تتسارع تطورات الجبهة اللبنانية في اتجاه يكشف عمق المأزق الذي يواجهه الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، مع تصاعد فعالية المسيّرات الهجومية الجديدة التي يستخدمها حزب الله، واتساع تأثيرها الميداني إلى درجة دفعت وسائل إعلام عبرية إلى الإقرار بحالة قلق متصاعدة داخل المؤسسة العسكرية، خصوصاً بعد تداول مشاهد لاستهداف إحدى المنظومات الدفاعية الإسرائيلية في الشمال، في مؤشر على أن معركة الجو القريب باتت تميل أكثر فأكثر نحو الاستنزاف المنظم لقوات الاحتلال ومعداته.
وبحسب المستجدات، واصل حزب الله عملياته بوتيرة مرتفعة، مستنداً إلى استخدام متزايد للمسيّرات، ولا سيما تلك التي تعمل بتقنيات يصعب على الاحتلال رصدها أو التعامل معها مبكراً. وتقول التقديرات الإسرائيلية المنقولة إن هذا النوع من الطائرات بات يشكل كابوساً حقيقياً للقوات المنتشرة في الخطوط الأمامية، إذ لا يُكتشف أحياناً إلا قبل لحظات قليلة من الإصابة، وهو ما يفسر تنامي القلق في صفوف القيادة العسكرية، وتزايد التعويل على تدخل أمريكي لتقديم حلول عاجلة لهذه المعضلة الميدانية.
وفي هذا السياق، أشارت تقارير إسرائيلية إلى أن الاحتلال طلب من الولايات المتحدة ذخائر خاصة لمواجهة الهجمات الجديدة بالمسيّرات، في حين أن التعليمات الميدانية الراهنة للجنود لا تتجاوز محاولة إطلاق النار على الطائرة عند مشاهدتها، وهو ما يكشف محدودية الخيارات المتاحة حتى الآن أمام جيش الاحتلال في مواجهة هذا التطور. كما نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤولين أن الاعتماد على واشنطن لم يعد سياسياً فقط، بل بات يمتد إلى البحث عن وسائل إنقاذ ميدانية مباشرة من آثار سلاح المسيّرات الذي أربك حسابات الجيش الإسرائيلي وضيّق هامش حركته في الجنوب.
وفي الميدان، أعلنت المقاومة الإسلامية في لبنان مواصلة عملياتها ضد القوات الإسرائيلية وآلياتها في أكثر من محور. ووفق البيانات الواردة، تم استهداف جرّافتين عسكريتين من نوع D9 بواسطة طائرتين مسيّرتين انقضاضيتين، الأولى في بنت جبيل والثانية في منطقة خلّة راج في دير سريان، مع تأكيد تحقيق إصابات مباشرة. كما قُصف تجمع لجنود وآليات إسرائيلية في خلّة راج بقذائف المدفعية، ما أدى إلى وقوع إصابات واستدعى دفع قوة إسناد لإخلاء المصابين تحت غطاء دخاني كثيف. وفي الخيام، جرى استهداف تجمع لجنود وآليات إسرائيلية بقذائف المدفعية، إلى جانب ضرب مقر قيادي للجيش الإسرائيلي بمسيّرتين انقضاضيتين، بينما أُعلن أيضاً عن استهداف تجمع لجنود الاحتلال في رشاف بصاروخ موجه.
وتعكس هذه العمليات، انتقال حزب الله إلى نمط ضغط ميداني متواصل يركز على الآليات الهندسية، والتجمعات العسكرية، والمقار القيادية، بما يحول الانتشار الإسرائيلي في الجنوب إلى بيئة استنزاف يومي. كما تكشف أن المقاومة لا تكتفي بإثبات قدرتها على الضرب، بل تعمل على تعطيل قدرة الاحتلال على التقدم، والإسناد، والإخلاء، وإعادة التموضع، وهو ما يضاعف الأثر العسكري والنفسي لهذه الضربات.
وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة منشغلة بفتح مسار دبلوماسي موازٍ يهدف إلى احتواء التدهور المتسارع في الجبهة اللبنانية. حيث تستعد واشنطن لاستضافة جولة مفاوضات جديدة بين الحكومة اللبنانية والاحتلال، بمشاركة قيادات عسكرية من الجانبين، في محاولة لخلق مخرج سياسي للأزمة. وتشير المستجدات إلى أن واشنطن تحاول من خلال هذا المسار إقناع الاحتلال بقبول وقف الحرب حالياً، مقابل وعود أمريكية بالتحرك لاحقاً في ملف سلاح حزب الله، بما يخفف الضغط عن الجيش الإسرائيلي الذي يواجه صعوبة متزايدة في التعامل مع المعطيات الميدانية الجديدة.
ويزداد هذا المعنى وضوحاً مع ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية عن الجنرال الاحتياط يتسحاق بريك، الذي قال إن الجيش الإسرائيلي لم يحقق أهدافه، وإن الوضع الحالي بات أسوأ مما كان عليه في بداية الحرب. ويشكل هذا التصريح مؤشراً إضافياً على اتساع دائرة الشكوك داخل الكيان بشأن جدوى الاستمرار في المواجهة بالصيغة الحالية، في ظل عجز واضح عن تحييد تهديد المسيّرات أو فرض إنجاز ميداني حاسم في الجنوب.
في المحصلة، تكشف التطورات الأخيرة أن الجبهة اللبنانية دخلت مرحلة جديدة عنوانها تفوق المسيّرات في الاستنزاف، وتراجع القدرة الإسرائيلية على الردع، واندفاع أمريكي لفتح مخرج سياسي قبل تفاقم الكلفة أكثر. وبينما يواصل حزب الله الضغط عبر ضرب الآليات والتجمعات والمقار، تبدو واشنطن وكأنها تتحرك لإنقاذ الاحتلال من مأزق ميداني يتسع يوماً بعد آخر، بعدما تحولت المحلّقات إلى عنصر حاسم في إعادة تشكيل ميزان الاشتباك في جنوب لبنان
