ذات صلة

الأكثر مشاهدة

الصحافة الأجنبية تقرأ اتفاق واشنطن وطهران: تراجع أمريكي وانتصار إيراني يربك إسرائيل ويعيد رسم موازين المنطقة

قدّمت الصحافة الأجنبية قراءات متقاطعة لاتفاق الولايات المتحدة وإيران، لكنها التقت عند خلاصة مركزية مفادها أن الاتفاق، الذي حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسويقه بوصفه “انتصاراً تاريخياً”، لم يحقق الأهداف الكبرى التي ذهبت واشنطن وتل أبيب إلى الحرب من أجلها، بل كشف حدود القوة الأمريكية، ورسّخ حضور إيران كطرف قادر على فرض شروطه من موقع الصمود لا الانكسار.

فالصحف الأمريكية والبريطانية والفرنسية رأت أن الاتفاق لم يكن نهاية نصر عسكري أمريكي، بل مخرجاً سياسياً من حرب مكلفة عجزت واشنطن عن حسمها. وبحسب هذه القراءات، فإن البرنامج النووي الإيراني لم يُدمّر، والمنظومة الصاروخية لم تُنزع، ونفوذ قوى المقاومة في المنطقة لم ينكسر، فيما تحولت ملفات لبنان ومضيق هرمز والعقوبات والأصول المجمدة إلى أوراق تفاوضية تمسك بها طهران بثبات.

نيويورك تايمز: الحرب لم تغيّر الكثير.. وإيران حوّلت هرمز إلى ورقة نفوذ

في قراءة لافتة، طرحت صحيفة نيويورك تايمز سؤالاً مباشراً: ما الذي تغيّر بعد نحو أربعة أشهر من الحرب؟ وجاءت الإجابة قاسية على واشنطن: “ليس الكثير”.

فالصحيفة اعتبرت أن الحرب لم تحقق أهدافها الجوهرية، إذ بقي البرنامج النووي الإيراني قائماً، وتأجل ملف الصواريخ الباليستية إلى جولات تفاوض لاحقة، كما أن قوى إيران الإقليمية بقيت فاعلة ومؤثرة في معادلات المنطقة.

الأهم في قراءة الصحيفة أن إيران نجحت في تحويل ما كان يُنظر إليه كملف تهديد إلى مصدر نفوذ استراتيجي، وتحديداً عبر مضيق هرمز، حيث أثبتت طهران قدرتها على التأثير في حركة الطاقة والأسواق العالمية، وفرضت على واشنطن التعامل مع أمن الممرات البحرية بوصفه ملفاً مرتبطاً بسلوك أمريكا وإسرائيل في المنطقة.

وبذلك، لم تعد واشنطن تفاوض إيران من موقع الإملاء، بل من موقع الحاجة إلى ضبط التصعيد ومنع انفجار الجبهات.

واشنطن بوست: ترامب خرج بأوراق ضغط أقل مما دخل به الحرب

أما واشنطن بوست، فقد ذهبت إلى أن ترامب أصبح بعد الحرب يمتلك أوراق ضغط أقل مما كان يملك قبلها. فطهران، التي راهنت واشنطن على إضعافها أو دفعها نحو الانهيار الداخلي، أثبتت قدرة على الصمود وإدارة المواجهة، حتى في ظل الضربات والخسائر السياسية والعسكرية الكبيرة.

وتشير الصحيفة إلى أن إيران لم تصمد فقط، بل كشفت أن بإمكانها إرباك الاقتصاد العالمي بمجرد التهديد بإغلاق مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز العالمية. وهذه النقطة تحديداً جعلت الاتفاق، في نظر الصحيفة، اعترافاً أمريكياً ضمنياً بأن الضغط العسكري لم يعد كافياً لإخضاع طهران.

كما توقفت الصحيفة عند الضغوط الداخلية التي يواجهها ترامب داخل معسكره الجمهوري، حيث يتهمه بعض المحافظين بأنه قدم تنازلات كبيرة لإيران مقابل وقف الحرب، في وقت تتصاعد فيه الأعباء الاقتصادية المرتبطة بالطاقة والتضخم.

نيوزويك: الصين الرابح الصامت من الحرب والاتفاق

من زاوية أخرى، رأت مجلة نيوزويك أن الصين خرجت رابحة من الحرب دون أن تطلق رصاصة واحدة. فبينما ظهرت الولايات المتحدة كقوة متسرعة تورط حلفاءها في حروب مكلفة، عززت بكين صورتها كقوة دولية تدعو للحوار وتحترم سيادة الدول.

وبحسب هذه القراءة، فإن الخلافات التي برزت بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين والخليجيين منحت الصين مساحة إضافية لتعزيز نفوذها، خصوصاً أن الحرب كشفت حدود القدرة الأمريكية على إدارة النظام الدولي من موقع القوة المنفردة.

وهنا يصبح الاتفاق الأمريكي الإيراني، في نظر الصحافة الغربية، ليس مجرد تسوية إقليمية، بل مؤشراً على تحوّل أوسع في ميزان القوة الدولي، حيث تتراجع قدرة واشنطن على فرض شروطها، فيما تصعد قوى منافسة تستثمر في أخطاء أمريكا الاستراتيجية.

الغارديان: نتنياهو هو الخاسر الأكبر

في الصحافة البريطانية، اعتبرت الغارديان أن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو هو الخاسر الأكبر من الاتفاق. فالرهان الإسرائيلي كان قائماً على جر الولايات المتحدة إلى حرب شاملة تُسقط النظام الإيراني أو تضرب قدراته لعقود، لكن النتيجة جاءت معاكسة: اتفاق أمريكي مع طهران لم يراعِ الأهداف الإسرائيلية الكبرى.

وترى الصحيفة أن نتنياهو دفع ثمن رهانه على القوة المفرطة، بعدما وعد بأن الحرب ستنهي التهديد الإيراني، فإذا بها تنتهي إلى اعتراف أمريكي بالحاجة إلى التفاوض مع إيران، وإلى إدخال وقف إطلاق النار في لبنان ضمن حسابات الاتفاق.

هذه النتيجة، بحسب الغارديان، قد لا تهدد مستقبل نتنياهو السياسي فقط، بل قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، أقل انضباطاً للمنطق التقليدي القائم على الدعم الأمريكي غير المشروط لتل أبيب.

الإندبندنت: الشرخ مع إسرائيل حقيقي لكنه لا يعني نهاية نفوذها في واشنطن

بدورها، قدّمت الإندبندنت قراءة أكثر تعقيداً، إذ رأت أن الخلاف بين ترامب ونتنياهو لا يعني انفصال واشنطن عن اليمين الإسرائيلي، لأن نفوذ هذا التيار متجذر داخل مؤسسات صنع القرار الأمريكية منذ عقود.

لكن الصحيفة تؤكد في الوقت نفسه أن الاتفاق مع إيران كشف حدود هذا النفوذ، خصوصاً بعدما أصبح استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان يهدد بنسف التسوية التي تحتاجها واشنطن للخروج من مأزق الحرب.

وهنا تبدو إسرائيل أمام خيارين صعبين: إما تحدي واشنطن والمخاطرة بتفجير الاتفاق، أو الرضوخ للضغط الأمريكي وخسارة جزء من هيبتها السياسية والعسكرية بعد فشل الحرب على إيران.

الصحافة الفرنسية: ترامب دفع ثمناً كبيراً.. وإيران هي المنتصر النهائي

أما الصحافة الفرنسية، فقد جاءت قراءتها أكثر حدة في توصيف المآلات. فقد رأت صحف مثل لوموند، لوفيغارو، ليبراسيون، لاكروا، إلى جانب صحيفة لوتان السويسرية، أن ترامب حاول بيع الاتفاق بوصفه إنجازاً، بينما الحقيقة أن الولايات المتحدة دفعت ثمناً سياسياً واستراتيجياً كبيراً.

واعتبرت هذه الصحف أن تباهي ترامب بإعادة فتح مضيق هرمز يحمل مفارقة واضحة، لأن أزمة هرمز لم تكن لتصل إلى هذا الحد لولا المغامرة العسكرية الأمريكية نفسها. وبمعنى آخر، فإن ترامب حلّ مشكلة ساهم في خلقها، ثم قدّم ذلك للرأي العام باعتباره نصراً.

كما ركزت الصحافة الفرنسية على أن الاتفاق أغفل القضايا الجوهرية: لم يُنزع السلاح الباليستي الإيراني، ولم يُكسر حزب الله، ولم يُنه نفوذ إيران الإقليمي، ولم تُحسم الملفات النووية المعقدة، بل جرى ترحيلها إلى مفاوضات تقنية تمتد لستين يوماً.

ليبراسيون: أمريكا ظهرت كقوة ترتجل أكثر مما تخطط

وقدمت ليبراسيون واحدة من أقسى القراءات، معتبرة أن الحرب أظهرت الولايات المتحدة كقوة تملك قدرات عسكرية هائلة، لكنها تعاني من أمية استراتيجية في إدارة الأزمات الكبرى.

فالصحيفة رأت أن ترامب اعتمد على الغريزة السياسية ونصائح الدائرة الضيقة، متجاهلاً تحذيرات مؤسسات الاستخبارات والدبلوماسية من الانزلاق إلى حرب لا يمكن ضمان نتائجها. وكانت النتيجة، وفق هذه القراءة، واحدة من أكبر الإخفاقات الاستراتيجية الأمريكية منذ عقود.

وتضيف الصحيفة أن الأخطر ليس فقط أن إيران صمدت، بل أنها أثبتت عملياً أن بإمكانها تهديد الاقتصاد العالمي عبر هرمز، وأن هذه الورقة ستبقى جزءاً من ترسانتها السياسية والعسكرية في أي مواجهة مقبلة.

لوفيغارو ولوتان: إسرائيل تدفع ثمن الفشل الأمريكي والإسرائيلي معاً

ركّزت لوفيغارو ولوتان على التداعيات الإسرائيلية للاتفاق، معتبرتين أن إسرائيل ستدفع الثمن الأكبر لهذا الفشل. فنتنياهو، الذي وعد جمهوره بالقضاء على التهديد الإيراني، وجد نفسه أمام اتفاق أمريكي يعيد إيران إلى طاولة التفاوض بوصفها طرفاً قوياً لا مهزوماً.

وترى هذه الصحف أن الهزيمة الاستراتيجية ستلاحق نتنياهو داخلياً، وقد تدفع حكومته إلى محاولة التعويض عبر تصعيد أكثر شراسة في غزة أو لبنان، لتغطية الإخفاق أمام إيران وإعادة ترميم صورة الردع الإسرائيلي المتضررة.

لكن هذا التصعيد، إن وقع، قد يصطدم بمعادلة جديدة فرضها الاتفاق: أن لبنان لم يعد ملفاً محلياً أو إسرائيلياً صرفاً، بل صار جزءاً من التفاهمات الأوسع بين واشنطن وطهران، ما يجعل أي مغامرة إسرائيلية هناك تهديداً مباشراً للمسار التفاوضي كله.

اتفاق أم هدنة مؤجلة؟

تجمع الصحف الأجنبية على أن الاتفاق ليس تسوية نهائية، بل هدنة سياسية وعسكرية مؤقتة تؤجل الملفات الكبرى إلى جولات تفاوض لاحقة. فالمدة المحددة بستين يوماً تكشف أن الأطراف لم تصل إلى حلول نهائية، بل إلى إطار يمنع الانفجار ويفتح الباب أمام مفاوضات أكثر صعوبة.

لكن الفارق الجوهري أن إيران تدخل هذه المرحلة من موقع أقوى مما كانت عليه قبل الحرب. فقد حصلت على اعتراف عملي بضرورة رفع الحصار، والإفراج عن أصول مجمدة، وفتح مسار لإعادة الإعمار، وربط وقف التصعيد في البحر بوقف العدوان في لبنان.

أما واشنطن، فتدخل المرحلة المقبلة مثقلة بثلاثة أعباء: ضغط داخلي على ترامب، توتر متصاعد مع إسرائيل، وتراجع في هيبة الردع الأمريكي بعد حرب لم تحقق أهدافها.

الخلاصة: الاتفاق يثبت معادلة جديدة في المنطقة

تكشف قراءة الصحف الأجنبية أن اتفاق واشنطن وطهران لم يكن انتصاراً أمريكياً كما أراد ترامب تصويره، بل كان اعترافاً بحدود القوة العسكرية أمام صمود الدولة الإيرانية ومحور المقاومة.

لقد خرجت إيران من الحرب وهي تمتلك أوراقاً تفاوضية أثقل: هرمز، لبنان، الصواريخ، النووي، والأصول المجمدة. وخرجت أمريكا وهي تحاول احتواء نتائج مغامرة عسكرية لم تمنحها نصراً، بل فتحت أمامها مأزقاً سياسياً معقداً.

أما إسرائيل، فوجدت نفسها أمام أخطر نتيجة: واشنطن لم تعد قادرة على خوض حرب مفتوحة من أجل أهداف نتنياهو، وإيران لم تعد دولة يمكن عزلها أو إخضاعها بسهولة.

وبذلك، فإن الاتفاق لا يعلن فقط نهاية جولة من الحرب، بل يفتح مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، عنوانها أن ميزان الردع لم يعد أمريكياً إسرائيلياً خالصاً، وأن محور المقاومة استطاع أن يفرض نفسه رقماً صعباً في معادلة الإقليم، من هرمز إلى لبنان، ومن طهران إلى ساحات المواجهة المفتوحة.

spot_imgspot_img