أكد قائد أنصار الله السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي، في المحاضرة الرابعة من سلسلة “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم”، أن الوحدة اليمنية تمثل استحقاقاً وطنياً كبيراً وإنجازاً تاريخياً يجب الحفاظ عليه وترسيخه على الأسس الصحيحة، محذراً من أن أخطر ما يهدد هذا المكسب الوطني يتمثل في الأطماع الشخصية والحزبية والفئوية، والارتهان للخارج، وخضوع بعض المكونات لإملاءات القوى الأجنبية. وأوضح أن الخارج يسعى إلى السيطرة التامة على الشعب اليمني ومصادرة حريته واستقلاله واستغلال موقع اليمن وثرواته، في إطار مشروع يستهدف إبقاء البلاد في حالة ضعف وارتهان دائم.
وشدد السيد الحوثي على أن العاملين الضامنين لوحدة الشعب اليمني يتمثلان في الهوية الإيمانية الجامعة والنهج التحرري المستقل، معتبراً أن الهوية الإيمانية تصون الشعب من كل أسباب الفرقة، وتجعله موحداً في توجهاته ومواقفه وأهدافه، وتمنع الأعداء من زرع بذور الانقسام الطائفي والمناطقي والحزبي في أوساطه. وأكد أن القوى التي خضعت للخارج فرّطت في حرية الشعب وكرامته، وتحركت تحت عناوين تستهدف إثارة النعرات والعداوات والبغضاء والكراهية، خدمةً لمشاريع الهيمنة الأجنبية.
وفي هذا السياق، وجّه الحوثي انتقاداً مباشراً إلى النظام السعودي، معتبراً أن توجهه الواضح هو إبقاء الشعب اليمني خاضعاً وتحت الوصاية، وبإشراف أمريكي وبريطاني، مؤكداً أن السعودية نفسها خاضعة للهيمنة الأمريكية والبريطانية ولا تملك أجندة مستقلة، بل تتحرك ضمن مشروع عدواني أوسع يستهدف اليمن في حريته واستقلاله وحاضره ومستقبله. وأضاف أن الشعب اليمني الحر لن يقبل أبداً أن يُدار كملف من ملفات اللجنة الخاصة السعودية، ولن يرضى أن يبقى تحت إشراف ما وصفها بـ اللجنة الرباعية الأمريكية البريطانية الإسرائيلية السعودية.
وانتقل السيد الحوثي إلى ملف الثروات اليمنية، مؤكداً أن السعودية لعبت خلال العقود الماضية دوراً مباشراً في منع استخراج النفط من محافظات مثل الجوف ومأرب والمهرة وحضرموت، لأن النظام السعودي لا يريد لليمن أن يمتلك موارده الاقتصادية التي تضمن له الاستقلال والكرامة وعدم الخضوع. وأضاف أن شركات أجنبية أُجبرت على مغادرة بعض المناطق ومنعت من التنقيب، في إطار سياسة ممنهجة لإبقاء اليمن محرومًا من ثروته الوطنية، وخاضعاً لابتزاز الخارج.
وفي الجانب الاقتصادي التنموي، شدد الحوثي على أن المقاطعة الاقتصادية ليست فقط موقفاً سياسياً، بل ضرورة للأمن القومي والغذائي، لأنها تساهم في التحرر من سيطرة الأعداء وتحكمهم في الشعوب، كما يمكن أن تكون حافزاً قوياً لتشجيع الإنتاج المحلي. وأشار إلى أن هناك قائمة من 50 بلداً يستورد منها تجار اليمن منتجات بسيطة جداً يمكن تصنيعها محلياً بسهولة، بل إن حتى مواد مثل الصلصة لا تزال تُستورد رغم سهولة إنتاجها محلياً، معتبراً أن تحويل رؤوس الأموال إلى الداخل يمكن أن يفتح الباب أمام نهضة اقتصادية حقيقية. كما ختم بالتأكيد على أن الزراعة ستكون العمود الفقري للاقتصاد الوطني إذا ما جرى التوجه الجاد نحو البناء والإنتاج.
وربط السيد الحوثي بين معركة الوحدة والسيادة وبين المقاطعة الاقتصادية، معتبراً أنها من المواضيع الجوهرية التي تستحق اهتماماً واسعاً على مستوى الوعي الشعبي، لأن الأعداء يستفيدون من الأموال العربية والإسلامية بصورة هائلة، ويوظفونها في حل أزماتهم الاقتصادية وتمويل مشاريعهم العدوانية. وأشار إلى أن الرئيس الأمريكي يتجه عند كل أزمة اقتصادية إلى البلدان الخليجية للحصول على تريليونات الدولارات، ويتباهى بما يحصّله من أموال العالم الإسلامي لحل أزمات أمريكا الداخلية وتوفير الوظائف للأمريكيين. كما أوضح أن معظم أموال البنوك العربية والإسلامية وأرصدتها واستثماراتها مكدسة في أمريكا، بما يجعلها في خدمة الاقتصاد الأمريكي قبل أي طرف آخر.
ولفت إلى أن أرصدة البنك المركزي اليمني بالدولار ليست في صنعاء، بل في أمريكا، وأن الأمريكي والبريطاني يتحكمان بها، في صورة تعكس حجم الارتهان الاقتصادي الذي فُرض على البلد خلال العقود الماضية. كما حذر من وجود توجه لربط اقتصادات المنطقة، بما فيها التجارة والاتصالات والإنترنت والتصدير وحتى شحن النفط، بالعدو الصهيوني، تحت مظلة التطبيع، مع الحديث عن مشاريع بديلة لقناة السويس وممرات تمر عبر فلسطين المحتلة وتخضع للسيطرة الإسرائيلية، بما يعني أن التطبيع ليس مجرد موقف سياسي، بل بوابة لربط خيرات الأمة ومصالحها مباشرة بالعدو.
وفي البعد الصحي والغذائي، حذر الحوثي من أن الشركات الأمريكية والصهيونية تودع السموم القاتلة في المنتجات الغذائية والدوائية، وأن تحقيقات في أمريكا نفسها أثبتت أن الشركات الكبرى في الغرب تضع في منتجاتها الاستهلاكية مواد تضر بصحة الناس وتنشر الأمراض الفتاكة. واستحضر كذلك ما قال إنها شحنات قمح خضعت للإشعاع النووي قُدمت في مرحلة معينة على أنها مساعدات، ليؤكد أن الاعتماد على الأعداء في الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية يمثل خطراً مباشراً على الشعب اليمني. ومن هنا شدد على أن المقاطعة الاقتصادية ليست مجرد موقف احتجاجي، بل جزء من التحرر من سيطرة الأعداء، ولا يجوز إطلاقًا أن يكون اعتماد الأمة في غذائها ودوائها وضروريات حياتها على أعدائها.
وأكد الحوثي أن شعوبًا غير إسلامية باتت تعتبر الأمن الغذائي من أهم عناوين الأمن القومي، في حين أبقت السياسات الاقتصادية في العالم العربي والإسلامي شعوبها مرتهنة للخارج في كل احتياجاتها الأساسية. واعتبر أن المقاطعة يمكن أن تكون حافزًا للإنتاج المحلي، كما أنها ضرورة للأمن القومي والغذائي. وفي هذا السياق، لفت إلى أن هناك قائمة من 50 بلدًا يستورد منها تجار اليمن أشياء بسيطة جدًا يمكن تصنيعها محليًا بسهولة، حتى إن الصلصة، وهي من أبسط المنتجات الممكن إنتاجها محليًا بوفرة، لا تزال تُستورد من الخارج. وخلص إلى أن توجيه رؤوس الأموال نحو الداخل وتفعيل الإنتاج المحلي يمكن أن يصنع نهضة اقتصادية حقيقية، وأن الزراعة يجب أن تكون العمود الفقري للاقتصاد الوطني.
وفي المحصلة، رسم الحوثي معادلة متكاملة تربط بين الوحدة الوطنية، والهوية الإيمانية، والتحرر السياسي، والاستقلال الاقتصادي، معتبرًا أن الحفاظ على اليمن الموحد الحر لا ينفصل عن مواجهة الوصاية الخارجية، وكسر الارتباط الاقتصادي بالأعداء، وبناء اقتصاد وطني منتج يحفظ للشعب قراره وكرامته. وبهذا، فإن رسالته المركزية جاءت واضحة: الوحدة لا تُصان بالشعارات، بل بالهوية الجامعة والنهج التحرري والمقاطعة الواعية وبناء القوة الاقتصادية الوطنية.
