دخلت المفاوضات الإيرانية الأمريكية في إسلام آباد مرحلة أكثر حساسية وتعقيداً، في ظل تمسك طهران بسقف تفاوضي واضح يقوم على حماية مصالح الشعب الإيراني وتثبيت حقوق الجمهورية الإسلامية من دون أي تنازل تحت الضغط أو التهديد. ووفق المعطيات الأخيرة، يقود الفريق الإيراني الرئيسي محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي وعلي باقري، في تشكيل يعكس أن طهران دفعت بوفد ثقيل سياسياً ودبلوماسياً وأمنياً للتعامل مع هذه الجولة باعتبارها معركة سيادة لا مجرد جولة تفاوض تقليدية.
وبحسب ما جرى تداوله من أجواء المباحثات، فإن محادثة مطولة جرت بين قاليباف والوفد الباكستاني، أعقبتها وصول وفود متخصصة لإجراء مشاورات فنية وسياسية، ما يشير إلى انتقال المفاوضات من الإطار العام إلى مستوى أكثر دقة في بحث الملفات الخلافية وآليات التفاهم المحتمل. وفي أول مؤشر على حصول تقدم نسبي، أُعلن أن الولايات المتحدة وافقت على الشرط الأول المتعلق بالإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وهو تطور تنظر إليه طهران باعتباره اختباراً عملياً لحسن النية الأمريكية، لا نهاية للمسار ولا بديلاً عن بقية الشروط الأساسية.
وفي موازاة ذلك، برز الملف اللبناني كأحد أبرز عناوين الاشتباك داخل التفاوض، إذ تشير المعطيات إلى أنه تم التوصل إلى وقف إطلاق النار في بيروت، لكن الخلاف لا يزال قائماً حول جنوب لبنان. وهنا يظهر الإصرار الإيراني بوضوح، إذ يتمسك الوفد الإيراني بضرورة إرساء وقف شامل وثابت لإطلاق النار في جنوب لبنان، انطلاقاً من أن أي تهدئة مجتزأة أو ناقصة لن تكون حلاً حقيقياً، بل مجرد ثغرة يُراد منها منح العدو الإسرائيلي فرصة لإعادة التموضع واستئناف الضغط على جبهات المحور.
ولم يكتفِ الوفد الإيراني بإدارة التفاوض من داخل القاعات، بل أظهر أن الدبلوماسية الإيرانية تتحرك وهي مسنودة بردع عسكري مباشر. ففي تطور بالغ الدلالة، أفادت المعطيات بأن القوات الإيرانية أبلغت وفدها المفاوض بتحرك مدمرة أمريكية من ميناء الفجيرة باتجاه مضيق هرمز، وعلى الفور تم نقل رسالة حاسمة عبر الوسيط الباكستاني إلى الأمريكيين مفادها أن استمرار اقتراب المدمرة من هرمز سيجعلها هدفاً خلال 30 دقيقة. ووفق هذه المعطيات، فإن المدمرة الأمريكية توقفت عن التحرك وعادت من محيط المضيق بعد التحذير الإيراني المباشر، بينما نفت طهران صحة الرواية الأمريكية التي تحدثت عن عبور سفينة أمريكية للمضيق.
هذا التطور البحري أضفى على مفاوضات إسلام آباد معنى أعمق بكثير من مجرد نقاش سياسي، لأنه أثبت أن إيران لا تفاوض من موقع المتلقي للضغوط، بل من موقع من يفرض خطوطه الحمراء ميدانياً وسياسياً في آن واحد. كما أن الخارجية الإيرانية أوضحت أن القوات الإيرانية راقبت المدمرة وأبلغت الوفد الإيراني، الذي نقل الرسالة عبر باكستان للأمريكيين، مع تحذير واضح من أن اقترابها من هرمز لن يعرّضها للضربة فقط، بل سيضر بالمفاوضات نفسها. والأهم من ذلك أن هذا الموقف أكد بما لا يدع مجالاً للشك أن تحكم إيران بمضيق هرمز كان عاملاً رئيسياً في دفع الطرف المقابل إلى طاولة المفاوضات.
وعليه، فإن صورة المفاوضات في إسلام آباد لم تعد مجرد مشهد دبلوماسي تقليدي بين وفدين متقابلين، بل تحولت إلى ساحة اختبار حقيقية لما يمكن وصفه بالدبلوماسية الإيرانية السلطوية، حيث تتقدم طهران إلى الحوار وهي تضع الأموال المجمدة، ووقف النار في لبنان، وحقوقها الإقليمية، وسيادتها على هرمز ضمن حزمة واحدة غير قابلة للتفكيك. وهذه المقاربة تعني أن إيران لا تسمح للأمريكيين بفصل الملفات أو تجزئة التنازلات أو انتزاع مكاسب في البحر بينما يتباطؤون في السياسة.
الرسالة التي خرج بها الوفد الإيراني حتى الآن تبدو شديدة الوضوح: إذا لم تُلبَّ مصالح الشعب الإيراني والجمهورية الإسلامية، فإن طهران مستعدة للانسحاب من الطاولة. لكنها، في المقابل، تُظهر أيضاً أنها قادرة على إدارة معركة تفاوضية معقدة ببرود سياسي، وبصلابة عسكرية، وبقدرة على تحويل أوراق القوة في الميدان إلى شروط حقيقية على طاولة الحوار. ومن هنا، تبدو إسلام آباد اليوم ساحة تتجسد فيها معادلة جديدة: إيران تتفاوض، لكن بيد على الطاولة ويد على الزناد.
