شهدت الساعات الماضية في الشرق اليمني، “انقلاب عسكري سعودي مكتمل الأركان” ضد حليفتها الإمارات التي تمردت عليها وكادت تبلغ زمام السيطرة الكاملة لمحافظات الشرق اليمني(حضرموت والمهرة) الى جانب المناطق الجنوبية التي احكمت قبضتها بالإنتقالي الجنوبي التابع لها والمدعوم عسكريا منها، وذلك بعد أن جردت السعودية ومرتزقتها من السيطرة على تلك المناطق والتي تعتبر الراعية الأول لتحالف العدوان الذي بدأ عام 2015 بذريعة استعادة الشرعية المزعومة.
وشهدت الساعات الماضية واحدة من أخطر لحظات تحالف العدوان على اليمن، بعد أن انقلب من غرفة عمليات واحدة إلى ساحة اقتتال داخلي بين رعاته وأدواته. فمع فجر الثلاثاء، دوّت الانفجارات في ميناء المكلا إثر غارات جوية سعودية مباشرة استهدفت سفينتين إماراتيتين (“غرينلاند” و“سوكوترا”) محمّلتين بالأسلحة والمعدات العسكرية لدعم مرتزقة المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة، في خطوة شكّلت إعلانًا عمليًا بانهيار اتفاق الدفاع المشترك وتحويل العدوان إلى تصفية حسابات مفتوحة بين الرياض وأبوظبي.
ردّ الرياض جاء عبر سلطة المرتزقة التابعة لها، حيث أعلن رشاد العليمي إلغاء اتفاقية الدفاع مع الإمارات، وفرض مهلة 24 ساعة لخروج قواتها من الأراضي اليمنية، إلى جانب حظر جوي وبري شامل على الموانئ والمنافذ، وتكليف مرتزقة ما يسمى “درع الوطن” بالتقدّم شرقًا لتسلّم المعسكرات من مرتزقة الإمارات. وفي اعتراف فاضح بتفكك العدوان، اتهمت الخارجية السعودية أبوظبي بـتهديد الأمن القومي ودعم مليشيات انفصالية عند الحدود، مؤكدة أن أي مساس بأمنها خط أحمر.
في المقابل، انتقلت أبوظبي من الإنكار إلى التحدي العلني؛ إذ اعترفت بإرسال شحنات السلاح ورفضت الانسحاب، وصعّدت سياسيًا وعسكريًا، بينما وقّع أربعة من أعضاء سلطة المرتزقة الموالين لها بيانًا يرفض قرارات العليمي ويصفها بالانفرادية، كاشفين حجم الانقسام والتشظي داخل معسكر العدوان، وأن ما سُمّي “شرعية” لم يكن سوى غطاء هش لصراع النفوذ.
ميدانيًا، اتسعت رقعة الاشتباك شرق البلاد مع غارات سعودية جديدة على رتل إماراتي في وادي خرد قرب الشحر، بالتوازي مع محاولات فاشلة لمرتزقة الإمارات لاختراق مواقع حلف قبائل موالٍ للرياض في غيل بن يمين والديس الشرقية. ومع سقوط قتلى وجرحى من الطرفين، تحوّلت حضرموت إلى مسرح حرب بين أجنحة العدوان على الموانئ والحقول النفطية وممرات التهريب، بينما المدنيون يدفعون الثمن.
وفي مقابل هذا الاقتتال، خرجت حشود حضرمية واسعة تطالب بـطرد القوات الأجنبية وإنهاء الوصاية، مؤكدة أن الاحتلال الإماراتي جلب الفوضى والانتهاكات. وعلى الساحل الغربي، تمدّد الصراع إلى البحر الأحمر مع شروع الرياض في عزل طارق عفاش، ذراع أبوظبي في المخا، تمهيدًا لضرب آخر معاقل النفوذ الإماراتي، مقابل تهديدات مرتزقته باستهداف الملاحة السعودية في ما بات يُعرف بـحرب الموانئ.
في النهاية، أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية إنهاء ما تبقّى من فرق ما سُمّي بمكافحة الإرهاب في اليمن، زاعمة أن القرار جاء «بمحض الإرادة وبالتنسيق مع الشركاء» وضمن «تقييم لمتطلبات المرحلة»، في محاولة مكشوفة لإعادة التموضع تحت ضغط التصعيد الميداني والسياسي.
يأتي ذلك بالتزامن مع إصدار ما يُسمّى مجلس القيادة الرئاسي التابع للرياض قرارًا بطرد القوات الإماراتية فورًا من اليمن وإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك، مع توجيه مباشر لبدء المواجهة ضد أدوات أبوظبي. ونصّ القرار على إلغاء الاتفاقية، وإلزام جميع القوات الإماراتية ومنسوبيها بمغادرة الأراضي اليمنية خلال 24 ساعة، وتكليف فصائل «درع الوطن» بالتحرك لتسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة.
بالمقابل، تخيّم حالة ترقّب ثقيلة على الساحل الغربي لليمن مع انتقال صراع تحالف العدوان من الشرق إلى البحر الأحمر، حيث بدأت السعودية عمليًا عزل طارق صالح تمهيدًا لإخراجه من معادلة النفوذ، في وقت لوّح فيه الأخير بمهاجمة السفن السعودية ردًا على أي استهداف لميناء المخا، أحد أهم مراكز الإمداد والتموضع الإماراتي على الساحل.
ووصفت الفصائل التابعة لطارق عفاش ميناء المخا بأنه «خط أحمر»، مهددةً بالرد عبر استهداف الملاحة السعودية في حال تعرّض الميناء لأي عرقلة أو قصف، في تصعيد يكشف حجم الذعر داخل معسكر أبوظبي مع بدء الرياض ضرب شرايين الإمداد، بعد قصفها ميناء المكلا، بما يعني أن المخا بات الهدف التالي ضمن حرب الموانئ الدائرة بين شريكي العدوان.
وتأتي تهديدات طارق صالح عقب انحيازه العلني للإمارات بتوقيعه بيانًا يرفض قرارات ما يسمى المجلس الرئاسي المتعلقة بإخراج القوات الإماراتية وإعلان الطوارئ والحظر الجوي والبري والبحري، ما جعله في مرمى العزل السعودي. وفي هذا السياق، بدأت الرياض تجفيف الغطاء المحلي عنه، إذ أعلنت قبائل الساحل الغربي في الخوخة والوازعية وموزع وباب المندب تأييدها للموقف السعودي واستعدادها للمواجهة ضد الفصائل الإماراتية.
كما كشف القيادي المؤتمري عصام شريم رفض الفصائل التهامية الاستجابة لضغوط المندوب الإماراتي لإصدار بيانات إسناد، مشيرًا إلى تهديدات بقطع المرتبات، في دليل إضافي على تفكك شبكة الولاءات التي بنتها أبوظبي. وبالتوازي، أعلن حمود المخلافي، قائد فصائل الإصلاح في تعز، دعمه الصريح للسعودية واستعداده لمعركة فاصلة ضد النفوذ الإماراتي، بما يؤكد اتساع رقعة الصدام من الشرق إلى الغرب.
سياسيًا، اتخذت السعودية خطوة حاسمة بتأكيد أن رئيس المجلس الرئاسي وحده المخوّل باتخاذ قرارات الطوارئ، وكشفت نصوصًا من اتفاق الرياض لتكريس هذا التفويض، في مسعى واضح لنزع الشرعية عن الأعضاء الموالين لأبوظبي وشلّ حركتهم. ويعني إعلان الطوارئ عمليًا تعطيل المؤسسات وحصر القرار بيد شخص واحد، تمهيدًا لإعادة هندسة السلطة جنوب اليمن بما يُقصي أدوات الإمارات.
ترقّب الساعات القادمة: المؤشرات الميدانية والسياسية توحي بأن الساعات المقبلة مرشحة لأحد ثلاثة مسارات متداخلة. الأول، تصعيد محدود ومدروس: استمرار الغارات السعودية شرقًا ومحاولات تطويق المخا غربًا لكسر شرايين الإمداد الإماراتية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مع ضغط سياسي لإخراج أبوظبي أو تحجيمها.
الثاني، اتساع الاشتباك: انتقال النار إلى البحر الأحمر عبر تهديد الملاحة واستهداف الموانئ، ما يرفع الكلفة الإقليمية ويفتح الباب أمام أخطاء حسابية سريعة.
الثالث، احتواء تكتيكي مؤقت: وقف نار هش عبر تفاهمات عاجلة لإعادة توزيع النفوذ، دون معالجة جذور الصراع، ما يعني عودة الانفجار لاحقًا.
وأياً يكن المسار، الثابت أن تحالف العدوان يتفكك من الداخل، وأن مرتزقته يتساقطون في صراع الغنائم. وفي صنعاء تُقرأ التطورات بهدوء استراتيجي: ما يجري هو النتيجة الطبيعية لتعارض مصالح الغزاة، وبداية السقوط الكامل لمشروع العدوان. فالأرض التي رفضت الخضوع لسنوات، تلفظ اليوم المحتلين واحدًا تلو الآخر، بينما تتقدم صنعاء بثبات نحو السيادة والنصر.
كل هذه المؤشرات تُظهر أن تحالف العدوان دخل مرحلة الانهيار المكشوف، وأن حرب النفوذ تحولت إلى مواجهة مفتوحة على الموانئ والممرات البحرية. وبين تهديدات طارق عفاش للملاحة، وخطوات الرياض لعزله، تتضح الحقيقة التي أكّدتها صنعاء منذ البداية: لا تحالف إلا على النهب، ولا استقرار إلا بزوال الاحتلال وأدواته. ومع اتساع دائرة الصدام، يقترب الساحل الغربي من اختبار حاسم ستكون كلفته على الغزاة مضاعفة، فيما يظل الشعب اليمني ثابتًا على معادلة السيادة ورفض الوصاية.