يكشف التقرير الأمريكي نفسه، رغم لغته المليئة بمحاولات التبرير، جانباً بالغ الأهمية من حقيقة المعركة الجوية فوق اليمن: القوات اليمنية لم تكن هدفاً سهلاً كما روّجت واشنطن، بل استطاعت خلال عملية جوية أمريكية معقّدة أن تفاجئ طياري مقاتلات F-16 الأمريكية بكمين دفاع جوي محكم حوّل المهاجم إلى هدف مباشر خلال ثوانٍ معدودة، وأدخل الطيارين في مواجهة حياة أو موت فوق سماء اليمن والبحر الأحمر.
وبحسب تفاصيل الرواية المنشورة في مجلة القوات الجوية والفضائية الأمريكية، فإن العملية وقعت ليلة 27 مارس/آذار 2025 ضمن حملة “Rough Rider” الجوية ضد اليمن، وشاركت فيها قاذفات B-2 Spirit وطائرات أخرى، فيما أُنيط بطائرتين من طراز F-16 Wild Weasel تنفيذ مهمة قمع الدفاعات الجوية (SEAD) تمهيداً لتأمين الضربة. غير أن ما جرى ميدانياً أظهر أن الدفاعات اليمنية لم تكن غائبة عن المشهد، بل كانت تراقب وتنتظر اللحظة المناسبة للرد.
التقرير الأمريكي يقرّ بوضوح أن الطيارين أدركا فجأة، بعد انتهاء الضربة وأثناء الانسحاب، أنهما أصبحا في مرمى صاروخ أرض-جو، وأنهما لم يحصلا إلا على إنذار مبكر محدود جداً لا يتجاوز 15 إلى 20 ثانية، وهي مدة تعكس -عسكرياً- فعالية عالية في الإخفاء والتمويه والتوقيت من جانب الدفاعات اليمنية. والأهم من ذلك أن التقييمات الأمريكية اللاحقة خلصت إلى أن اليمنيين دمجوا بين صواريخ موجّهة بالرادار ومراقبة بصرية وأنظمة كهروبصرية وتحت الحمراء (EO/IR)، بما سمح لهم بتجاوز جزء من قدرات الاستشعار الأمريكية، وهو اعتراف ضمني بأن واشنطن لم تكن تمتلك صورة كاملة عن شبكة الدفاع الجوي اليمنية.
وفي وصف بالغ الدلالة، يقر أحد الطيارين الأمريكيين بأن الصاروخ اليمني مرّ أسفل جناح طائرته مباشرة وبقرب شديد جعله يسمع هديره، بينما مرّ صاروخ آخر قرب مقدمة طائرة زميله بمسافة تُقدّر بأقل من طول الطائرة نفسها. كما يقرّ التقرير بأن الطائرتين تعرضتا خلال دقائق إلى ستة صواريخ في ما يشبه “سامبوش” (كمين صاروخي)، وأن الطيارين اضطرا إلى تنفيذ مناورات دفاعية حادة واستخدام وسائل التشويش والخداع الحراري بشكل مكثف للنجاة.
هذا التطور لم يكن مجرد حادث تكتيكي عابر، بل حمل دلالات أوسع على مستوى إدارة المعركة. فالمجلة الأمريكية نفسها تشير إلى أن العملية أُديرت بهيكل قيادي غير معتاد، بعد نقل إدارة العمليات الجوية ضد اليمن من القيادة الجوية المركزية إلى قيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC)، في خطوة وصفت بأنها مثيرة للجدل حتى داخل الأوساط العسكرية الأمريكية. ويعكس ذلك، في أحد أبعاده، ارتباكاً في المقاربة الأمريكية بين منطق “اصطياد القيادات” ومنطق الحرب الجوية الكلاسيكية التي تتطلب تفكيكاً منهجياً لمنظومات الدفاع والسيطرة.
كما يلفت التقرير إلى أن القوات الأمريكية لم تفهم بالكامل طبيعة شبكة الدفاع الجوي اليمنية، وأنها لم تصل إلى “وضوح بنسبة 100%” حول كيفية بناء اليمنيين لصورتهم القتالية الجوية. وهذا اعتراف مهم، لأنه يعني أن التفوّق التقني الأمريكي لم ينجح في حسم معركة الوعي الميداني، وأن اليمن فرض معادلات اشتباك قائمة على المفاجأة والتكيّف والدمج الذكي للوسائط القتالية.
ورغم أن الجانب الأمريكي قدّم ما جرى بوصفه “نجاة بطولية” لطياريه، فإن القراءة العسكرية المقابلة تكشف أن الحدث يثبت شيئاً أكثر عمقاً: الدفاعات اليمنية نجحت في اختراق الإيقاع العملياتي الأمريكي، وضربت الثقة التكتيكية لطائرات SEAD نفسها، وهي الطائرات التي تُفترض مهمتها الأساسية اصطياد بطاريات الدفاع الجوي لا الوقوع في شراكها. وهذا يعني أن سماء اليمن لم تكن مفتوحة، وأن كلفة أي توغل جوي أمريكي كانت ولا تزال أعلى بكثير مما ترغب واشنطن في إظهاره.
الأخطر بالنسبة للأمريكيين أن الكمين الصاروخي لم يكتفِ بتهديد الطائرتين، بل دفعهما إلى استهلاك وقود حرج خلال مناورات الهروب، ما اضطر القيادة الأمريكية إلى إقحام طائرات التزوّد بالوقود قرب مناطق الخطر لإنقاذ الموقف. وبذلك، لم يقتصر تأثير الدفاع الجوي اليمني على الطائرات المقاتلة فقط، بل امتد إلى إرباك السلسلة اللوجستية الجوية الأمريكية وفرض مخاطر إضافية على طائرات الدعم.
في المحصلة، يكشف هذا التقرير -من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية نفسها- أن اليمن لم يكن مجرد ساحة قصف، بل مسرح مواجهة جوية حقيقية استطاع فيه المقاتل اليمني أن يفرض معادلة ردع ميدانية متطورة نسبياً، وأن يحوّل واحدة من أكثر المهام حساسية في العقيدة الجوية الأمريكية إلى لحظات رعب ونجاة تحت النار. وبينما تحتفي واشنطن بمنح الأوسمة لطياريها، فإن الوقائع التي روتها مجلتها العسكرية تفضح حقيقة أوضح: الكمين اليمني أصاب العمق النفسي والعملياتي للقوة الجوية الأمريكية، وأثبت أن سماء اليمن ليست نزهة للطائرات المعتدية.
