ذات صلة

الأكثر مشاهدة

السياسي الأعلى يرفع سقف الرد.. “جمعة التحذير والنفير” لمواجهة العدوان والحصار

أكد المجلس السياسي الأعلى أن الرد على العدوان السعودي...

واشنطن تكشف الغطاء الكامل للرياض.. دعم أمريكي صريح لأي عدوان سعودي جديد على اليمن

كشفت التصريحات الأمريكية الأخيرة بوضوح أن واشنطن لم تعد...

مفاوضات الحيص بيص.. مفاوضات سعودية بمنهجية إسرائيلية

 ليس من قبيل المصادفة العابرة، أن يتشابه الكيان السعودي...

ضربة واحدة غيّرت المعادلة

في لحظة فارقة من تاريخ الصراع مع قوى العدوان...

طهران تُمسك بخيارَي التفاوض والردع.. تقدم حذر في الوساطة الباكستانية وتحذير إيراني من “العقاب الكبير الثالث”

تتحرك الجمهورية الإسلامية الإيرانية على مسارين متوازيين في إدارة المواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها: مسار دبلوماسي يسعى إلى إنهاء الحرب عبر الوساطة الباكستانية، ومسار عسكري ردعي يؤكد أن أي حماقة أمريكية جديدة ستُواجَه بنسخة أشد وأوسع من المواجهة، مع تجهيزات مستحدثة وأهداف جديدة وتكتيكات قتالية مختلفة.

وفي الشق السياسي، كشفت وكالة تسنيم عن مصدر مقرب من فريق التفاوض أن المحادثات والمشاورات بشأن نقاط الخلاف لا تزال مستمرة، ولم يتم التوصل حتى الآن إلى نتيجة نهائية، موضحاً أن الوسيط الباكستاني يواصل تبادل الطروحات والموضوعات بين الطرفين. وبحسب المصدر، فإن التركيز الحالي ينصب بالكامل على مسألة إنهاء الحرب، وأن أي ملفات أخرى لن تُناقش قبل حسم هذه القضية الجوهرية. ورغم ذلك، أشار المصدر إلى أن بعض التقدم تحقق مقارنة بالفترات السابقة في عدد من الملفات، لكنه شدد في المقابل على أن أي اتفاق لن يرى النور ما لم يتم التوافق على جميع القضايا الخلافية.

هذا المسار التفاوضي المتدرج يعكس أن طهران لا تتعامل مع الوساطة باعتبارها باباً لتقديم التنازلات، بل منصة لفرض شروط إنهاء الحرب أولاً، ومن ثم الانتقال إلى بقية المسائل على أساس التكافؤ واحترام المصالح الإيرانية. وهو ما يكشف في الوقت ذاته أن الولايات المتحدة لم تنجح، حتى الآن، في فرض رؤيتها أو انتزاع اتفاق جزئي يخدم مصالحها العسكرية والسياسية.

وفي الميدان، رفعت إيران منسوب رسائلها الردعية بصورة لافتة، حيث نقلت تسنيم عن مصدر عسكري أن القوات المسلحة الإيرانية ترصد الأوضاع بدقة تامة، وأنها أعدت سيناريوهات جديدة للولايات المتحدة وحلفائها في حال ارتكبوا أي حماقة، تحت أي ذريعة كانت. وأكد المصدر أن أي عدوان جديد سيواجه بما سماه “النسخة الثالثة من المواجهة الإيرانية”، وهي نسخة ستتجلى ـ بحسب وصفه ـ على مستوى التجهيزات الجديدة، والأهداف المستحدثة، والتكتيكات والاستراتيجيات القتالية.

وتحمل هذه الرسالة دلالة واضحة: إيران لا تكتفي بإعادة إنتاج ردودها السابقة، بل تؤكد أنها انتقلت إلى مستوى جديد من التحضير والتطوير وإعادة تعريف بنك الأهداف وأسلوب الاشتباك. كما شدد المصدر على أن الولايات المتحدة تدرك جيداً أن طريق تحقيق أي تفوق أو انتزاع امتيازات عبر الخيار العسكري بات مغلقاً، وأنها، إذا تمادت في أطماعها أو اختلقت ذرائع للعدوان، فإنها ستتلقى “عقابها الكبير الثالث”.

وفي المسار الدولي، وجّهت البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة رسالة سياسية وقانونية حادة، أكدت فيها أن المطالب الأمريكية المفرطة تدفع معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية نحو الانهيار، معتبرة أن فشل مؤتمر مراجعة المعاهدة للمرة الثالثة على التوالي جاء نتيجة مباشرة لـ عرقلة الولايات المتحدة وحلفائها. وشددت البعثة على أنه من دون نزع السلاح النووي لا يمكن تصور أي مستقبل حقيقي لهذه المعاهدة، في موقف يفضح مجدداً ازدواجية المعايير الأمريكية التي تحاول محاصرة الآخرين تحت عنوان منع الانتشار، بينما تحمي الترسانات النووية لحلفائها وتتغاضى عنها.

وتعزز هذا الحراك السياسي والدبلوماسي عبر إعلان الخارجية الإيرانية أن وزير الخارجية عباس عراقجي بحث الليلة الماضية مع قائد الجيش الباكستاني الجهود والمبادرات الدبلوماسية الرامية إلى منع التصعيد وإنهاء الحرب، كما أجرى اتصالات مع نظرائه في تركيا وقطر والعراق لمناقشة التطورات الإقليمية والدولية. وهذا يكشف أن طهران لا تدير التفاوض في عزلة، بل ضمن شبكة اتصالات إقليمية نشطة تهدف إلى توسيع الدعم السياسي ومنع واشنطن من الانفراد برسم المشهد.

وفي رسالة أكثر مباشرة إلى دونالد ترامب، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية رضا طلائي إنه ليس أمام ترامب سوى تلبية مطالب إيران، وإلا فإنه سيتكبد مزيداً من الهزائم والخسائر. وهذه الصياغة تختصر المزاج الإيراني الراهن: لا استسلام، ولا قبول بالشروط الأمريكية، ولا رهان على التهديد، بل تثبيت معادلة مفادها أن الطريق الوحيد لتخفيف الخسائر الأمريكية يمر عبر الاعتراف بالحقائق الجديدة والانصياع لمنطق إنهاء الحرب لا توسيعها.

في المحصلة، تبدو طهران اليوم وهي تمسك بخيطين متكاملين: خيط التفاوض عبر الوساطة الباكستانية وما يحيط بها من حراك إقليمي، وخيط الردع الذي يلوّح بمرحلة أشد إيلاماً إذا اختارت واشنطن المغامرة مجدداً. وبين التقدم الحذر في المشاورات، والتحذير الإيراني الصريح من “العقاب الكبير الثالث”، تتكرس معادلة جديدة عنوانها: إما إنهاء الحرب وفق شروط عادلة ومتوازنة، أو مواجهة إيرانية ثالثة لن تكون شبيهة بما سبقها.

spot_imgspot_img