كشفت تقديرات أمنية إسرائيلية عن تحوّل خطير في موازين الاشتباك على الجبهة الشمالية، بعدما أقرّت القناة 12 العبرية بأن حزب الله يدير في جنوب لبنان “منظومة خاصة” لتشغيل الطائرات المسيّرة، تضم نحو مئة عنصر موزعين في مجموعات صغيرة ومتحركة، تتفرغ حصراً لتنفيذ هجمات جوية ضد قوات الاحتلال وآلياته. ويعكس هذا التقدير اعترافاً متزايداً داخل الكيان بأن المقاومة لم تعد تعتمد فقط على الصواريخ والكمائن التقليدية، بل انتقلت إلى بناء ذراع مسيّرة منظمة وفاعلة، باتت تمثل أحد أكثر أدوات الاستنزاف إيلاماً على امتداد الجبهة.
وبحسب هذه التقديرات، نفذت المنظومة التابعة لحزب الله حتى الآن قرابة 160 عملية إطلاق لطائرات مسيّرة باتجاه قوات الاحتلال، بينها نحو 90 مسيّرة تعمل عبر الألياف البصرية، وهي التقنية التي تمثل كابوساً حقيقياً للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، لأنها تعطل مفعول التشويش والحرب الإلكترونية، وتحرم العدو من إحدى أهم مزايا تفوقه التقني. فهذه المسيّرات لا تعتمد على الاتصال اللاسلكي التقليدي، بل تبقى مرتبطة بمشغلها عبر سلك ألياف بصرية، ما يمنحها قدرة عالية على المناورة والدقة، ويجعل اعتراضها أو التشويش عليها بالغ الصعوبة.
هذا التطور لم يبقَ في دائرة التقديرات النظرية، بل ترجم نفسه في الميدان عبر سلسلة عمليات نوعية أعلنتها المقاومة الإسلامية في لبنان خلال الساعات الأخيرة. ففي خلة الراج ببلدة دير سريان، استهدفت مسيّرة انقضاضية آلية عسكرية إسرائيلية وأصابتها بشكل مباشر، فيما طالت عملية أخرى قوة للاحتلال على الطريق المستحدث بين عدشيت القصير ودير سريان، كما تعرضت قوة إسرائيلية على طريق البياضة – بيوت السياد لقنابل ألقتها محلقة هجومية، محققة إصابات مباشرة، بالتوازي مع قصف تجمع لآليات وجنود الاحتلال في بلدة رشاف بصلية صاروخية. وتكشف هذه العمليات عن تنسيق متقدم بين الرصد والقرار الناري والتنفيذ، بما يؤكد أن حزب الله لا يستخدم المسيّرات كسلاح تكتيكي فحسب، بل كجزء من منظومة هجومية متكاملة.
الأخطر بالنسبة للاحتلال أن هذه المنظومة لا تعمل بشكل مركزي مكشوف، بل ضمن مجموعات صغيرة ومتحركة، ما يصعّب على الاستخبارات الإسرائيلية رصدها أو استهدافها مسبقاً. وهذا يعني أن طائرات الاستطلاع الإسرائيلية، رغم كثافتها، تعجز عن تحديد منصات الإطلاق أو شبكات التشغيل قبل تنفيذ الهجمات، وهو ما يفسر تصاعد الخسائر وارتفاع دقة الاستهدافات. كما أن انتشار هذه المجموعات داخل بيئة ميدانية معقدة، وفي مناطق مغطاة ومتشابكة، يمنح المقاومة هامشاً واسعاً للمناورة ويزيد من حالة الإرباك داخل صفوف العدو.
وتشير هذه المعطيات إلى أن حزب الله نجح عملياً في بناء ما يمكن وصفه بـ**“جيش مسيّرات موازٍ”**، يواكب المعركة لحظة بلحظة، ويعيد رسم قواعد الاشتباك في الجنوب اللبناني. فالمسيّرات الانقضاضية منخفضة الكلفة مقارنة بالمنظومات الاعتراضية الإسرائيلية، لكنها قادرة على إحداث تأثير كبير في الجنود والآليات ومراكز القيادة، وهو ما يجعلها أداة استنزاف مثالية في حرب طويلة النفس. ولهذا لم يعد غريباً أن يرتبط هذا التصعيد الجوي باعترافات إسرائيلية متكررة عن ارتفاع أعداد الجرحى في صفوف قواتها، بعدما باتت المسيّرات تصيب بدقة وتخترق التحصينات النفسية والميدانية معاً.
سياسياً وعسكرياً، تعني هذه التطورات أن الاحتلال يواجه مأزقاً متفاقماً في جنوب لبنان. فكلما حاول فرض وقائع ميدانية جديدة أو توسيع نطاق التوغل، وجد نفسه تحت مرمى منظومة مقاومة مرنة وخفية، قادرة على الضرب السريع والدقيق ثم الاختفاء. كما أن دخول الألياف البصرية على خط المعركة ينسف جانباً من صورة التفوق الإسرائيلي في مجال الحرب الإلكترونية، ويؤكد أن المقاومة لا تكتفي برد الفعل، بل تواصل تطوير أدواتها وتجاوز ما يملكه العدو من وسائل تقنية.
في المحصلة، يبدو أن حزب الله يرسخ معادلة جديدة عنوانها أن سماء الجنوب لم تعد آمنة للاحتلال، وأن أي محاولة لتثبيت منطقة عازلة أو فرض احتلال مستدام ستصطدم بجدار من المسيّرات والكمائن النارية. وبينما يزداد ارتباك العدو أمام هذا النمط من القتال، يواصل حزب الله إرسال رسالة واضحة مفادها أن الجبهة مفتوحة على استنزاف طويل، وأن كلفة العدوان لن تتوقف عند حدود الخسائر التكتيكية، بل ستتحول إلى أزمة ردع عميقة تضرب ثقة الاحتلال بقدرته على الحسم أو حتى على الاحتمال.
