دخلت محادثات بورغنشتوك في سويسرا منعطفاً حاداً، بعدما غادر الوفد الإيراني مقرّ المفاوضات احتجاجاً على تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي توعّد فيها طهران على خلفية ملف مضيق هرمز، في خطوة قرأتها الأوساط السياسية باعتبارها رسالة إيرانية حاسمة بأن التفاوض تحت الضغط والتهديد لن يمرّ.
ورغم محاولة الجانب الأمريكي احتواء الموقف عبر نفي توقف المحادثات والتأكيد أن الوفد الإيراني لا يزال في بورغنشتوك، فإن المعطيات الميدانية والسياسية تشير إلى أن ما جرى لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل اختباراً جدياً لمعادلة التفاوض الجديدة التي تفرضها طهران: لا مفاوضات مفتوحة بينما يستمر العدوان على لبنان، ولا تهدئة في هرمز من دون كبح جماح الاحتلال الإسرائيلي.
وقالت مصادر إيرانية إن الوفد المفاوض غادر مبنى الاجتماعات إلى الفندق، بعد إبلاغ احتجاجه للجانب الأمريكي على تصريحات ترامب، معتبرة أن أي تهديد أمريكي جديد يمثل نقضاً صريحاً لروح مذكرة التفاهم التي يُفترض أنها جاءت لإنهاء الحرب ووقف التصعيد في مختلف الجبهات.
وبحسب وكالة “إيرنا”، فإن المفاوضات الرباعية بين إيران والولايات المتحدة، بحضور الوسيطين القطري والباكستاني، دخلت “منعطفاً صعباً” بعد نحو 80 دقيقة من المحادثات، عقب نشر ترامب رسالة وصفت بالمسيئة. وأكدت الوكالة أن الوفد الإيراني غادر مبنى المفاوضات بعد لقاء مع الوفد القطري، فيما بقي موجوداً في بورغنشتوك، وسط استمرار المشاورات لمحاولة إعادة المسار إلى وضعه السابق.
في المقابل، سارع مسؤول أمريكي كبير مشارك في المحادثات إلى نفي توقف المفاوضات، مؤكداً أن الوفد الأمريكي منخرط في اجتماعات متواصلة، وأن الوفد الإيراني لا يزال في مكان انعقاد القمة. وقال إن واشنطن تتوقع استمرار العمل طوال الليل، خصوصاً في الملفات الأكثر حساسية: مضيق هرمز، آليات منع التصعيد، وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، وعناصر الاتفاق النووي.
وتكشف هذه التصريحات حجم القلق الأمريكي من تحوّل الانسحاب الإيراني من القاعة إلى انهيار سياسي كامل للمسار، خصوصاً أن واشنطن تدرك أن ورقة هرمز لم تعد مجرد تهديد إعلامي، بل أصبحت أداة ضغط استراتيجية مرتبطة مباشرة بوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان وتنفيذ بنود التفاهم.
وفي هذا السياق، أكد مصدر قريب من فريق التفاوض الإيراني أن “مضيق هرمز لن يفتح دون كبح جماح إسرائيل في لبنان”، في موقف يربط بوضوح بين أمن الممرات البحرية وأمن جبهات المقاومة. كما شدد عضو في الوفد الإيراني على أن طهران بحثت خلال المفاوضات إنهاء الحرب في جميع الجبهات بما في ذلك لبنان، وأنها لن تنتقل إلى ملفات أخرى ما لم يتم وقف الحرب هناك.
وعلى خط الوساطة، تحركت قطر وباكستان لمحاولة إعادة المفاوضات إلى مسارها. وأفادت مصادر بأن وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي عقد اجتماعاً مع الوفد الإيراني في محاولة لإبقائه ضمن إطار المباحثات، فيما أكدت وكالة الأنباء الإيرانية أن الوسطاء يواصلون جهودهم وأن المشاورات لم تتوقف.
وتزامن هذا التصعيد الدبلوماسي مع مواقف إيرانية رفيعة عززت موقع الوفد المفاوض. فقد أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن جميع بنود مذكرة التفاهم تصب في مصلحة إيران، مشيراً إلى أن إنجازات التفاوض ستتضح لاحقاً، وأن نتنياهو كان أول من أبدى استياءه من مسار المفاوضات. كما شدد على أن طهران لن تتراجع عن حقها في تخصيب اليورانيوم، وأن الطرف المقابل بات مضطراً للاعتراف بهذا الحق.
وأضاف بزشكيان أن ترامب، الذي حاول سابقاً منع إيران من حقوقها، اعترف بها في خطابه الأخير، موضحاً أن الشرط الأمريكي الوحيد هو ألا تمتلك إيران قنبلة ذرية، وهو ما تؤكد طهران أنها لا تسعى إليه. كما كشف عن ترتيبات لإعادة 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة في قطر.
أما رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، فرفع سقف الرد السياسي والعسكري قائلاً إن طهران لا تعير التهديدات الأمريكية أهمية، مضيفاً أن القوات الإيرانية مستعدة للرد بطريقة أخرى إذا واصل الأمريكيون التصعيد. وقال بوضوح: “مهما أكثر الأمريكيون من الكلام فنحن من نتحرك وننفذ على أرض الواقع”.
وفي موازاة ذلك، وجّه قائد قوة القدس في الحرس الثوري اللواء إسماعيل قاآني رسالة مباشرة إلى جنود الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، مؤكداً أنهم تكبدوا خلال أيام قليلة خسائر كبيرة، ومحذراً من أن استمرار الاحتلال والعدوان سيقود إلى تكرار مشهد الهزيمة والاندحار كما حدث عام 2000.
وتشير مجمل المستجدات إلى أن مفاوضات بورغنشتوك لم تنهَر، لكنها لم تعد تسير وفق الإيقاع الأمريكي. فإيران تعاملت مع تهديد ترامب بوصفه خرقاً سياسياً لا يمكن تجاوزه بالصمت، وأرسلت عبر مغادرة القاعة رسالة واضحة: الميدان والبحر والملف النووي ولبنان باتت ملفات مترابطة، ولا يمكن لواشنطن أن تفاوض على بند وتتنصل من آخر.
وبينما تؤكد واشنطن استمرار المحادثات، وتعمل قطر وباكستان على ترميم المسار، تبدو طهران أكثر تمسكاً بمعادلة جديدة عنوانها: تنفيذ الالتزامات أولاً، وقف العدوان على لبنان أولاً، واحترام حقوق إيران أولاً. أما التهديدات الأمريكية، فقد تحولت من أداة ضغط إلى عامل كشف هشاشة الموقف الأمريكي أمام صلابة الوفد الإيراني وحضور أوراق القوة في الميدان.
