بعد دحر تحشيدات العدو السعودي من جغرافيا الساحل الغربي، باتت مسرح كرامة تمتد على أكثر من ستة آلاف وخمسمائة كيلومتر مربع؛ فتعالوا نعدها بالاسم من ربوع مقبنة، وشموخ موزع، ووعورة الوازعية، وصولاً إلى حيس والخوخة وجزرها، وانتهاءً بميناء المخا وبوابة المندب في ذباب بوابة يمن الإيمان والحكمة.
مساحة شاسعة تبتلع في جوفها دولاً وخرائط كاملة، تفوق مساحة البحرين بأكثر من ثماني مرات، أراد تحالف العدوان ومرتزقته أن يجعلوها شوكة في خاصرة الوطن، وقاعدة متقدمة لحماية مصالح ثلاثي الشر؛ أمريكا والكيان الصهيوني وأدواتهم الإقليمية كالنظام السعودي والإماراتي، الذين ظنوا أن أموال النفط وأحدث الترسانات الحربية قادرة على كسر إرادة رجال الله وابتلاع سواحلنا وجزرنا.
لكن الميدان نطق بغير ما اشتهى الطغاة؛ فقد تهاوت تلك الأحلام الاستعمارية وسقطت رهانات تمزيق اليمن وتقسيمه تحت أقدام المجاهدين الصادقين في عملية تحرير واسعة لرمال الساحل وسواحله.
فهذا المنجز انتصارٌ لكل حر وشريف في ربوع اليمن، وصفعة مدوية لنظام بني سعود، وضربة قاصمة طالت عمق المصالح الصهيونية.
ونقول للعالم إن ما حصل هناك تدبير إلهي مباشر ومعجزة حية رأيناها بالعين، ولا يمكن تفسيره بخطط عسكرية تقليدية ولا بعبقرية بشرية أبداً.
ومن نحن أصلاً لولا الله؟ والله إننا لا شيء، صفر على الشمال بلا عون القوي العزيز.
تصوروا معي مجاهدين حفاة الأقدام، بسلاحهم الشخصي وإمكانياتهم البسيطة، يقتحمون ألوية مدرعة متكاملة مدعومة بأحدث تغطية جوية في العالم ويشتتون شملها في ساعات؟! هذه آيات قرآنية ومعجزات ربانية.
لقد أثبتت هذه الملاحم أن سيادة اليمن خط أحمر تعمّد بالدم الطاهر، وأن من يتوهم إمكانية اقتطاع شبر من أرضه أو مياهه فإنما يشتري لنفسه هزيمة مذلة وخسراناً مبيناً.
ورسالتنا إلى الجميع مع هذا الفتح العظيم، هي الحذر الشديد من داء الغرور والعجب؛ فالنصر لم يكن بكثرة عتاد ولا بحنكة بشرية مجردة، بل هو فضل وتأييد مطلق من العزيز الجبار.
فنحن بلا عون الله ورعايته لا نساوي شيئاً في موازين القوى المادية، وحين نستشعر هذا الإسناد الإلهي تسقط كل أوهام التعالي.
ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾، وهو تذكير دائم بأن الفاعل الحقيقي في الميدان هو الله الذي ربط على القلوب وسدد الضربات.
وإن استعادة هذه الرقعة الاستراتيجية تضع الجميع أمام اختبار المسؤولية والوفاء للأمانة، بعيداً عن الركون إلى نشوة الانتصار، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.
والمعركة مستمرة، والاستحقاقات القادمة تتطلب مضاعفة شكر النعمة بالاستقامة واليقظة العالية وإعمار الأرض وحماية مكتسبات الشعب، مدركين دوماً أن المعركة مع قوى الاستكبار مستمرة حتى كسر الحصار واستعادة كامل السيادة الوطنية براً وبحراً وجواً، وطرد كل غازٍ دنس تراب اليمن.
