كشفت معطيات نشرتها نيويورك تايمز ونقلتها مصادر أمريكية أن واشنطن مضت في إقرار صفقات ضخمة لبيع آلاف صواريخ الاعتراض الدفاعية إلى الكويت والإمارات والبحرين، في خطوة تعكس بوضوح حجم الاستنزاف الذي أصاب المخزونات الأمريكية والخليجية خلال الحرب الأخيرة، وتؤكد أن المواجهة مع إيران لم تكن مجرد جولة عسكرية عابرة، بل نزيفاً مفتوحاً في الذخائر والتكاليف والجاهزية. وتقاطعت هذه المعلومات مع تقارير أخرى أفادت بأن إجمالي ما أجيز من مبيعات سلاح لدول الشرق الأوسط يوم الجمعة بلغ نحو 25.8 مليار دولار.
وبحسب التفاصيل المتداولة، فإن الصفقات الجديدة الخاصة بالكويت والإمارات والبحرين تبلغ قيمتها قرابة 17 مليار دولار، وتشمل توريد نحو 4250 صاروخ اعتراض، بمتوسط تكلفة يقارب 4 ملايين دولار للصاروخ الواحد، مع توزيع مالي يبلغ نحو 9.3 مليار دولار للكويت، و6.25 مليار دولار للإمارات، و1.625 مليار دولار للبحرين. كما تقدمت قطر بطلب منفصل لشراء صواريخ اعتراضية إضافية بقيمة تقارب 4 مليارات دولار، في إطار توجه خليجي متسارع لإعادة ملء المخازن الدفاعية التي استُنزفت خلال أشهر الحرب والتصعيد.
وتكشف هذه الأرقام أن واشنطن لا تبيع حلفاءها مجرد أسلحة اعتيادية، بل تعيد بناء طبقة دفاعية كاملة تآكلت تحت ضغط الضربات الصاروخية والمسيّرة. فالتقارير الغربية نفسها تشير إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها الخليجيين استهلكوا في الحرب الجارية ما يعادل إنتاج ثلاث سنوات كاملة من صواريخ باتريوت، ما يجعل الصفقات الجديدة أقرب إلى خطة إنقاذ للمخزونات المستنزفة منها إلى مجرد تحديث روتيني للقدرات الدفاعية. كما أن تقرير فاينانشال تايمز سبق أن أشار إلى أن الحرب دفعت واشنطن إلى تسريع الموافقات وتجاوز المراجعة التقليدية للكونغرس بسبب الحاجة الملحّة لتعويض النقص.
وفي البعد السياسي والعسكري، تعكس هذه الصفقات اعترافاً أمريكياً غير مباشر بأن الردع الجوي والدفاعي في الخليج تعرض لاهتزاز فعلي، وأن الحلفاء باتوا بحاجة عاجلة إلى إعادة تحصين أجوائهم ومنشآتهم الحيوية. فحين تُضخ عشرات المليارات في صواريخ اعتراض بعد الحرب مباشرة، فهذا يعني أن المعركة لم تستنزف فقط الذخائر، بل كشفت حدود قدرة الأنظمة الدفاعية الحالية على الصمود أمام موجات الهجوم المركّب. كما أن اضطرار واشنطن إلى توزيع هذه الحزم على عدة عواصم خليجية في وقت واحد يدل على أن القلق لم يعد محصوراً بدولة بعينها، بل تحول إلى هواجس إقليمية جماعية بشأن أي جولة مقبلة.
وتأتي هذه القرارات أيضاً في سياق أوسع من التسليح السريع والطوارئ العسكرية. فقبل أيام فقط، وافقت الإدارة الأمريكية على حزم سلاح أخرى بقيمة 8.6 مليارات دولار شملت إسرائيل وقطر والكويت والإمارات، مع تسريع الإجراءات وتجاوز المسار التقليدي للمراجعة التشريعية. وهذا يعني أن واشنطن لا تتعامل مع المنطقة كبيئة تهدئة أو خفض توتر، بل كمساحة تستدعي إعادة ضخ مستمر للسلاح تحسباً لجولات جديدة، وبما يضمن إبقاء الحلفاء معتمدين عليها دفاعياً ولوجستياً.
وفي المحصلة، فإن صفقات الاعتراض الجديدة لا تعبر فقط عن رغبة أمريكية في دعم الخليج، بل تكشف في العمق أن الحرب مع إيران فرضت كلفة استراتيجية باهظة على واشنطن وحلفائها، وأجبرتهم على العودة إلى السوق العسكرية بحجم غير مسبوق لتعويض ما استُهلك في فترة قصيرة. وبعبارة أوضح، فإن هذه المليارات ليست عنوان قوة بقدر ما هي فاتورة استنزاف دفعتها العواصم الخليجية والولايات المتحدة معاً، بعدما أظهرت الحرب أن الدفاع عن السماء لم يعد مضموناً، وأن إعادة ملء المخازن قد تكون اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
