سلّط تحليل نشره موقع Ynet يديعوت احرونوت العبري الضوء على أحد أخطر التطورات في ميدان المواجهة شمال فلسطين المحتلة، والمتمثل في الطائرات المسيّرة الانتحارية الجديدة التي يستخدمها حزب الله، والتي تعتمد على الألياف البصرية بدل الاتصال اللاسلكي، في تحول تقني وميداني يضع جيش الاحتلال أمام تهديد شديد التعقيد يصعب التعامل معه بالوسائل التقليدية المعتمدة في الحرب الإلكترونية.
وبحسب التحليل، فإن هذه المسيّرات تعمل وفق نظام FPV، أي التحكم المباشر عبر الكاميرا، وهو ما يمنحها دقة عالية جداً وقدرة على إصابة أهداف صغيرة ومتحركة في الميدان. غير أن الميزة الأخطر في هذا النوع من السلاح لا تكمن فقط في دقته، بل في آلية الاتصال نفسها، إذ لا تعتمد المسيّرة على بث إشارات لاسلكية يمكن التشويش عليها أو اعتراضها، وإنما ترتبط بالمشغّل عبر سلك من الألياف البصرية، ما يجعلها شبه محصنة ضد الحرب الإلكترونية التي طالما راهن عليها الاحتلال في اعتراض هذا النوع من التهديدات.
ويشير التحليل إلى أن مدى المسيّرة يرتبط بطول هذا السلك، ويتراوح لدى حزب الله بين 10 و15 كيلومتراً، مع الإشارة إلى أن بعض النماذج في تجارب أخرى قد تصل إلى عشرات الكيلومترات. وهذا يعني أن المقاومة باتت تمتلك قدرة على إدارة هجوم قريب ومباشر ودقيق من دون الحاجة إلى تعريض منظوماتها لاتصالات مكشوفة أو إشارات يمكن اصطيادها إلكترونياً.
ويؤكد التحليل العبري أن هذه التكنولوجيا ليست جديدة من حيث الأصل، إذ تعود جذورها إلى أبحاث عسكرية منذ سبعينيات القرن الماضي، إلا أن تطور الاتصالات البصرية وانخفاض الكلفة وسهولة التصنيع جعلها اليوم أكثر عملية وفعالية في ميادين الحرب الحديثة. كما يشير إلى أن الاستخدام العملي لهذا النوع من المسيّرات تطوّر بشكل واضح خلال الحرب في أوكرانيا، حيث استُخدم بكثافة في مهام الاستطلاع والهجوم، قبل أن تنتقل الخبرة لاحقاً إلى الشرق الأوسط.
وفي ما يخص حزب الله، يلفت التحليل إلى أن المقاومة لا تبدأ من الصفر في هذا المجال، بل تمتلك خبرة مبكرة ومراكمة في تشغيل المسيّرات تعود إلى ما قبل عام 2006، ثم تطورت عبر التجارب الميدانية في سوريا، وعبر مسارات نقل المعرفة والخبرة من إيران ومن شبكات إقليمية متصلة بمحور المقاومة. وهذا يعني أن إدخال مسيّرات الألياف البصرية ليس مجرد اقتناء سلاح جديد، بل هو نتيجة مسار تراكمي من التطوير والخبرة والتكيّف الميداني.
ووفقاً للتحليل، تمر عملية الهجوم بهذه المسيّرات بعدة مراحل مترابطة تبدأ بـ جمع المعلومات عن الهدف، ثم الطيران المنخفض نحو المنطقة المستهدفة، يلي ذلك البحث البصري المباشر عن الهدف، قبل تنفيذ الهجوم النهائي الدقيق. وهذا التسلسل يمنح المسيّرة قدرة على العمل كأداة اصطياد تكتيكي في لحظة الاشتباك، لا كوسيلة قصف عشوائي، وهو ما يفسر ارتفاع فاعليتها ضد المواقع والآليات والتجمعات العسكرية.
ورغم هذه الفعالية، أشار التحليل إلى أن هذا النوع من المسيّرات لا يخلو من قيود فنية وعملياتية، إذ إن وزن السلك قد يؤثر على الأداء، كما أن الحاجة إلى رؤية الهدف مباشرة تفرض حدوداً على بعض سيناريوهات الاستخدام، فضلاً عن أن المسيّرة قد تكون عرضة للكشف في بعض مراحل الطيران أو الاقتراب. غير أن هذه القيود، وفق القراءة نفسها، لا تنتقص من حقيقة أن الاحتلال يواجه سلاحاً مختلفاً يصعب إخضاعه للمنطق الدفاعي التقليدي.
وفي ما يتعلق بوسائل المواجهة، ذكر التحليل أن الخيارات المطروحة أمام جيش الاحتلال تشمل ضرب منظومات الاستطلاع قبل الهجوم، ومحاولة كشف المسيّرات بصرياً أو صوتياً، واستخدام التمويه والدخان، إلى جانب السعي لتطوير أنظمة تدمير مباشرة مثل الموجات الكهرومغناطيسية. لكن مجرد عرض هذه الوسائل يكشف أن العدو ما يزال في مرحلة البحث عن إجابات، لا في مرحلة امتلاك حل ناجز وحاسم.
وفي المحصلة، يكشف تحليل Ynet أن حزب الله أدخل إلى ساحة المواجهة أداة قتالية دقيقة وعصية على التشويش، تمثل تحدياً عملياً حقيقياً لمنظومات الاحتلال الدفاعية. كما يؤكد أن انتقال المقاومة إلى هذا المستوى من الاستخدام التقني لا يعني فقط تطوير سلاح جديد، بل تغييراً في شكل الاشتباك نفسه، حيث تتحول المسيّرة من وسيلة مساندة إلى عنصر حاسم في الاستنزاف والاصطياد وكسر حرية الحركة لدى قوات الاحتلال. وبذلك، فإن سلاح الألياف البصرية لا يضيف مجرد تهديد تكتيكي جديد، بل يفتح أمام المقاومة مساحة أوسع لفرض معادلات ميدانية أكثر إيلاماً وتعقيداً على الجبهة الشمالية.
