ذات صلة

الأكثر مشاهدة

السعودية تقصف أدواتها المنسحبة.. آليات “العمالقة” تحترق على طريق الفرار من الساحل الغربي

تداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يظهر...

الشكر مع النصر.. حتى لا تتحول النعمة إلى ثغرة

الأخوة المؤمنون المجاهدون في سبيل الله؛ نحن أمة قرآنية...

مأساة سجن الجوف

تتواصل فصول المأساة الإنسانية في اليمن لتسجل الذاكرة الوطنية...

الرياض تبتز العالم بعد هزيمتها في اليمن

خلال الأيام الماضية تبنت القنوات العربية المتصهينة رواية النظام...

هرمز بين النار والتفاوض.. واشنطن تُقوّض الهدنة وطهران ترفع الردع وتجمّد المسار السياسي

تتسارع التطورات في ملف مضيق هرمز على نحو يكشف أن المنطقة دخلت مرحلة أشد حساسية، حيث لم يعد التوتر قائماً فقط بين الضغط العسكري الأمريكي والردع الإيراني، بل بات يمتد إلى أسواق الطاقة العالمية، وحركة الشحن، ومستقبل المسار التفاوضي نفسه. ووفق الأحداث الأخيرة، فإن الساعات الأخيرة شهدت توقفاً شبه كامل أو كلياً في حركة الشحن عبر المضيق، مع عودة سفن حاولت العبور، وانتظار مئات السفن إذناً إيرانياً، في وقت تؤكد فيه طهران أن ما يجري هو نتيجة مباشرة للحصار البحري الأمريكي وخروقات وقف إطلاق النار، لا نتيجة قرار منفصل عن سياق الحرب والتهدئة.

في هذا المشهد، برزت مؤشرات واضحة على أن الحصار البحري الأمريكي لم ينجح في شل الحركة المرتبطة بإيران. فقد أظهرت معطيات نقلتها وسائل إعلام إيرانية ودولية أن ناقلات نفط وسفناً إيرانية خاضعة للعقوبات تمكنت من عبور هرمز والدخول إلى المياه الإيرانية، في تطور قدمته طهران باعتباره كسراً عملياً للحصار المزعوم. وفي المقابل، تحدثت تقارير عن عودة سفن حاولت العبور، وعن مئات السفن التي تنتظر الإذن الإيراني، بما يعكس أن القرار الفعلي في المضيق بات مرتبطاً إلى حد بعيد بالشروط الإيرانية وإدارة القوات المسلحة الإيرانية للممر.

وتربط طهران هذا التطور مباشرةً بملف الهدنة والمفاوضات. فالموقف الإيراني، كما يظهر من التصريحات المتتالية، يقوم على أن الحصار البحري الأمريكي يقوض محادثات السلام، وأن أي حديث عن جولة تفاوض جديدة يفقد معناه ما دامت واشنطن تواصل خرق التفاهمات، وتهدد السفن والموانئ الإيرانية، وتفرض حصاراً بحرياً تحت عناوين مختلفة. وقد شدد مسؤولون إيرانيون على أنه لا برنامج حالياً لجولة محادثات جديدة مع الجانب الأمريكي، وأن واشنطن خانت الدبلوماسية ولم تقدم عرضاً جدياً لرفع العقوبات، كما أن المؤشرات الحالية لا تدل على وجود نية أمريكية حقيقية للمضي في المسار السياسي.

في الوقت نفسه، تكشف التصريحات الإيرانية أن فتح مضيق هرمز لم يكن قراراً فنياً معزولاً، بل جزءاً من تفاهم أوسع شمل وقف إطلاق النار في لبنان. ووفق هذا المنظور، فإن إيران فتحت المضيق على هذا الأساس، لكن استمرار الخروقات الأمريكية والإسرائيلية أعاد الأمور إلى نقطة التأزم، وجعل طهران تعود إلى تقييد العبور وربط أي انفراج بحري بضمانات عملية حقيقية. وهذا ما يفسر تأكيد المسؤولين الإيرانيين أن أمن مضيق هرمز ليس بلا ثمن، وأنه لا يمكن تقييد صادرات النفط الإيرانية وفي الوقت نفسه توقع حماية مجانية لحركة الآخرين.

وتتجاوز تداعيات هذا الملف الإطار السياسي والعسكري المباشر إلى الاقتصاد العالمي. فقد قفزت العقود الآجلة لخام برنت بأكثر من 7% وفق ما ورد، في حين حذرت تقارير غربية من أن الحرب مع إيران وأزمة هرمز تدفعان موجة تضخم قد تستمر حتى بعد انتهاء الصراع. كما أشارت تقارير أخرى إلى أن ارتفاع أسعار النفط الخام ألحق أضراراً بقطاعات متعددة، من بينها الصيادون اليابانيون، بينما تحدثت تحليلات أمريكية عن استمرار أسعار البنزين فوق مستويات مرتفعة لسنوات، وعن قلق داخل إدارة ترامب من التحول المتزايد للحرب إلى عبء اقتصادي وسياسي داخلي.

أما على مستوى الداخل الأمريكي، فتظهر المعطيات أن الخطاب الرسمي لترامب بات يواجه أزمة صدقية متزايدة. فاستطلاعات الرأي المذكورة تشير إلى أن نسبة محدودة فقط من الأمريكيين تصدق ادعاء النصر في إيران، بينما أبدت تقارير أمريكية مخاوف من تحول الحرب إلى كارثة سياسية وعسكرية، خصوصاً مع فشل واشنطن في كسب دعم دولي واسع، وارتفاع أسعار الوقود، وتنامي الاعتراض الشعبي على أي تصعيد إضافي. كما أظهرت كتابات غربية أن التصرفات الأمريكية المتخبطة في هرمز والمفاوضات باتت تُقرأ بوصفها دليلاً على فوضى القرار وارتباك الإدارة أكثر من كونها تعبيراً عن استراتيجية حاسمة.

وفي المقابل، تعمل طهران على تثبيت صورة مختلفة لنفسها: دولة متماسكة، تمسك بالمضيق، وتكسر الحصار، وتحافظ على توازن الردع، وتدير التفاوض من موقع القوة لا الاستجابة. فالتقارير الواردة تشدد على عدم وجود مؤشرات على انهيار النظام الإيراني رغم أسابيع الحرب، وعلى استمرار القيادة في التمسك بزمام الأمور، وعلى خروج احتجاجات داعمة للقيادة، فضلاً عن إعلانات أمنية عن اعتقال جواسيس وعناصر مرتبطة بالموساد وضبط آلاف قطع السلاح وأدوات التجسس. كما رافق ذلك خطاب سياسي يؤكد أن إيران ستستخدم كل قدراتها لصون مصالحها وأمنها القومي، وأنها سترد على أي اعتداء جديد بكل قوة.

وفي أخطر تطور ميداني، تحدثت المعطيات عن اعتداء أمريكي على سفينة تجارية إيرانية في بحر عمان، تضمن إطلاق نار وتعطيلاً لنظام الملاحة وإنزالاً لعدد من القوات الأمريكية على سطح السفينة، وهو ما وصفه مقر خاتم الأنبياء بأنه انتهاك لوقف إطلاق النار وقرصنة بحرية. كما أشارت تقارير لاحقة إلى أن القوات الإيرانية هاجمت بعض السفن الحربية الأمريكية بطائرات مسيرة بعد هذا الاعتداء، مع تأكيد إيراني بأن الرد الكامل لم ينفذ فوراً فقط حفاظاً على سلامة عائلات وطاقم السفينة، وأن الإجراءات اللازمة ستتخذ لاحقاً بعد ضمان سلامتهم. وهذا التطور يعكس أن المواجهة لم تعد عند حدود التهديد النظري، بل باتت على تماس مباشر مع احتمال اشتباك بحري أوسع في بحر عمان ومضيق هرمز.

إقليمياً، تتزايد مؤشرات القلق من اتساع آثار الأزمة. فالإمارات، بحسب تقارير أمريكية، بدأت محادثات مع واشنطن للحصول على دعم مالي في حال تصاعد الحرب، وسط توقعات باستنزاف الاحتياطيات النقدية وتراجع ثقة المستثمرين. كما دخلت الهند وروسيا والصين وباكستان على خط الاتصالات، بدرجات مختلفة، لضمان استمرار المشاورات أو تأمين المرور البحري أو الحيلولة دون انفجار أكبر. ويعني ذلك أن أزمة هرمز لم تعد ملفاً إيرانياً أمريكياً صرفاً، بل تحولت إلى قضية تمس الأمن الإقليمي والمالي والتجاري العالمي.

وفي الخلاصة، تكشف هذه المعطيات أن المنطقة تقف أمام معادلة شديدة التعقيد: هرمز مغلق أو مقيد فعلياً، التفاوض متعثر أو مجمد، الردع الإيراني قائم، واشنطن متهمة بنقض التفاهمات، وأسواق الطاقة تدخل مرحلة قلق عميق. وبين محاولة أمريكا الضغط عبر الحصار البحري، وإصرار إيران على أن خطوط الردع قائمة ما دام الحصار قائماً، يبدو أن المشهد يتجه نحو مرحلة عنوانها: لا انفراج في المضيق، ولا تقدم في الدبلوماسية، ما لم تتراجع واشنطن عن سياسة التهديد والحصار وتقبل بالتعامل مع واقع ميداني جديد فرضته إيران في البحر والسياسة معاً.

spot_imgspot_img