تتجه أزمة الملف النووي الإيراني إلى لحظة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الدبلوماسية مع استعراض القوة، بعدما لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مجددًا بإمكانية استخدام القوة ضد إيران قائلاً إنه “لا يريد” ذلك “لكن في بعض الأحيان قد يكون ضروريًا”، مع إقراره بأنه لم يتخذ قرارًا نهائيًا بعد، وبأن “هناك دائمًا خطرًا حينما يتعلق الأمر بالحرب”. وفي المقابل، ترى طهران أن التهديدات المتكررة ليست سوى سقف ضغط هدفه انتزاع تنازلات تمس الحقوق السيادية والقدرات الدفاعية، بينما تؤكد أن برنامجها النووي سلمي وأن أي اتفاق لا بد أن يقوم على رفع فعلي للعقوبات وضمانات واضحة.
على خط المفاوضات، أنهت الوساطة العُمانية جولة جنيف الأخيرة بإشارة لافتة إلى “تقدم ملحوظ/كبير”، معلنة أن المحادثات ستُستأنف قريبًا بعد تشاور الوفود مع العواصم، وأن مباحثات فنية ستُعقد الأسبوع المقبل في فيينا. وفي السياق نفسه، نقلت تقارير أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وصف المسار بأنه حقق “تقدمًا جيدًا” وأنه دخل في عناصر الاتفاق، مع تأكيد توازي المسار الفني مع السياسي في فيينا. هذه الإشارة التقنية مهمة لأنها تعني—عمليًا—أن طهران قدّمت إطارًا قابلًا للتحقق والتفصيل، وأن المفاوضات لم تعد تدور حول شعارات عامة بل حول بنود قابلة للقياس والتنفيذ.
لكن الصورة على الجانب الأميركي بدت أكثر تذبذبًا. فقد نقلت رويترز عن تقارير أمريكية وجود خيبة أمل لدى مبعوثي البيت الأبيض ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر من جلسة الصباح، قبل أن تعود مصادر أميركية لتصف محادثات جنيف بأنها إيجابية. هذا التناقض، في القراءة الإيرانية، يعكس تعدد مراكز القرار وضغط الحسابات الداخلية، فضلًا عن تأثير “السقف الإسرائيلي” الذي يدفع واشنطن باستمرار نحو شروط قصوى.
وفي المضمون، تتمسك طهران—وفق ما تسرّب من مواقفها—بخطوط حمراء واضحة: “لا تصفير للتخصيب إلى الأبد” و“لا تفكيك للمنشآت” و“لا نقل قسري لمخزون اليورانيوم”، مع استعداد لتدابير فنية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية وخفض المخزون إلى مستويات تخصيب متدنية ضمن ترتيبات تحقق شفافة، مقابل رفع العقوبات بصورة ملموسة. (هذا الاتجاه أكده توصيف مصادر متعددة لمسار “التقدم” والانتقال إلى ملفات تقنية في فيينا). وفي المقابل، تُظهر التغطيات الغربية استمرار الإصرار الأميركي على صيغة تجعل القيود “دائمة/إلى أجل غير مسمى” وتستهدف عمليًا جوهر حق التخصيب، ما يُبقي “عقدة الاتفاق” قائمة رغم تقدم الشكل.
وبالتوازي مع شدّ الحبال التفاوضي، ظهرت مؤشرات ميدانية تعكس انتقال التوتر إلى “مرحلة احتراز” في الساحات الحليفة لواشنطن. فقد أفادت تقارير بأن السفارة الأمريكية في إسرائيل سمحت بمغادرة الموظفين غير الأساسيين وأفراد العائلات، مع دعوة مباشرة للمغادرة “اليوم” بسبب مخاطر أمنية متصاعدة واحتمالات تطور الصراع. وترافق ذلك مع تحذيرات سفر وإجراءات احترازية أوروبية ذكرتها تقارير عدة، في إشارة إلى أن العواصم الغربية تتعامل مع سيناريو التصعيد بوصفه احتمالًا عمليًا لا مجرد “ضغط تفاوضي”.
في الوقت نفسه، تحركت مسقط على خط منع الانفجار. إذ أكدت تغطيات أن وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي توجه إلى واشنطن للقاء نائب الرئيس جيه دي فانس لمناقشة مسار المفاوضات، ضمن مسعى واضح لتفادي انزلاق البيت الأبيض إلى قرار عسكري. وفي واشنطن، تواكب هذه التحرّكات تقارير عن عرض خيارات عسكرية على ترمب، ما يعني أن “الضغط العسكري” ما زال حاضرًا في حسابات الإدارة حتى مع استمرار الدبلوماسية.
اقتصاديًا ولوجستيًا، بدأت ترتدادات التوتر تظهر في حركة الطيران والرحلات، مع تداول تقارير عن إلغاءات وتغييرات في الرحلات المرتبطة بإيران والمنطقة في ظل مخاوف من إغلاق أجواء أو تصعيد مفاجئ—وهي عادةً إحدى أولى الإشارات على انتقال الأزمة من التصريحات إلى حسابات المخاطر اليومية. (تغطي وكالات عدة هذا النمط ضمن سياق “التصعيد الإقليمي” وإجراءات الاحتراز).
على الجانب الإيراني، تأتي الرسائل العسكرية كامتداد لمعادلة “الدبلوماسية تحت الردع”: طهران تقول إنها لا تسعى للحرب لكنها لا تقبل أن تُدفع إلى اتفاق تحت التهديد، وأن أي مغامرة ستقابل بحسابات مؤلمة. هذه المعادلة لا تُطرح كإعلان مواجهة بقدر ما تُطرح كـمنع: منع تحويل القوة إلى أداة ابتزاز على طاولة جنيف، ومنع فرض شروط تتجاوز النووي إلى المنظومات الدفاعية التي تعتبرها إيران جزءًا من أمنها السيادي.
الخلاصة أن المشهد الحالي يجمع ثلاثة مسارات في وقت واحد: تقدم تفاوضي تقني (فيينا) يفتح نافذة اتفاق واقعي، وتصعيد سياسي أمريكي يلوّح بالقوة لرفع سقف الشروط، وهواجس إسرائيلية تدفع باتجاه “قراءة الحرب بوصفها خيارًا قريبًا” وتضغط على واشنطن كي لا تخرج باتفاق لا يلبّي أقصى الطموحات. وبين هذه المسارات، تحاول طهران تثبيت معادلة: اتفاق سريع ممكن إذا كانت النيات جادة ورفع العقوبات قابلًا للقياس، أما “تصفير التخصيب” وجرّ الملف إلى الصواريخ والردع فهما—وفق منطق الدولة—وصفة لتفجير المفاوضات لا لإنقاذها.
