ذات صلة

الأكثر مشاهدة

“رجوم” تضرب التحشيدات والآليات في عدة جبهات.. مشاهد لانقضاض مباشر واحتراق أهداف ميدانية

وزّع الإعلام الحربي اليمني، اليوم الجمعة، مشاهد توثق عمليات...

وزارة الخارجية ترحب بمبادرة شيخ الأزهر وتحذر السعودية من عسكرة البحر الأحمر

جددت وزارة الخارجية في صنعاء ترحيبها بأي مساعٍ تفضي...

ملامح حرب أمريكا وإيران في الصحف الأجنبية: استنزافٌ أمريكي، ارتباكٌ تفاوضي، وهرمز يتحول إلى مركز الثقل في المعركة

تكشف القراءة المتقاطعة لما نشرته الصحف ووسائل الإعلام الأجنبية عن أن حرب أمريكا وإيران لم تُقدَّم خارجياً بوصفها حملة حاسمة سريعة كما حاولت واشنطن تسويقها، بل كحرب دخلت سريعاً في منطق الاستنزاف والتعقيد وتآكل القدرة على الحسم. وفي هذا السياق، برز في التغطيات الغربية والأجنبية أكثر من خط رئيسي: استنزاف الترسانة الأمريكية، تعاظم قيمة هرمز كورقة ردع إيرانية، ارتباك خطاب ترامب، تعثر التفاوض تحت الحصار، واتساع الكلفة الاقتصادية والأمنية على المنطقة والغرب معاً.

أول هذه الملامح أن كثيراً من التحليلات الأجنبية لم تتحدث عن نصر أمريكي نظيف، بل عن حرب كشفت حدود القوة الأمريكية. فـسي إن إن، وفق ما نُقل عنها، تحدثت عن استهلاك الجيش الأمريكي خلال الحرب نصف مخزون صواريخ الضربات الدقيقة وصواريخ ثاد وباتريوت تقريباً، وهو ما يعني أن الحرب لم تُقرأ كعرض قوة فقط، بل أيضاً كاستنزاف ثقيل لقدرات الردع الأمريكية، مع تحذيرات من نقص محتمل إذا اندلع نزاع آخر. هذا المعنى نفسه التقطته قراءات غربية أخرى رأت أن الحرب أظهرت أن الولايات المتحدة لم تعد تتحرك من موقع الهيمنة السهلة، بل من موقع القوة التي تدفع كلفة باهظة للحفاظ على موقعها.

الملمح الثاني يتمثل في أن مضيق هرمز ظهر في التغطية الأجنبية باعتباره قلب الحرب الحقيقي، لا مجرد ملف جانبي. فوكالة رويترز نقلت مخاوف خليجية من أن تؤدي المحادثات الأمريكية الإيرانية، إذا سارت بصيغة إدارة الأزمة لا حسمها، إلى ترسيخ القبضة الإيرانية “الذهبية” على هرمز، بينما تحدثت أسوشيتد برس عن أن سيطرة إيران على المرور في المضيق عطلت سلاسل الإمداد ودفعت أسعار الطاقة إلى الارتفاع، في وقت باتت فيه حرية الملاحة نفسها جزءاً من معادلة الردع والضغط السياسي. وبدا في هذه التغطيات أن هرمز لم يعد يُقدَّم بوصفه ممراً دولياً فقط، بل أداة قوة إيرانية قادرة على التأثير في الدبلوماسية والأسواق معاً.

أما الملمح الثالث فهو أن صحفاً أمريكية وبريطانية بارزة ركزت على فوضى القرار في البيت الأبيض، وعلى أن ترامب نفسه صار جزءاً من المشكلة التفاوضية لا جزءاً من الحل. واشنطن بوست رأت أن تصريحاته بشأن إيران أصبحت شديدة التناقض إلى درجة تجعل المفاوضات شبه مستحيلة، في وقت قالت فيه الغارديان إن تقلب مواقفه ولهجته الحادة شلا مسار التفاوض، وأظهرا لطهران أهمية هرمز أكثر مما أرادا ترهيبها. وحتى قراءات محافظة أو أقرب إلى الدوائر الأمنية الأمريكية رأت أن تعليقات ترامب العاطفية والمتغيرة منحت إيران نفوذاً تفاوضياً أكبر مما كان ينبغي أن تملكه. وبذلك، برز في الصحف الأجنبية تصور واضح مفاده أن الخلل لم يكن فقط في الميدان، بل أيضاً في القيادة السياسية الأمريكية نفسها.

الملمح الرابع أن عدداً من المقالات والتحليلات الأجنبية تعامل مع الحرب باعتبارها مثالاً كلاسيكياً على فشل وهم “النصر السريع قليل الكلفة”. ففي تحليل لـنيويورك تايمز جرى التذكير بأن القوى الكبرى لا تنهار عادة في ساحة المعركة مباشرة، بل تحت ضغط الاستنزاف الاقتصادي والداخلي، وأن الضغط العسكري على إيران أدى عملياً إلى تعزيز جرأتها في التحكم بالممرات المائية وتعميق العزلة الدبلوماسية للولايات المتحدة بدل إخضاع طهران. وذهبت ليبراسيون الفرنسية أبعد من ذلك حين قدمت الحرب بوصفها مرحلة جديدة في سقوط الإمبراطورية الأمريكية ونهاية أسطورة مناعتها، معتبرة أن عجز واشنطن عن احتواء إيران وضمان أمن الممرات الحيوية أضعف سردية “الشرطي العالمي” نفسها.

الملمح الخامس هو أن الصحف الأجنبية لم ترَ إيران كدولة على وشك الانهيار، بل كطرف استطاع توظيف الجغرافيا والبحر والسياسة معاً. بعض التحليلات الغربية اعتبرت أن واشنطن ما زالت تقلل من قدرة إيران على الصمود، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن طهران تستخدم حالة الارتباك الأمريكي بهدوء استراتيجي لترسيخ مكانتها كقوة إقليمية مهيمنة. حتى في التغطيات الخاصة بالمحادثات، ظهر أن طهران تربط استئناف المسار السياسي برفع الضغط والحصار، لا بمجرد العودة الشكلية إلى الطاولة، وهو ما عكس في أعين الإعلام الأجنبي أن إيران تتفاوض من منطلق أن لديها أوراق قوة ميدانية حقيقية.

الملمح السادس يتعلق بـالكلفة الاقتصادية العالمية، وهو من أكثر الزوايا حضوراً في التغطية الأجنبية. فالحرب لم تُقرأ فقط باعتبارها مواجهة عسكرية، بل باعتبارها تهديداً مباشراً للطاقة والتجارة والنقل والأسواق. تقارير متعددة تحدثت عن اضطراب الشحن وارتفاع النفط وتعطل العبور في هرمز، بينما حذرت تقارير اقتصادية من أن استمرار هذا المسار قد يضغط على أوروبا وآسيا ويحوّل الحرب إلى أزمة تضخم وطاقة طويلة الأثر. وحتى الصحف اليابانية رأت أن الحصار البحري في هرمز يمكن اعتباره أسلوباً من أساليب الحرب بموجب القانون الدولي عندما يؤدي إلى إضعاف السكان المدنيين أو خنق الممرات الحيوية.

الملمح السابع أن بعض الصحف الأجنبية ربطت بين هذه الحرب وبين تآكل الأمن الإسرائيلي نفسه. فـالإيكونوميست رأت، بحسب ما نُقل عنها، أن الحروب الإسرائيلية المتواصلة تقوض أمن إسرائيل وتزيد الضغوط الاقتصادية وتعطل الحياة اليومية وتضعف الشعور بالأمان. وهذا يلتقي مع قراءات أوسع في الصحافة الدولية ترى أن استمرار الحرب المفتوحة في أكثر من ساحة لا ينتج أمناً دائماً للكيان، بل يعمّق إحساس الحصار ويزيد التكاليف الداخلية.

وإذا جرى تلخيص الصورة العامة كما رسمتها الصحف الأجنبية، فإنها تبدو على النحو الآتي: الولايات المتحدة لم تحقق حسمًا سريعًا، إيران لم تُكسر، هرمز صار مركز الثقل في الحرب، ترامب ظهر عاملَ إرباك لا استقرار، التفاوض تعثر تحت الضغط، والحرب أخذت منحى استنزافياً يضرب الاقتصاد والأمن معاً. بهذا المعنى، فإن “ملامح الحرب” في الصحف الأجنبية لا تتحدث عن معركة خاطفة انتهت، بل عن نزاع مفتوح كشف هشاشة الحسابات الأمريكية، ورفع من وزن إيران الجيوسياسي، وأعاد تعريف قيمة الممرات البحرية كجزء من ميزان القوة.

spot_imgspot_img