ذات صلة

الأكثر مشاهدة

حين يصبح الموقفُ الشعبي وقوداً للمعادلات

إنَّ المتأمل في مشهد "السبعين" لا يرى مجرد حشودٍ...

بين الروايتين الإيرانية والأمريكية.. تفاهم مؤقت مشروط بإنهاء الحرب وهرمز والعقوبات النووية في قلب الاشتباك

تكشف المعطيات المتداولة حول التفاهم المحتمل بين إيران والولايات المتحدة أن الطرفين لا يتحدثان عن اتفاق نهائي مكتمل، بل عن إطار مؤقت هشّ ما تزال تحيط به نقاط خلاف جوهرية، وفي مقدمتها الأصول الإيرانية المجمدة، والعقوبات النفطية، ومستقبل مضيق هرمز، والملف النووي. غير أن الفارق الأبرز بين الروايتين يكمن في أن الرواية الإيرانية تقدم التفاهم بوصفه مدخلاً لإنهاء الحرب وفرض التزامات أمريكية مسبقة، بينما تسعى الرواية الأمريكية إلى تصويره كآلية لاحتواء إيران ميدانياً وجرّها لاحقاً إلى تنازلات نووية تدريجية.

وبحسب ما نُقل عن الإعلام الإيراني، فإن طهران لم تقبل بأي إجراءات في المجال النووي في هذه المرحلة، وأن أي مذكرة تفاهم أولية تبقى مشروطة بالإفراج عن جزء على الأقل من الأصول الإيرانية المجمدة بصورة تضمن وصول إيران إليها فعلياً. ويعكس هذا الشرط حجم انعدام الثقة المتراكم لدى طهران، خاصة بعد تجارب سابقة رأت فيها أن الطرف الآخر يماطل في تنفيذ التزاماته، أو يحاول ربط الإفراج عن الأموال باتفاق نهائي أشمل لاحقاً. ولهذا، تصر إيران على أن يكون الإفراج الجزئي عن الأصول خطوة افتتاحية ملزمة، لا وعداً مؤجلاً.

كما تشير الرواية الإيرانية إلى أن من بين البنود المحتملة تعليق العقوبات النفطية خلال فترة المفاوضات، بما يسمح لإيران ببيع نفطها من دون القيود المعتادة في هذه المرحلة. وفي حال تثبيت هذا التفاهم، فسيجري أولاً الإعلان عن مذكرة تفاهم تؤكد إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، ثم تُمنح مهلة 30 يوماً لتنفيذ الإجراءات المرتبطة بالحصار البحري ومضيق هرمز، إلى جانب 60 يوماً للمفاوضات حول الملف النووي. ووفق هذا التصور، فإن إنهاء الحرب هو نقطة البداية، أما النووي فليس محل التزام إيراني مباشر في المرحلة الأولى.

الأهم في الطرح الإيراني هو ما يتعلق بـ مضيق هرمز. فالإعلام الإيراني يشدد على أن الوضع في المضيق لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب، حتى لو عادت أعداد السفن العابرة إلى مستويات ما قبل الحرب خلال ثلاثين يوماً. والمعنى هنا أن إيران تريد تثبيت معادلة واضحة: حرية المرور شيء، وعودة هرمز إلى الوضع السابق شيء آخر. فهي تؤكد أنها ستمضي في ممارسة سيادتها على المضيق بشتى الطرق، وأن أي تغيير في حركة الملاحة سيظل مرهوناً بتنفيذ الالتزامات الأمريكية الأخرى، وفي مقدمتها رفع الحصار البحري بالكامل خلال المهلة المحددة. وإلا، فلن يطرأ أي تغيير جوهري على واقع المضيق.

في المقابل، تقدم الرواية الأمريكية ـ كما نقلها موقع أكسيوس ـ الاتفاق المقترح بوصفه تفاهمًا مؤقتًا لمدة 60 يوماً قابلة للتمديد، يهدف إلى إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً من دون رسوم، مع التزام إيران بإزالة الألغام وضمان حرية الملاحة، مقابل تخفيف القيود على الموانئ الإيرانية ومنح إعفاءات تسمح بتصدير النفط. غير أن هذا الطرح يربط تخفيف العقوبات تدريجياً بوتيرة التزام إيران بإجراءات ميدانية محددة، ولا يمنحها إلغاءً فورياً أو شاملاً للعقوبات منذ البداية.

وعلى مستوى الملف النووي، تبدو الفجوة أكبر بين الروايتين. فبينما تصر الرواية الإيرانية على أن طهران لم تقبل أي إجراءات نووية في هذه المرحلة، تتحدث الرواية الأمريكية عن التزام إيراني بـ عدم تطوير أسلحة نووية، والانخراط في مفاوضات لتعليق تخصيب اليورانيوم والتخلص من المخزون عالي التخصيب. وهذا يكشف أن واشنطن تحاول منذ البداية أن تجعل من التفاهم المؤقت بوابة لانتزاع تنازلات نووية لاحقة، في حين تريد إيران حصر الاتفاق الأولي في وقف الحرب، وتخفيف الحصار، والإفراج عن الأموال المجمدة، قبل الانتقال إلى أي مسار آخر.

كما تتضمن الرواية الأمريكية بنوداً أخرى مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، إذ ستُبقي واشنطن قواتها التي عززتها خلال المرحلة المؤقتة، على أن يُنظر لاحقاً في سحبها ضمن تسوية شاملة. أما على الجبهة اللبنانية، فتقول الرواية الأمريكية إن التفاهم يشمل إنهاء المواجهات بين إسرائيل وحزب الله، مع منح “إسرائيل” حق الرد إذا حصل أي خرق من جانب حزب الله، في صيغة تعكس محاولة أمريكية واضحة لحماية السقف الإسرائيلي حتى داخل أي تفاهم أوسع.

وفي المحصلة، فإن جوهر الخلاف بين الروايتين يتمثل في الآتي:
إيران تريد تفاهمًا يبدأ بـ إنهاء الحرب، ورفع الحصار البحري، والإفراج الجزئي الملموس عن الأصول، وتعليق العقوبات النفطية، مع تثبيت سيادتها على هرمز.
أما الولايات المتحدة فتريد تفاهمًا يضمن فتح هرمز بشروط تشغيلية تخفف الضغط الدولي، ويمنح إيران بعض التنفس النفطي المؤقت، مقابل إدخالها تدريجياً إلى مسار تنازلات نووية وميدانية أوسع.

وهذا يعني أن التفاهم المحتمل، إن أُعلن، لن يكون نهاية الصراع، بل بداية جولة جديدة من شد الحبال حول تفسير البنود وآليات التنفيذ وأولويات كل طرف. فطهران تريد التزامات أمريكية ملموسة أولاً، بينما تريد واشنطن اختبار مرونة إيران أولاً. وبين هذين المنطقين، يبدو أن الاتفاق ـ إذا خرج إلى العلن ـ سيولد محاصراً بشروط متبادلة وألغام سياسية قد تنفجر عند أول خلاف على التنفيذ.

spot_imgspot_img