تكشف آخر المستجدات الواردة في المستند أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران دخل مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً، لكن من دون أن يحقق الأهداف التي بدأ بها. فبدلاً من فرض الهيمنة الجوية وكسر البنية الدفاعية الإيرانية، تظهر التطورات الميدانية اتساع دائرة الرد الإيراني، وتحوّل الحرب إلى معركة استنزاف مفتوحة تضرب العمق الإسرائيلي، وتربك القواعد الأمريكية في الخليج، وتدفع المعركة نحو الممرات البحرية وقطاع الطاقة والبنية الصناعية في المنطقة.
في الساعات الأحدث، برز التصعيد الإيراني على نحو واضح في شمال ووسط فلسطين المحتلة، حيث تحدثت المعطيات عن إطلاق موجات صاروخية متتالية برؤوس انشطارية باتجاه حيفا ويافا المحتلة ومحيط تل أبيب، مع سقوط رؤوس متفجرة وشظايا في عشرات المواقع، ووقوع إصابات مباشرة في المباني والمركبات، واستمرار البحث عن مفقودين تحت أنقاض مبنى أصيب في حيفا. كما وردت تقارير عن إصابات خطرة، وحرائق في مواقع مختلفة، وتضرر عدد من المباني، بما يعكس فشل المنظومات الإسرائيلية في منع الصواريخ الإيرانية من بلوغ أهداف حساسة داخل العمق المحتل.
وتشير المستجدات نفسها إلى أن حيفا تحولت إلى واحدة من أبرز ساحات الضغط الناري، مع استهدافات متكررة طالت مناطق مأهولة ومحيط منشآت حيوية، فيما تحدثت تقارير أخرى عن استهداف مجمع نئوت حوفاف الصناعي في النقب، إلى جانب ضربات طالت محيط ديمونا وقطاعات البتروكيماويات والطاقة في الجنوب المحتل. ووفق هذا المسار، يبدو أن إيران لم تعد تحصر ردها في الأهداف العسكرية الصرفة، بل تسعى إلى ضرب ما يغذي المجهود الحربي الإسرائيلي من وقود وصناعة وطاقة واتصالات، في مقابل العدوان على البنية التحتية المدنية والصناعية داخل إيران.
وعلى الضفة المقابلة، تبرز موجات “الوعد الصادق 4” بوصفها الإطار العملياتي الأوسع للرد الإيراني. فالمعطيات الواردة تتحدث عن الموجة 96 ثم الموجة 97، مع استهداف منشآت طاقة وبتروكيماويات ومواقع أمريكية وإسرائيلية في الخليج والدول المطلة عليه، بما في ذلك منشآت غاز أمريكية في حبشان بالإمارات، ومجمعات بتروكيماوية في الرويس والبحرين والكويت، إضافة إلى استهدافات قرب قواعد عسكرية أمريكية، ومواقع مرتبطة بالقوات الأمريكية في بوبيان والبحرين. ويعني ذلك أن إيران نقلت المعركة من مجرد رد صاروخي على الداخل الإسرائيلي إلى استراتيجية ضرب الدعامات الإقليمية للعدوان، عسكرياً واقتصادياً ولوجستياً.
ومن أكثر محاور التطور حساسية ما يتعلق بمضيق هرمز، إذ تُظهر المستجدات أن طهران تمضي في تكريس معادلة سيادة جديدة على المضيق، لا بوصفه مجرد ممر مائي بل كورقة ردع استراتيجية. فقد جرت لقاءات ومشاورات إيرانية عمانية للبحث في العبور الآمن، مع تأكيد إيراني رسمي على الدور الحصري لطهران ومسقط باعتبارهما الدولتين الساحليتين على المضيق. كما وردت معطيات عن عبور سفن بعد الحصول على إذن من إيران، إلى جانب بحث مشاريع قوانين داخل مجلس الشورى الإيراني لفرض السيادة القانونية والإدارية على المضيق، بالتوازي مع رفض إيراني لاقتراح فتح هرمز مقابل وقف مؤقت لإطلاق النار. وبهذا، لم يعد المضيق مجرد ورقة ضغط مؤقتة، بل بات عنواناً لمعادلة جديدة تريد إيران تثبيتها بالقوة والقانون معاً.
في الميدان الجوي، تعكس الوثيقة اتساعاً في الخطاب الإيراني حول فشل محاولات الإنقاذ الأمريكية جنوب أصفهان، حيث جرى الحديث عن إسقاط أو إصابة طائرات ومروحيات أمريكية من طراز C-130 وبلاك هوك خلال محاولة لإنقاذ طيار أمريكي، مع تأكيد إيراني على أن القوات المسلحة أحبطت العملية وحاصرت القوة المتوغلة، قبل أن يلجأ العدو إلى قصف معداته وضباطه وجنوده لمنع الفضيحة. وبغض النظر عن الطابع الدعائي لهذا الخطاب، فإن حضوره الكثيف في المستند يعكس ثقة إيرانية متزايدة بأن الحرب لم تعد حرب تفوق جوي أمريكي، بل ساحة يمكن فيها كسر هيبة القوة الجوية والإنزال والإنقاذ.
أما على الجبهة اللبنانية، فتُظهر المستجدات أن حزب الله ما يزال لاعباً أساسياً في المعركة، لا مجرد جبهة إسناد ثانوية. فخلال الساعات نفسها، أعلن الحزب استهداف ميرون ونهاريا والمطلة وكتسرين وصفد ومعالوت ترشيحا ومواقع وتجمعات إسرائيلية في عيناتا والمالكية ومركبا، بالصواريخ والمسيّرات الانقضاضية، بينما وردت تسريبات من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بأن القيادة الشمالية فوجئت بسرعة تعافي حزب الله، وبوجود فجوة استخباراتية في تقدير قدراته، وبأن الحديث لم يعد يدور حول تفكيكه بل عن مجرد السيطرة والتموضع وإزالة التهديد. كما جاءت غارات الاحتلال على الضاحية الجنوبية والجناح وكفررمان في سياق محاولة التعويض بالقصف على المدنيين بعد تعثر الأهداف العسكرية.
ويتكامل هذا المسار مع دخول فصائل المقاومة الأخرى على الخط السياسي والعسكري. فقد أكدت سرايا القدس وأبو عبيدة أن الضربات الإيرانية واللبنانية واليمنية والعراقية تمثل امتداداً لجبهة واحدة، وأن العدوان الأمريكي الإسرائيلي لن يحقق أهدافه، فيما جرى توجيه تحية واضحة إلى أنصار الله على تجديد نصرتهم لفلسطين ومواصلة الإسناد في سياق الحرب الإقليمية المفتوحة. وهذا يرسخ في المستند صورة وحدة ساحات تتجاوز الجبهات التقليدية، وتجعل أي هجوم على إيران جزءاً من اشتباك أوسع مع محور كامل، لا مع دولة منفردة.
في الداخل الإيراني، تعكس الأرقام المرفقة اتساع الأذى المدني الناتج عن العدوان، مع الحديث عن استهداف جامعة شريف للتكنولوجيا، وسقوط 13 شهيداً في بهارستان، وإخلاء 8 مستشفيات في طهران، وتضرر عشرات المراكز الصحية وسيارات الإسعاف، فضلاً عن إعلان وزارة التربية الإيرانية استشهاد 245 تلميذاً و58 معلماً منذ بداية العدوان. وقد استخدم الإيرانيون هذه الوقائع لتوصيف الهجمات بأنها جرائم حرب، وربطوا بينها وبين تهديدات ترامب باستهداف محطات الكهرباء والجسور والطاقة، وهي التهديدات التي وصفتها جهات حقوقية دولية، وفق المستند، بأنها مقززة وترقى إلى موجة محتملة من جرائم الحرب.
اقتصادياً، يقدم المستند صورة موازية عن اتساع كلفة الحرب خارج الميدان المباشر. فالحرب، بحسب ما نُقل عن CBS، ضربت جيوب الأمريكيين عبر ارتفاع البنزين وتكاليف السفر وفوائد الرهن العقاري. كما تشير المعطيات إلى قفز أسعار النفط، وإلى أن المشترين الفعليين في آسيا وأوروبا يدفعون أكثر بكثير من الأسعار المعلنة في الشاشات، فيما تتحدث مسودة “أوبك+” عن أن استعادة أصول الطاقة المتضررة ستستغرق وقتاً طويلاً، وتقول بلومبرغ إن الحرب قوّضت الثقة في دور الولايات المتحدة كحامية للممرات البحرية. وهذا يعني أن العدوان لم يعد محصوراً في الخسائر العسكرية، بل بات يضغط على أسواق الطاقة والتجارة والنقل والائتمان، ويحوّل الحرب إلى عبء طويل الأمد على الاقتصاد العالمي وعلى الداخل الأمريكي نفسه.
وفي الخلاصة العسكرية، فإن المستند يرسم مشهداً واضحاً: العدوان الأمريكي الإسرائيلي لم ينجح في إخضاع إيران، بل فتح على نفسه حرباً متعددة المستويات. إيران تضرب العمق الإسرائيلي وتدير هرمز وتهاجم المصالح الأمريكية في الخليج، حزب الله يواصل استنزاف الشمال المحتل، والقواعد الأمريكية لم تعد تتصرف كأنها في مأمن، فيما تتحول منشآت الطاقة والصناعة والموانئ إلى أهداف ضمن بنك الرد. وبدلاً من صورة الحسم الخاطف، يتشكل أمامنا مشهد حرب طويلة، تتآكل فيها هيبة الردع الأمريكية والإسرائيلية تحت ضغط الصواريخ، وتتعاظم فيها كلفة الميدان والاقتصاد والوقت.
