ذات صلة

الأكثر مشاهدة

حين يصبح الموقفُ الشعبي وقوداً للمعادلات

إنَّ المتأمل في مشهد "السبعين" لا يرى مجرد حشودٍ...

حين كان النفط يموّل التبعية عام 2014.. حين نهبت التبعية خبز الشعب واغتالت مشروع الدولة

كيف جرى التعامل مع الشعب/ قوة العمل في اليمن عام 2014، عندما كانت البلاد لا تزال دولة ذات سيادة وموازنة واحدة؟ هل كانت هذه الموازنة أداة لبناء قوى إنتاجية جديدة قادرة على فتح طريق تقدمي حقيقي للتطور، يلبي رغبة الشعب في الخروج من دائرة التخلف، أم أنها كانت مجرد آلية لإعادة إنتاج البنية الاقتصادية الاجتماعية التابعة والمتخلفة؟

تكشف أرقام موازنة 2014 عن أزمة عميقة؛ فالدولة كانت تعتمد على الريع(النفط والغاز) بنحو نصف مواردها العامة،، أما القطاعات الإنتاجية الحقيقية (الزراعة، الصناعة، التكنولوجيا)، فبقيت هامشية بعيدة عن اهتام الدولة بدون تمويل.

لم يكن الاقتصاد اليمني يستمد وجوده من توسع السوق الداخلية ونشاطه الإنتاجي الوطني كما يفترض، بل من مورد طاقي خام مرتبط عضويا بالسوق الرأسمالية العالمية وتقلبات أسعار الطاقة، ومرهون بالصراعات الداخلية، وفي الوقت نفسه كانت -ولازالت-البلاد تعتمد على الاستيراد بتلبية 90%من احتياجات الشعب من الغذاء والسلع المصنعة ومستلزمات الإنتاج.

وهكذا أدى النفط وظيفة تمويل الاستهلاك لا التراكم والنمو والتطور، ما جعله يعمق التبعية الاقتصادية لمتطلبات السوق العالمية ويأبد التخلف الانتاجي، بدلا من أن يكون قاعدة لاستيعاب البطالة والكفاءات، ومكافحة الفقر والتطرف والإرهاب والجريمة والاحتراب البيني.

من هنا نقف أمام التبعية المزدوجة التي تعكسها الموازنة، نحن نتحدث عن تبعية إنتاجية، أي تصدير مادة خام للحصول على النقد الأجنبي، و تبعية استهلاكية، أي استيراد كل ما هو ضروري للحياة.

لم تغير الثروة النفطية موقع اليمن في التقسيم الدولي للعمل؛ بل كانت تعيد إنتاج موقع اليمن التابع فقد ظلت البلد مصدر للطاقة، مستورد للصناعات والغذاء.

هذا الأمر يتجسد في هيكل الإنفاق العام، حيث هيمنة النفقات التشغيلية والجارية (أجور ورواتب، ونثريات تشغيل أجهزة الدولة الاجور تدفع للموظف ليشتري ما يستورد من لباس وطعام..الخ) مقابل تهميش النفقات الاستثمارية على اقامة مشاريع استثمارية تمتص أيدي عاملة جديدة وتلبي احتيجات قطاعات سكانية جديدة من الولادات والاطفال الذين يحتاجون للخدمات وتوسيع البنية التحتية في المدن،

ليست المسألة مجرد أرقام محاسبية، بل طبيعة العملية الاقتصادية-الاجتماعية التي تمولها الدولة؛ فالموازنة كانت تصرف على إعادة إنتاج المجتمع القائم وظروف حياته القاسية واستمرار خدمة النخبة المهيمنة الناهبة، لا على بناء مجتمع جديد وظروف حياة جديدة، إنها تعني استحالة التقدم الاقتصادي، لأن فائض القيمة المتاح يستهلك في الحفاظ على الحاضر، لا في بناء المستقبل.

الموازنة إذاً لم تكن مشروع تجاوز، بل إدارة أزمة، هي صورة مكثفة للأزمة المتراكمة، جرى توظيف الريع لشراء الاستقرار السياسي الاجتماعي المؤقت، بينما تراجع الاستثمار في القوى المنتجة الحقيقية: الزراعة، الصناعة، التكنولوجيا، التعليم الفني أي الأسس الحقيقية لخلق الاستقرار وتجنب الحروب الداخلية ومقاومة الضغوط الخارجية، فظل الاقتصاد عاجزا عن توليد قيمة جديدة، ومعتمدا على تدفق الريع والإعانات الخارجية،

وسياسيا، لم تعد الدولة اليمنية قادرة على أداء وظائفها التاريخية الدنيا: ضمان الاستقرار النسبي، وتوليد هوية وطنية جامعة، ومنع انزلاق المجتمع إلى دوامة الحروب والإرهاب والتبعية الخارجية. لقد كانت الدولة، حتى قبل انفجار الحرب، تتجه نحو فقدان شروط وجودها، فسلمت إرادتها لـ**”للدول العشر”**، حيث أصبح السفير السعودي والأمريكي والمبعوث الأممي هم السلطة الفعلية التي تدير ما تبقى من أجهزة الدولة.

لهذا، لا يكفي اليوم مجرد وقف لإطلاق النار، ولا تسوية سياسية جديدة، ولا حكومة وحدة وطنية على غرار ما حدث بعد 2011، هذه كلها حلول لإدارة الأزمة، لا لحل الأزمة.

نحن لسنا في حاجة إلى ترقيع للمشهد السياسي القديم واستيعاب اللاعبين الجدد، بل إلى بناء دولة جديدة، تقوم على مشروع اقتصادي-اجتماعي مغاير تماما: دولة في خدمة الشعب، لا في خدمة الريع والجهات الخارجية. دولة تمكن الإنسان من العيش الكريم، والرخاء، والكرامة، بما يتناسب مع سواعد أبنائها القادرة على العمل، وعقولهم القادرة على التفكير، وثرواتهم الكامنة، وموقعهم الجيوقتصادي المتميز، باختصار نحن بحاجة إلى مشروع للخروج من التبعية والتخلف، لا إلى ترتيبات لإعادة إنتاجهما.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقرير أنس القاضي

spot_imgspot_img