في ظلّ انشغالٍ إسرائيلي متصاعد بقراءة المشهد اليمني، تتقدّم صنعاء بثبات نحو ما تصفه بـ «المعركة الكبرى»، مؤكدة أن كل محاولات الترهيب والتهيئة لعدوان جديد لن تغيّر من معادلة الجهوزية الشاملة ولا من قرار الإسناد الثابت لفلسطين. فقد شهدت العاصمة صنعاء وعددًا واسعًا من المحافظات اليمنية مسيرات جماهيرية حاشدة، جاءت استجابة مباشرة لدعوة قائد حركة أنصار الله السيد عبد الملك الحوثي، وتحت شعار «تلبيةً ونصرةً للشعب الفلسطيني… ثابتون وجاهزون للجولة المقبلة»، في رسالة سياسية وعسكرية واضحة الاتجاهات.
المسيرات، التي انطلقت من ميدان السبعين وأكثر من 500 ساحة في 13 محافظة، عكست مستوى التعبئة الشعبية والالتحام الكامل مع خيار المواجهة، حيث صدحت الهتافات المنددة بـ العدوين الإسرائيلي والأمريكي، وأُعلن التضامن الصريح مع إيران ولبنان باعتبارهما في قلب معركة واحدة ضد مشروع الهيمنة الصهيونية في المنطقة. هذا الحراك الشعبي جاء متزامنًا مع كشف الأجهزة الأمنية في صنعاء عن تحركات استخباراتية أمريكية – إسرائيلية داخل اليمن، أسفرت عن إلقاء القبض على خلايا تجسسية، في مؤشر اعتبرته صنعاء دليلاً إضافيًا على وجود نوايا عدوانية مبيّتة.
وبحسب معطيات أمنية، فإن واشنطن وتل أبيب لجأتا إلى أطراف يمنية معادية لصنعاء لمحاولة اختراق المشهد الميداني وجمع معلومات عن القدرات العسكرية لأنصار الله. وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام عبرية، بينها هيئة البث الإسرائيلية، عن مصادر مرتبطة بتلك الأطراف، أن الحركة باشرت استعدادات لوجستية وعسكرية ميدانية تحسبًا لاحتمال استئناف العمليات ضد السفن الأمريكية في البحر الأحمر والبحر العربي، في حال أقدمت واشنطن على شن عدوان مباشر على إيران. وأشارت التقارير إلى نقل مخازن الصواريخ والوسائط المسيّرة من مواقع ثابتة إلى مواقع تشغيل ميدانية، بما يسمح باستخدامها السريع فور صدور قرار التصعيد، إضافة إلى تقييم جاهزية الوحدات البحرية ووحدات الإطلاق بعيدة المدى.
وتزامن هذا القلق الإسرائيلي مع تصعيد في نبرة التهديدات العسكرية، بعد توجيهات صادرة عن رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زمير، إلى ما يُسمّى قيادة العمق بالمصادقة مجددًا على «بنك أهداف» في اليمن، بالتنسيق مع الاستخبارات وسلاح الجو. كما زعمت صحيفة «معاريف» أن إسرائيل تراقب تحركات إيران وحلفائها، مدعية أن طهران تعمل على إعادة تأهيل منشآت في الحديدة ودعم القدرات العسكرية اليمنية، في محاولة لتضخيم المخاوف وتبرير أي مغامرة عسكرية قادمة.
في المقابل، أكّد مصدر عسكري مطّلع في صنعاء أن القوات المسلحة أنهت استعداداتها لكافة السيناريوهات، وأنها لا تتعامل مع التهديدات بمنطق الانتظار أو الرد المؤجل، مشددًا على أن «أي عدوان مباغت سيُواجَه في حينه، وبالوسائل المناسبة، ولو تطلّب الأمر فتح جبهة استنزاف طويلة المدى ضد العدو». وبهذا الموقف، ترسم صنعاء معادلة ردع واضحة، مفادها أن زمن المفاجآت من طرف واحد قد انتهى، وأن أي تصعيد إسرائيلي أو أمريكي سيقابَل بردٍّ مفتوح السقف، في إطار معركة ترى صنعاء أنها وجودية ومتصلة مباشرة بالدفاع عن فلسطين والأمة.
