “ما جرى في نيفاتيم هو أحد أكثر الأحداث العسكرية تأثيراً في القرن الحادي والعشرين”؛ لا لأنه دمر أهدافاً فحسب، بل لأنه -بحسب منطقه- أعلن بداية زمن مختلف في الإقليم، لم تعد فيه الوقائع كما كانت قبل شروق الشمس فوق صحراء النقب.

الصهيونية.. أبعادٌ مظلمة وتأثيرٌ على السلام العالمي

عندما ترسُمُ دماءُ العُظماء ملامحَ النصر

الصهيونية واحدة من أكثر الحركات إرهابًا في التاريخ المعاصر، قوة مدمّـرة تؤثر سلبًا على السلام والاستقرار العالميين؛ إذ تستند الصهيونية إلى مجموعة من الأهداف التي تُعتبر شيطانية في طبيعتها، وهذه الأهداف تم توضيحها بطريقة صريحة في “بروتوكولات زعماء صهيون” وأصبحت رمزًا للعديد من المعتقدات المعادية لتبرير العديد من الجرائم البشعة التي تمارسها بحق الشعبَين الفلسطيني واللبناني.

نشأة الصهيونية وأهدافها

نشأة الصهيونية لم تكن معزولة عن السياقات الدولية، بل تفاعلت مع البيئة الاستعمارية التي كانت سائدة آنذاك.

فقد أسهمت القوى الكبرى في دعم المشروع الصهيوني بدرجات متفاوتة، ما أتاح له فرصًا عملية للتحقّق، وانتهى بإقامة دولتهم المزعومة كَيان الاحتلال عام 1948، وهو الحدث الذي شكّل نقطة تحول مفصلية في تاريخ المنطقة.

وتتحدث بروتوكولات زعماء صهيون عن خطط لطموحاتهم في السيطرة على العالم من خلال المؤسّسات المالية والسياسية.

ويروّج مؤيدو هذه النظريات لفكرة أن الصهيونية تسعى إلى زعزعة استقرار المجتمعات عن طريق خلق الفوضى والفتن.

فالتحكم في وسائل الإعلام، والتأثير على الحكومات، واستخدام المال كأدَاة للسيطرة، كلها عناصر تُعتبر من بين الأهداف المعروفة للصهيونية.

تعتبر هذه الأهداف ذات طابع شيطاني؛ لأنها تعتمد على استغلال ضعف الشعوب الأُخرى وتحقيق مصلحة ضيقة على حساب الحقوق الإنسانية.

أثر الحركة الصهيونية على العالم العربي والإسلامي

العواقب المترتبة على الدول العربية هي النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية التي عانت منها المناطق التي شهدت تدخلات صهيونية.

فعلى سبيل المثال، الصراع العربي الإسرائيلي هو نتيجة مباشرة لتلك الأهداف المدمّـرة، حَيثُ تسبب في فقدان العديد من الأرواح وتدمير المجتمعات.

يُعتبر هذا الصراع تجسيدًا للأهداف التي تسعى إلى تفتيت الشعوب وخلق حالة من عدم الاستقرار لم تقتصر تأثيرات الصهيونية على المجال السياسي والعسكري فحسب، بل امتدت لتؤثر في البنية الاجتماعية والثقافية للأماكن التي تواجدت فيها.

في الأراضي الفلسطينية، أَدَّت السياسات الصهيونية إلى نزوح السكان وتفكيك النسيج الاجتماعي التقليدي.

ومن جهة أُخرى، ساهمت الصهيونية في تقديم هُوية يهودية جديدة تستند إلى القومية والدولة بدلًا من الأبعاد الدينية والثقافية التقليدية.

الصهيونية وتطويع سياسات الدول الكبرى لخدمتها

علاوة على تأثيراتها المحلية، لعبت الصهيونية دورًا محوريًّا في تشكيل سياسات القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة والدول الأُورُوبية، تجاه منطقة غرب آسيا.

ويُعتبر التحالف الأمريكي الإسرائيلي، المستند إلى الرؤى الصهيونية، أحد العوامل الرئيسية المؤثرة في المشهد السياسي الإقليمي، حَيثُ تُعتبر الولايات المتحدة من أبرز الداعمين لكَيان الاحتلال على الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية، مما أَدَّى في أحيان كثيرة إلى توترات مع العالم العربي والإسلامي وهذا ما يشهده العالم العربي والإسلامي اليوم.

وتحتاج الأُمَّــة العربية والإسلامية بل والعالم إلى وعي أكبر حول الأهداف الحقيقية للصهيونية.

ويجب أن ندرك أن هذه الأهداف ليست مُجَـرّد قضايا سياسية، بل هي عقبات أمام السلام والعدالة.

من الضروري أن تلتزم المجتمعات العالمية بالعمل؛ مِن أجلِ إنهاء هذه اللعنة، والتركيز على بناء عالم يسوده الاحترام المتبادل والتعاون بين جميع الشعوب، بعيدًا عن الفتن والحروب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. شعفل علي عمير

سجل الإخفاق الأمريكي في مواجهة الشعوب

في الوقت الذي يواصل فيه قادة أمريكا إطلاقَ التصريحات المتعجرفة والتفاخر بما يسمونه «إنجازات» عسكرية، تتكشف الحقائق على الأرض لتؤكّـد أن السياسة الأمريكية القائمة على العدوان والاغتيالات والحصار لم تحقّق الأهداف التي أعلنتها واشنطن.

ويبرز في هذا السياق ترامب الذي اعتاد في خطاباته الاستعراضية التباهي بفرض ما سماه «الضغط الأقصى» على إيران، والتفاخر باغتيال القائد قاسم سليماني، وكأن قتل القادة وتدمير البلدان يمكن أن يتحول إلى إنجاز سياسي.

غير أن ما تحاول واشنطن تصويره نصرًا، يكشف في حقيقته عن عقلية الهيمنة والاستكبار التي تحكم السياسات الأمريكية.

فقد أعلنت الإدارة الأمريكية أهدافها بوضوح: إخضاع إيران، وإجبارها على التخلي عن قدراتها العسكرية والتكنولوجية، وكسر حضورها وتأثيرها في المنطقة.

لكن السنوات الماضية أثبتت أن هذه الأهداف لم تتحقّق، وأن سياسة التهديد والاغتيالات لم تزد شعوب المنطقة إلا تمسكًا بخياراتها في مواجهة الهيمنة.

لقد أرادت واشنطن أن تقدم اغتيال القادة بوصفه ضربة قاصمة للمشاريع التي يحملونها، غير أن التجربة أثبتت أن دماء القادة لا توقف المسيرة، بل تزيدها حضورًا وتأثيرًا.

فالمشروع الذي ظنت أمريكا أنها ستنهيه بقرار اغتيال، وجد طريقَه إلى مزيد من التماسك والامتداد.

وإذا كان هذا هو حالُ المواجهة مع إيران، فإن التاريخ القريب يقدم شواهد كثيرة على الفشل الأمريكي في المنطقة.

ففي العراق شنّت أمريكا حربًا مدمّـرة تحت ذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل، لكنها لم تجد تلك الأسلحة، وانتهى بها الأمر إلى انسحاب مذل بعد سنوات من الاحتلال والدمار.

وفي أفغانستان خاضت واشنطن أطول حرب في تاريخها الحديث، لكنها خرجت بعد عقدين من الزمن تاركة وراءها مشهد الانسحاب الفوضوي الذي شكّل اعترافا عمليًّا بفشل مشروعها العسكري والسياسي.

أما في ليبيا فقد شاركت الولايات المتحدة في تدمير الدولة وإغراق البلاد في الفوضى، فيما استمرت تدخلاتها العسكرية في سوريا وعمليات القصف في اليمن دون أن تحقّق الاستقرار الذي تزعم السعي إليه.

إن ما تتفاخر به واشنطن في خطاباتها ليس سوى سجل طويل من العدوان على الشعوب ونهب ثرواتها ومحاولة إخضاع إرادتها.

غير أن التجربة أثبتت أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع أن تكسر إرادَة الشعوب الحرة.

ومن إيران إلى العراق وأفغانستان، تتكرّر الحقيقة ذاتها: أمريكا قد تشعل الحروب وتقتل القادة وتدمّـر البلدان، لكنها في نهاية المطاف تغادر محمّلة بعار العدوان ووصمة الفشل، بينما تبقى الشعوب صامدة متمسكة بحقها في الحرية والاستقلال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالله عبدالعزيز الحمران