سلّمت إيران، عبر الوسيط الباكستاني، ردّها المعدّل والأحدث على الشروط الأمريكية المطروحة لإنهاء الحرب، في خطوة تعكس استمرار المسار التفاوضي رغم التعقيدات الكبيرة التي ما تزال تعترضه، وخصوصًا ما يتعلق بـ الملف النووي، ووقف إطلاق النار، ومضيق هرمز، وشروط ما بعد الضربات العسكرية.
وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن طهران بعثت، أمس الخميس، نص مسودة نهائية للمفاوضات إلى باكستان، التي تضطلع بدور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة، فيما نقلت تقارير أمريكية عن مسؤولين باكستانيين تأكيدهم أنهم نقلوا الرد الإيراني المعدّل إلى واشنطن. وبينما لم تُكشف تفاصيل كاملة عن مضمون العرض الجديد، فإن الخطوة توحي بأن طهران ما تزال تحاول إبقاء نافذة التفاوض مفتوحة من موقع التمسك بشروطها الأساسية وعدم التسليم بالمطالب الأمريكية كما هي.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن إيران كانت قد سلّمت باكستان، الأسبوع الماضي، عرضًا يتضمن شروطها لإنهاء الحرب، يقوم على استعدادها للتفاوض بشأن إنهاء المواجهة وفتح مضيق هرمز، لكن مع تأجيل البحث في الأنشطة النووية إلى ما بعد التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار. وهذا الطرح عكس منذ البداية رؤية إيرانية تعتبر أن الأولوية يجب أن تكون لوقف العدوان وتثبيت التهدئة، لا لإعادة فتح الملف النووي تحت ضغط الحرب والتهديد.
غير أن هذا المسار اصطدم، وفق التقارير، برفض أمريكي أولي. فقد أورد موقع أكسيوس أن المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف أرسل يوم الاثنين الماضي قائمة تعديلات على المقترح الإيراني الأول، ركّزت بصورة أساسية على إعادة إدراج الملف النووي داخل صلب الاتفاق، إلى جانب مطالبة إيران بالتعهد بعدم نقل أي يورانيوم مخصب طوال فترة استمرار المفاوضات، فضلاً عن التزام بعدم استئناف أي نشاط في المنشآت النووية التي تعرضت للقصف. وهذا يعني أن واشنطن تحاول إعادة التفاوض إلى النقطة التي تعتبرها مركزية، وهي تحييد البرنامج النووي الإيراني فوراً وبشروط صارمة، فيما تسعى طهران إلى فصل هذا المسار عن شروط وقف الحرب والعدوان.
وفي المقابل، نقلت شبكة سي بي إس عن مسؤولين باكستانيين أن الرد الإيراني المعدّل قد يجعل فرص التوصل إلى اتفاق أقرب مما كانت عليه قبل تقديمه، في مؤشر على وجود تفاؤل حذر داخل القناة الباكستانية بأن الطرفين ما يزالان يتبادلان رسائل جدية، رغم التباعد الواضح في المواقف. ويعني ذلك أن إسلام آباد تحاول إبقاء الوساطة حية، وتقديم نفسها كمنصة قادرة على تخفيف الفجوة بين العرض الإيراني والشروط الأمريكية.
لكن هذا الحراك الدبلوماسي يجري تحت سقف تصعيد عسكري مستمر في الخلفية. فقد هدّد مسؤول كبير في الحرس الثوري الإيراني بشن “ضربات مؤلمة وتستمر لفترة طويلة” على المواقع الأمريكية إذا عاودت واشنطن هجماتها على إيران، وهو تهديد أعاد التذكير بأن طهران لا تفصل بين الميدان والتفاوض، وأن أي محاولة أمريكية لاستخدام المباحثات كغطاء للضغط العسكري قد تقود إلى رد مباشر ومفتوح. وفي الجهة المقابلة، أشارت تقارير إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تلقى إحاطة بشأن خطط لضربات عسكرية جديدة على إيران لدفعها إلى التفاوض من موقع الإكراه، ما يكشف أن الإدارة الأمريكية ما تزال تمزج بين لغة التفاوض ولغة التهديد في وقت واحد.
وتعود جذور هذا المسار إلى الحرب التي بدأت في 28 فبراير/شباط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، والتي خلّفت أكثر من 3 آلاف قتيل، قبل إعلان هدنة في 8 أبريل/نيسان على أمل الانتقال إلى اتفاق يضع حداً للصراع. ثم جاءت محادثات 11 أبريل/نيسان في باكستان من دون أن تفضي إلى اتفاق، قبل أن يُعلن لاحقًا عن تمديد الهدنة بطلب من إسلام آباد، من دون تحديد واضح للمدة، بما جعل الملف مفتوحاً على احتمالات متضاربة بين التهدئة المؤقتة والانفجار مجدداً.
في المحصلة، يظهر المشهد الحالي كمرحلة مفاوضات تحت الضغط: إيران تسلّم ردّها المعدّل عبر باكستان وتتمسك بأولوية إنهاء الحرب أولاً، بينما تصرّ واشنطن على إدخال الملف النووي إلى قلب الاتفاق وفرض التزامات مسبقة واسعة. وبين تفاؤل الوسيط الباكستاني، وتعنت الشروط الأمريكية، وتحذيرات الحرس الثوري، وخطط الضربات المحتملة، تبدو الجولة الراهنة أقرب إلى شدّ حبال سياسي وعسكري، لا إلى اتفاق سهل أو سريع.
