تشير آخر المستجدات الميدانية إلى أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران دخل طوراً أكثر اتساعاً وخطورة، لكن على نحوٍ يفضح تعثر أهدافه الأصلية. فبدلاً من فرض كسر سريع لإيران أو تفكيك جبهات الإسناد، تكشف الوقائع عن تصاعد الضربات الإيرانية على العمق الإسرائيلي، واتساع الاستهداف إلى القواعد والمصالح الأمريكية في الخليج، وتزايد الإرباك داخل القيادة العسكرية الإسرائيلية نفسها. وفي الساعات الأخيرة، أقرت وسائل إعلام العدو بإصابة أكثر من 50 موقعاً في مناطق مختلفة خلال 24 ساعة فقط، فيما أعلنت طهران تدمير 168 طائرة مسيّرة للعدو منذ بدء العدوان، بما يعكس حجم الاستنزاف الذي يضرب البنية العملياتية للمعسكر الأمريكي الإسرائيلي.
وفي قلب المشهد العسكري، واصل الجانب الإيراني توسيع بنك الأهداف داخل فلسطين المحتلة، حيث أعلن مقر خاتم الأنبياء استهداف يافا وحيفا ومراكز استراتيجية في حيفا، ومصانع كيميائية في بئر السبع، ومواقع عسكرية في “بتاح تكفا” ضمن الموجة 98 من عملية “الوعد الصادق 4”، فيما أكدت قيادة القوة الجوفضائية في الحرس الثوري أن الصواريخ الإيرانية “حرثت” مصفاة خليج حيفا ومحطات توليد الطاقة والموانئ والسكك الحديدية خلال الساعات الماضية، مع تأكيد أن العدو لم ينجح في اعتراض أي صاروخ وفق هذه الرواية. وفي الميدان ذاته، تحدث إعلام العدو عن سقوط صواريخ وشظايا وذخائر عنقودية في بني براك ورمات هشارون ووسط إسرائيل، وعن انهيار مبنى في بتاح تكفا، ما يؤكد أن الضربات لم تعد رمزية أو متقطعة، بل تحولت إلى ضغط ناري مباشر على العمقين السكاني والصناعي للكيان.
وفي الجبهة الشمالية، يتكشف مزيد من مظاهر الإنهاك الإسرائيلي. فالتسريبات المنقولة عن قائد المنطقة الشمالية تؤكد أن حزب الله أقوى مما قُدّر له سابقاً، ولا يمكن تفكيكه بالوسائل العسكرية، فيما تحدثت القناة 12 عن توتر وغضب بين رئيس الوزراء ورئيس الأركان على خلفية الجدل بشأن نزع سلاح حزب الله كهدف للحرب. ميدانياً، واصل الحزب هجماته الكثيفة على شلومي، المالكية، مارون الراس، عيناتا، هونين، المرج، مركبا، الطيبة، كريات شمونة، المطلة، نهاريا، شوميرا، كرميئيل، وإيفن مناحيم، عبر الصواريخ والمسيّرات الانقضاضية وحتى صواريخ أرض–جو التي أجبرت مروحيات وطائرات معادية على التراجع، بينما أقر العدو بإطلاق 40 صاروخاً من لبنان منذ الصباح وبوقوع إصابات وأضرار وحرائق في نهاريا وغيرها. هذا المشهد دفع حتى بعض الأصوات الإسرائيلية إلى الإقرار بأن “المدينة ماتت” في كريات شمونة، وأن الحديث عن هزيمة حزب الله لم يكن سوى كذبة ميدانية وسياسية.
أما على مستوى القواعد الأمريكية والمصالح الإقليمية، فتظهر التطورات أن إيران لم تعد تحصر ردها داخل الجغرافيا الإيرانية أو داخل فلسطين المحتلة، بل تنقل المعركة إلى ممرات الإمداد والدعم والارتكاز الأمريكي. فقد تحدثت المعطيات عن استهداف العديري، علي السالم، أحمد الجابر، جبل علي، ومركز إنتاج المسيّرات المشترك في الإمارات، إلى جانب استهداف مجمعات البتروكيماويات الأمريكية في الجبيل والجعيمة، ومركز صيانة البحرية الأمريكية في ميناء جبل علي، وأنظمة الرادار ومباني إقامة القوات الأمريكية في قاعدة أحمد الجابر بالكويت. كما أشارت CBS إلى إصابة 15 أمريكياً في ضربة بطائرة مسيّرة على قاعدة علي السالم، فيما أكدت المقاومة الإسلامية في العراق تنفيذ 11 عملية بعشرات المسيّرات على قواعد الاحتلال الأمريكي في العراق والمنطقة. وبالتوازي مع ذلك، تتجه إيران إلى تشديد معادلة السيطرة على مضيق هرمز، مع حديث رسمي عن عدم السماح للسفن المعادية بالمرور، وفرض إدارة إيرانية للملاحة بالتنسيق مع سلطنة عمان، بما يعني أن الحرب لم تعد فقط صراع صواريخ، بل صراع سيادة على البحر والطاقة والممرات الاستراتيجية.
وفي مقابل هذا التصاعد العسكري، يزداد الثمن السياسي والاقتصادي على معسكر العدوان. فمديرة صندوق النقد الدولي حذرت من أن حرب الشرق الأوسط سترفع التضخم وتبطئ النمو العالمي، بينما تحدثت رويترز عن ارتفاع أسعار الذهب وتداعيات الحرب على تكاليف الطيران والنقل، وأشارت “أتلانتيك” إلى أن حرب ترامب على إيران كشفت نقاط الضعف الاستراتيجية والعسكرية لأمريكا أمام خصومها، لا سيما الصين. كما تتصاعد داخل الولايات المتحدة نفسها موجة انتقاد علنية لترامب، إذ وصفه أعضاء في الكونغرس بأنه غير مؤهل، مختل، ويقود حرباً مدمرة وغير شرعية، بينما اعتبر ممثل إيران في الأمم المتحدة أن تهديدات ترامب تمثل تحريضاً مباشراً على الإرهاب وتهديداً لأسس القانون الدولي. وفي الداخل الإيراني، يقابل هذا العدوان تماسك شعبي وأمني متزايد، مع إعلان أكثر من 14 مليون متطوع الانضمام إلى حملة الفداء عن الوطن، واستمرار تفكيك الشبكات المرتبطة بالعدو في عشرات المحافظات، ما يوحي بأن رهانات الاختراق الداخلي تتكسر بدورها على صخرة التعبئة الإيرانية.
خلاصة المستجدات أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي لم ينجح في فرض معادلة الحسم، بل دفع المنطقة إلى مسرح استنزاف مفتوح تتحكم فيه إيران ومحور المقاومة بوتيرة النار ومسار الرد. تل أبيب وحيفا وبئر السبع تحت الصواريخ، الشمال الإسرائيلي تحت ضغط حزب الله، القواعد الأمريكية في الخليج لم تعد بمنأى عن الضربات، وهرمز يتحول من ممر دولي إلى ساحة سيادة واشتباك. وفي المقابل، تتزايد الخلافات داخل الكيان، وتتسع كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي، فيما تتبدد رواية التفوق الأمريكي الإسرائيلي تحت وطأة الميدان. ما يجري الآن ليس مجرد جولة تصعيد، بل إعادة رسم موازين القوة في المنطقة بالنار والوقت والاستنزاف المتراكم.
