كشفت صحيفة “إسرائيل هيوم” العبرية أن الجيش الأمريكي بدأ بناء قاعدة ضخمة قرب حدود قطاع غزة، في خطوة تكشف انتقال واشنطن من موقع الداعم السياسي والعسكري للاحتلال إلى موقع الشريك المباشر في إدارة مشروع السيطرة على القطاع وإعادة هندسة واقعه الأمني والديمغرافي.
وبحسب الصحيفة، تُشيَّد القاعدة الأمريكية قرب القاعدة العسكرية الإسرائيلية في مستوطنة “ريم”، لتكون مقراً عسكرياً ومدنياً للمنظمات والقوات التي ستصل إلى المنطقة لتنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخاصة بغزة، وهي الخطة التي طُرحت تحت عناوين “إعادة الإعمار” و“السلام”، بينما تحمل في جوهرها مشروعاً استعمارياً يستهدف تصفية القضية الفلسطينية داخل القطاع.
وتعود خلفية المشروع إلى مقترح ترامب في فبراير 2025، حين تحدث عن سيطرة أمريكية على قطاع غزة، مترافقة مع تهجير نحو مليوني فلسطيني قسراً إلى مناطق مجاورة، ثم إعادة تطوير القطاع وتحويله إلى مركز للأعمال والسياحة عالية التقنية، فيما سماه ترامب آنذاك “ريفييرا الشرق الأوسط”.
ووفق الصحيفة، فإن القاعدة الجديدة ستُستبدل بالمنشأة الأمريكية القائمة في كريات جات، والتي أُنشئت بتوجيه من “مجلس السلام” التابع لترامب عقب وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، على أن تشمل القاعدة الجديدة برجاً مخصصاً لقيادة القوات ومراقبة العمليات ميدانياً.
وتشير المعطيات إلى أن الجيش الأمريكي بدأ فعلاً بطرح مناقصات على مقاولين من القطاع الخاص، تشمل توريد هياكل متنقلة لإيواء الأفراد والعمل كمقر قيادة مؤقت، إلى حين إنشاء مبانٍ دائمة، ما يؤكد أن المشروع تجاوز مرحلة التخطيط السياسي إلى مرحلة الترتيب الميداني واللوجستي.
كما تتحدث الخطة عن إمكانية استضافة قوات من قوات الأمن العراقية في حال تشكيلها، في حين كانت خمس دول قد وافقت سابقاً على إرسال قوات إلى غزة، هي إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا، غير أن الصحيفة أشارت إلى أن هذه الدول لا تبدو مستعدة حالياً لإرسال قوات، بسبب مخاوف من تكليفها بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية، إضافة إلى القلق من التصعيد الأمريكي الإسرائيلي مع إيران.
وتكشف هذه النقطة جوهر المأزق: فواشنطن تسعى إلى إنشاء مظلة أمنية دولية في غزة، لكنها تريد من الآخرين تحمل كلفة المواجهة مع المقاومة، بينما تدير هي المشروع من قاعدة عسكرية ملاصقة للقطاع وبالتنسيق الكامل مع وزارة الدفاع الإسرائيلية.
وبحسب الصحيفة، يجري التنسيق الكامل بين بناء القاعدة ووزارة الدفاع الإسرائيلية، ويتوقع مسؤولون عسكريون الانتهاء من تجهيزها خلال بضعة أشهر، بما يعني أن الاحتلال وواشنطن يتحركان لتثبيت أمر واقع جديد على حدود غزة، بالتزامن مع استمرار المحادثات بين حماس وإسرائيل عبر وسطاء في القاهرة.
ويأتي هذا التقرير بينما يواصل الاحتلال توسيع سيطرته داخل غزة، حيث تشير المعطيات إلى أنه قتل نحو 1000 فلسطيني منذ وقف إطلاق النار، ووسّع نطاق سيطرته على القطاع من 50% إلى 60% على الأقل، في مشهد يؤكد أن “وقف النار” لم يتحول إلى نهاية للعدوان، بل إلى غطاء لإعادة ترتيب الاحتلال بأدوات أمريكية وإسرائيلية جديدة.
وتفضح هذه الخطوة حقيقة ما يُسمى بـ “مجلس السلام”؛ فهو لا يعمل على منع الاستعمار أو حماية الفلسطينيين، بل يضع الشروط التي تبرر الهيمنة على غزة، ويعيد تدوير الرواية الإسرائيلية ذاتها التي استخدمت لتدمير القطاع وتهجير سكانه ومحاولة نزع سلاح مقاومته.
وتؤكد القاعدة الأمريكية الجديدة أن المشروع المطروح لغزة لا ينفصل عن مخطط أوسع: تحويل القطاع من أرض مقاومة إلى مساحة خاضعة للإدارة الأمنية الخارجية، وفتح الباب أمام ترتيبات تخدم الاستيطان والهيمنة، لا حق الفلسطينيين في العودة والسيادة وتقرير المصير.
