في مشهدٍ ميداني وسياسي يكشف التحول العميق في مسار الحرب، أظهرت التطورات الواردة اليوم أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تعد تكتفي باحتواء العدوان الأمريكي الإسرائيلي، بل انتقلت إلى فرض معادلة ردع شاملة تضرب الكيان الصهيوني في عمقه، وتستنزف الوجود الأمريكي في قواعده الإقليمية، وتعيد رسم الخريطة البحرية والطاقوية في الخليج ومضيق هرمز. ووفق العواجل والبيانات الصادرة، فقد واصل حرس الثورة الإسلامية تنفيذ موجات متلاحقة من عملية “الوعد الصادق 4”، حيث أعلن استكمال الموجة 66 بنجاح، مستهدفاً القدس الغربية وحيفا وقاعدة الظفرة الأمريكية بمنظومات “قادر” و”خرمشهر” و”خيبر شكن” و”قيام” و”ذو الفقار”، قبل أن يتبعها بإطلاق الموجة 67 ضد أهداف في الأراضي المحتلة وعدد من القواعد والمصالح الأمريكية، ثم الإعلان عن الموجة 68 التي قيل إنها جسّدت مزيجاً متكاملاً من القوة البحرية والجوية واستهدفت 25 موقعاً في حيفا و”تل أبيب”، إلى جانب ضربات واسعة على القواعد الأمريكية في المنطقة.
وبحسب ما أوردته البيانات الإيرانية، فإن هذه الموجات لم تكن مجرد ردود نارية متفرقة، بل جاءت ضمن بنية عملياتية متصاعدة اعتمدت على الصواريخ الثقيلة متعددة الرؤوس الحربية والطائرات المسيّرة التدميرية، واستهدفت مراكز الأقمار الصناعية والرادارات وأنظمة الدفاع التابعة للكيان الصهيوني، فضلاً عن قواعد أمريكية بينها الظفرة، وقاعدة “الحد”، ومناطق الدعم في “الشيخ عيسى”، حيث أعلن الحرس تدمير أجزاء من منظومات “باتريوت” وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية الخلفية الداعمة للقواعد الجوية الأمريكية. وفي الوقت ذاته، أكد الجيش الإيراني تنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة على مواقع تزويد الطائرات الصهيونية بالوقود في مطار “بن غوريون”، إضافة إلى استهداف مقر القناة 13 ووزارة أمن الكيان، بينما أشارت وسائل إعلام العدو إلى تجدد صفارات الإنذار في مطار بن غوريون وضواحي “تل أبيب” الجنوبية ومناطق الوسط والجنوب، مع الحديث عن إصابات وتضرر مبانٍ واندلاع حرائق في “رحوفوت” ومناطق أخرى.
وتعكس كثافة الرمايات الإيرانية، وفق المعطيات الواردة من إعلام العدو نفسه، أن الاحتلال بات يواجه حالة إنهاك دفاعي متفاقمة، إذ أُقرّ بأن 70% من الصواريخ الإيرانية الأخيرة تحمل رؤوساً انشطارية، وأن ثماني موجات صاروخية على الأقل استهدفت الكيان منذ الصباح، تركزت غالبيتها على منطقة الوسط. كما نقلت هآرتس أن القصف الإيراني ألحق أضراراً بـ 9 آلاف مبنى و3 آلاف سيارة، وتسبب بمقتل وإصابة أكثر من 4 آلاف إسرائيلي، فيما أقرت شركة “بازان” المشغلة لمصافي حيفا بتضرر البنى التحتية وأن الإصلاح سيستغرق عدة أيام، وهو ما يكشف أن الضربات الإيرانية لم تعد رمزية بل باتت تضرب الاقتصاد واللوجستيات والبنية التحتية الحيوية للعدو في العمق.
وفي البعد البحري والاستراتيجي، بدا مضيق هرمز العنوان الأبرز لمرحلة جديدة من الحرب. فقد أعلن حرس الثورة الإسلامية أن أوامر صدرت من القائد الأعلى للقوات المسلحة بإغلاق مضيق هرمز بالكامل أمام القوات الأمريكية والصهيونية وحلفائهم، مع توجيه السفن في الخليج ومضيق هرمز وبحر عُمان إلى الإبلاغ عن أي “نشاط مشبوه”. وتزامن ذلك مع معطى بالغ الدلالة نقلته رويترز يفيد بأن أي ناقلات محملة بالنفط الخام لم تعبر مضيق هرمز خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، ما يعني أن إيران حوّلت المضيق من ورقة ضغط إلى واقع ميداني جديد. وقد انعكس ذلك مباشرة على الأسواق، حيث تحدثت وول ستريت جورنال عن توقعات سعودية بوصول النفط إلى 180 دولاراً للبرميل، بينما ارتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 4 دولارات للغالون، في مؤشر على أن الحرب التي شنتها واشنطن و”تل أبيب” على إيران بدأت ترتد أزمة طاقة عالمية وضغطاً داخلياً على الأمريكيين أنفسهم.
وفي هذا السياق، بدت الولايات المتحدة أكثر ارتباكاً مما تحاول إظهاره. فقد شنّ حرس الثورة الإسلامية هجوماً إعلامياً وسياسياً حاداً على الانسحاب المفاجئ لحاملة الطائرات “جيرالد آر فورد”، معتبراً أن هذا الانسحاب أثبت “زيف القوة للمستكبرين” وكشف الحالة “المأزومة والمذلة” لمشعلي الحرب. وذهبت طهران أبعد من ذلك بالتشكيك في صورة القوة الأمريكية ذاتها، متسائلة كيف تخشى حاملة بقيمة 13 مليار دولار من زوارق سريعة محدودة الإمكانات وتتجنب عبور باب المندب، فيما لم يُخفِ ترامب امتعاضه من حلفائه، مهاجماً الناتو علناً بسبب رفضه الانضمام إلى المعركة ضد إيران، وواصفاً إياه بأنه “قوة جوفاء” من دون الولايات المتحدة، ومتهماً أعضاءه بالجبن لرفضهم المشاركة في مناورة مضيق هرمز.
وعلى المستوى السياسي الدولي، تتكاثر المؤشرات على أن الرواية الأمريكية الإسرائيلية تواجه تشققات متزايدة. فقد طالبت الخارجية الروسية الولايات المتحدة و”إسرائيل” بوقف “المغامرة العسكرية” ضد إيران فوراً، ثم عادت لاحقاً لتؤكد أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي يسكب الزيت على نار حرب أشعلها في الشرق الأوسط بما يهدد بتوسيعها. كما دعت الصين إلى وقف العمليات العسكرية سريعاً، محذرة من تأثير الصراع المباشر على الطاقة والتمويل والتجارة والشحن الدولي. وخرج الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا رافضاً النهج الأمريكي في السياسة الخارجية ومطالباً باحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها. وفي المقابل، انتقدت الخارجية الإيرانية الاجتماع التشاوري في الرياض لأنه تبنى الرواية الأمريكية وقفز على حقيقة أن الأصل في الأزمة هو مجيء الأمريكي من أطراف الأرض لشن هجوم غادر وظالم على دولة إسلامية محورية في المنطقة، مناشدة الدول الخليجية أن تحتذي بموقف عُمان، التي وصف وزير خارجيتها الحرب بأنها “غير قانونية” ودعا أصدقاء واشنطن إلى مساعدتها على الخروج منها.
وفي الداخل الإيراني، تواصلت حرب التطهير الأمني بالتوازي مع الحرب الخارجية، إذ أعلنت الأجهزة الأمنية إلقاء القبض على 45 جاسوساً في أذربيجان الغربية وقزوين، في امتداد لمسار تفكيك شبكات الاختراق التي تنشط لصالح الكيان الصهيوني والولايات المتحدة. كما حملت الساعات الأخيرة خسارات مؤلمة في صفوف القيادة الإيرانية مع الإعلان عن استشهاد المتحدث باسم حرس الثورة الإسلامية العميد علي محمد نائيني، بعد ساعات من توجيه السيد مجتبى خامنئي برقية تعزية إلى الرئيس بزشكيان إثر استشهاد وزير الاستخبارات، مؤكداً أن “الفراغ يجب أن يعوّض بمضاعفة الجهود”، وأنه “يجب أن يُسلب الأمن من أعدائنا في الداخل والخارج ويُمنح لعموم الشعب الإيراني”. وردّ حرس الثورة على اغتيال نائيني بالتأكيد أن العدو “لن يستطيع إسكات صوت الحرس”، وأن استهداف رواة الحق لن يمكّن المعتدين من إخفاء هزائمهم عن أنظار العالم.
أما على جبهة المقاومة، فقد واصل حزب الله تثبيت معادلة الاستنزاف الثقيل شمال فلسطين المحتلة. ووفق العواجل، أقرّ إعلام العدو بوقوع إصابات في صفوف القوات الإسرائيلية في مواجهات مع مقاتلي الحزب، وبـ عودة مئات العناصر من قوة الرضوان إلى جنوب نهر الليطاني، ونجاح حزب الله في إعادة تأهيل منظوماته الصاروخية والمسيّرة رغم مئات الضربات وعمليات الاغتيال. كما تحدث إعلام العدو عن مقتل جنديين من سلاح الهندسة وإصابة آخرين في هجمات منسقة نفذتها خلايا مضادة للدروع بالتعاون مع وحدات الصواريخ والهاون. وفي المقابل، توالت بيانات الحزب معلنة استهداف يفتاح، شوميرا، كريات شمونة، ثكنة يعرا، ثكنة متات، راموت نفتالي، حانيتا، برانيت، زرعيت، شلومي، قاعدة فيلون، قاعدة محفاه ألون، نهاريا، وأفيفيم، إلى جانب تدمير دبابة ميركافا في بيدر الفقعاني، وإسقاط محلقة للعدو فوق برعشيت، والاشتباك المباشر مع قوة حاولت التسلل بين علما الشعب والضهيرة. هذه الوقائع تظهر أن الجبهة اللبنانية لا تزال تفرض نفسها كرافعة استنزاف حقيقية للعدو، وتُبقي شمال الكيان تحت نار دائمة ومفتوحة.
وفي العراق، أعلنت سرايا أولياء الدم تنفيذ 3 عمليات نوعية استهدفت القواعد الأمريكية خلال أربع وعشرين ساعة، ثم أكد ناطقها العسكري أن المقاومة نفذت خلال 20 يوماً قصفاً ناجحاً ودقيقاً لمواقع قوات الناتو في قاعدة فكتوريا قرب مطار بغداد الدولي، معتبراً أن انسحاب قوات الناتو اليوم من العراق جاء بفعل قوة الضربات، متعهداً باستمرار العمليات حتى مغادرة آخر جندي أجنبي. ويعني ذلك أن الحرب لم تعد محصورة بين إيران والعدو الأمريكي الصهيوني، بل باتت تتفاعل على امتداد محور مقاومة مترابط يشتبك مع الوجود الأمريكي والإسرائيلي في أكثر من ساحة.
وفي رسالته بمناسبة عيد الفطر والنيروز، قدم السيد مجتبى خامنئي قراءة واثقة ومشددة لمسار المعركة، مهنئاً أبناء الأمة بما تحقق من انتصارات ضد الأعداء، ومؤكداً أن الشعب الإيراني خاض في العام الماضي ثلاث حروب عسكرية وأمنية ضد أمريكا والكيان الإسرائيلي، وأنه أقام خطاً دفاعياً واسعاً وجّه ضربة للعدو، وأن خط الجبهة في إيران أقوى بكثير مما يظنه الأعداء. كما شدد على أن العدو كان يظن أن الشعب سيسقط النظام في يوم أو يومين، لكن التماسك ازداد صلابة، محذراً من حملات العدو الإعلامية الخبيثة، ورافضاً محاولات الفتنة بين إيران وجيرانها، خصوصاً ما يتعلق بالحوادث التي وقعت في تركيا وعُمان، والتي وصفها بأنها حيلة من العدو الصهيوني. وفي المقابل، وجّه رسائل انفتاح إقليمي واضحة، مؤكداً أهمية الجوار الشرقي، ومكانة باكستان، واستعداده لبذل الجهد في تحسين العلاقات بين باكستان وأفغانستان.
وخلاصة المشهد أن إيران ومحور المقاومة يدفعان الحرب إلى مرحلة إنهاك استراتيجي متكامل: الكيان الصهيوني تحت القصف المستمر في العمق، القواعد الأمريكية تحت الضرب والاستنزاف، هرمز مغلق أمام واشنطن وحلفائها، حاملة أمريكية تنسحب مذعورة، والناتو يرفض الغرق في المستنقع، والأسواق العالمية تدفع الثمن. وفي المقابل، تبدو واشنطن و”تل أبيب” أكثر اقتراباً من مأزق طويل ومفتوح، حيث تتراكم الخسائر العسكرية والسياسية والاقتصادية، بينما يزداد وضوح حقيقة أن الحرب التي بدأت على أمل كسر إيران تتحول شيئاً فشيئاً إلى حرب تكشف هشاشة خصومها وتفكك سرديتهم وتراجع قدرتهم على فرض الحسم.
