في تطور يكشف اتساع الفجوة بين طهران وواشنطن، شددت إيران، الأحد، على أن الحصار البحري الأمريكي بات العقبة المركزية أمام أي عودة إلى طاولة المفاوضات، مؤكدة أن قرارها بعدم المشاركة في الجولة المقبلة لا يزال قائماً، وأن أي حديث عن استئناف المسار السياسي سيظل بلا معنى ما دامت الولايات المتحدة متمسكة بسياسة الضغوط والأطماع والخروقات.
وفي هذا السياق، قال مساعد وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده إن ترامب معتاد على إطلاق تغريدات متناقضة لا تستحق الاهتمام، مضيفاً أن لا خيار أمام الولايات المتحدة سوى الكف عن نهج الأطماع والجلوس أمام الشعب الإيراني باحترام كامل لحقوقه. ويعكس هذا الموقف الإيراني اتجاهاً واضحاً نحو تجريد الخطاب الأمريكي من أي قيمة تفاوضية، والانتقال إلى مقاربة تعتبر أن أصل الأزمة لا يكمن في التفاصيل الفنية للمباحثات، بل في سلوك واشنطن نفسه.
وبحسب ما نقلته وكالة تسنيم عن مصادر مطلعة، فإن قرار إيران بعدم المشاركة في المفاوضات لم يتغير حتى الآن، وأن أي مشاركة مستقبلية تبقى مرهونة بتحقق شروط معينة، في مقدمتها معالجة ملف “الحصار البحري” الذي وصفته المصادر بأنه عائق جوهري وأساسي للغاية أمام أي تقدم تفاوضي. كما أكدت أن هذا الموقف أُبلغ بوضوح إلى الوسيط الباكستاني، في إشارة إلى أن طهران لا تزال تعتبر باكستان القناة الوحيدة في العملية الدبلوماسية الجارية مع الولايات المتحدة، رغم وجود اتصالات أخرى للتشاور.
وتكشف المعطيات الإيرانية أن المشكلة لم تعد محصورة في ملف واحد، بل تمتد إلى ما وصفته طهران بـ المطالب الأمريكية المفرطة، إضافة إلى الرسائل المتبادلة التي لا تبشر بأفق واضح للجولة المقبلة. ووفقاً للمصادر نفسها، فإن إيران ترى أنه طالما تتعامل واشنطن بحسابات خاطئة، فإن المفاوضات ليست سوى إضاعة للوقت، بل ذهبت أبعد من ذلك حين اعتبرت أن لا نية للمشاركة في “المسرحية الأمريكية” ما لم يتشكل أفق فعلي لاتفاق يمكن لإيران قبوله.
وفي موازاة هذا التشدد السياسي، برزت دلالات ميدانية لافتة في مضيق هرمز، حيث أوضحت وكالة تسنيم أن المسار الرئيسي لدخول السفن إلى الخليج يمر عبر الفاصل بين جزيرتي لارك وقشم، بينما تم تحديد مسار الخروج من جنوب جزيرة لارك. وهذه التفاصيل التقنية لا تبدو مسألة ملاحة عابرة، بل تعكس أن طهران تريد التأكيد على أن إدارة الحركة البحرية ما تزال تحت سيطرتها العملية والتنظيمية، وأنها لا تتعامل مع هرمز كممر مفتوح خارج إرادتها، بل كمساحة سيادية تخضع لضوابطها وتقديراتها.
وفي خطاب موازٍ يحمل بعداً معنوياً وسياسياً، قال مساعد الرئيس الإيراني للعلاقات العامة مهدي طباطبائي إن الهزيمة لا معنى لها بالنسبة للشعب الإيراني، وإن من يستهين بقدرات إيران لا يعرف ثقافتها ولا حضارتها، مشيراً إلى أن هذا الشعب صمد 47 عاماً في وجه العقوبات القاسية و40 يوماً أمام حرب عاتية. ويهدف هذا الخطاب إلى تثبيت صورة الداخل الإيراني بوصفه جبهة صلبة لا ترى في الضغوط الأمريكية سبباً للتراجع، بل عاملاً إضافياً لتعزيز التماسك والاستعداد.
وفي السياق ذاته، أكدت متحدثة الحكومة الإيرانية أن دعم الفريق المفاوض مهم، خصوصاً عندما يكون رئيس الوفد أحد قادة الميدان، في إشارة ذات مغزى إلى أن القرار السياسي الإيراني لا ينفصل عن الخبرة الميدانية، وأن من يجلس إلى طاولة التفاوض لا يفعل ذلك من موقع الضعف أو المجاملة، بل من موقع من يقرأ الواقع العسكري والسياسي معاً. وهذه الرسالة توحي بأن طهران تريد ربط الدبلوماسية بالردع، لا الفصل بينهما، بحيث يكون التفاوض امتداداً لمعادلة القوة لا بديلاً عنها.
كما تعكس التصريحات الإيرانية المتتابعة أن طهران تعتبر الولايات المتحدة مقصرة بوضوح في انتهاك وقف إطلاق النار بعد إعلانه في لبنان وفتح مضيق هرمز، وأن إعلان واشنطن مواصلة الحصار البحري يمثل دليلاً مباشراً على عدم جديتها في المفاوضات. وتضيف هذه القراءة بعداً أشمل للأزمة، لأن إيران لا ترى في ما جرى مجرد خلاف تفاوضي، بل نسفاً أمريكياً لمصداقية العملية الدبلوماسية نفسها، الأمر الذي ـ بحسب الخطاب الإيراني ـ أضر بحل النزاعات وقوض مصداقية الطرف الوسيط.
في المحصلة، يبدو المشهد الإيراني اليوم قائماً على معادلة واضحة: لا عودة إلى التفاوض تحت الحصار، ولا قيمة لتغريدات ترامب أو رسائله المتناقضة ما لم تتبدل السياسة الأمريكية على الأرض. وبين تمسك طهران بقرار المقاطعة، وربطها المشاركة بشروط مسبقة، وإبرازها سيطرتها على هرمز، وتأكيدها أن الداخل الإيراني لا يرى في الضغوط سبباً للهزيمة، تتشكل صورة مرحلة جديدة عنوانها أن الكرة لم تعد في الملعب الإيراني، بل في الملعب الأمريكي: إما احترام الحقوق ورفع الحصار، أو بقاء المفاوضات مؤجلة تحت وقع انسداد سياسي متصاعد.
