كشفت وسائل إعلام صهيونية عن دخول جيش الاحتلال مرحلة جديدة من القيود الميدانية في جنوب لبنان، بعد صدور تعليمات من القيادة السياسية والعسكرية تحدد حدود تحركه، في خطوة تعكس ضغطاً أمريكياً مباشراً على تل أبيب للالتزام بمذكرة التفاهم الأمريكية ـ الإيرانية، التي جعلت وقف الحرب في لبنان جزءاً أساسياً من مسار التهدئة الإقليمية.
وذكرت القناة 13 العبرية أن القيادة السياسية أصدرت لائحة جديدة تحدد نطاق عمل الجيش في جنوب لبنان، وتسمح له بالتحرك فقط داخل ما يسمى “الخط الأصفر” بهدف صد التهديدات المباشرة، مع حظر تنفيذ عمليات في مناطق بعيدة مثل بيروت وصور، وهو ما يعني عملياً تقليص حرية الحركة التي ظل الاحتلال يتحدث عنها طوال الأشهر الماضية.
ونقلت القناة عن مسؤول صهيوني رفيع قوله إن الرسالة التي وصلت من الأمريكيين خلال الأسابيع الأخيرة كانت واضحة: “لقد كان لكم الحق في العمل دون قيود، وقد انتهى ذلك”. وتعكس هذه العبارة تحولاً لافتاً في الموقف الأمريكي، إذ لم تعد واشنطن مستعدة لمنح تل أبيب تفويضاً مفتوحاً في لبنان، بعدما بات الملف اللبناني مرتبطاً بحسابات أوسع تشمل إيران، ومضيق هرمز، وأسعار الطاقة، والمسار الدبلوماسي الذي تريد إدارة ترامب تثبيته.
وتتعارض هذه القيود مع تصريحات سابقة لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي زعم أن الجيش الإسرائيلي يتمتع بحرية كاملة للعمل في ما يسميه “القطاع الأمني” جنوب لبنان. غير أن التعليمات الجديدة تكشف أن هذه الحرية لم تعد قائمة، وأن واشنطن بدأت تفرض سقفاً عملياً على الحركة الإسرائيلية.
وفي السياق نفسه، أفادت صحيفة “نيويورك تايمز”، نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين، بأن القيادة العسكرية أصدرت أوامر تقضي بحصر العمليات في لبنان ضمن إطار دفاعي فقط، ومنع القوات من المبادرة بإطلاق النار إلا في حال وجود تهديد مباشر، أو بعد الحصول على إذن خاص من رئاسة أركان الجيش.
كما شملت التعليمات منع إطلاق النار التحذيري تجاه المدنيين العائدين إلى جنوب لبنان إلا إذا اقتربوا من الجنود، وحظر استهداف المنازل أو تدمير البنية التحتية داخل ما يسمى “المنطقة الأمنية” دون موافقة قيادات عسكرية عليا. وتكشف هذه الإجراءات أن الاحتلال بات يعمل تحت رقابة وضغط أكبر، في محاولة لتقليص الاحتكاك الميداني ومنع انهيار وقف إطلاق النار الهش مع حزب الله.
وتأتي هذه التطورات وسط تباين واضح بين واشنطن وتل أبيب بشأن الملف اللبناني. فوفق صحيفة “معاريف”، تنظر الولايات المتحدة إلى جنوب لبنان ضمن سياق إقليمي أوسع، يشمل مضيق هرمز وأسعار الطاقة والملف النووي الإيراني، إضافة إلى حاجة ترامب لتحقيق إنجاز دبلوماسي. في المقابل، ترى إسرائيل أن أي انسحاب مبكر من مناطق في جنوب لبنان قد يُقرأ كدليل ضعف و “مكافأة لحزب الله”.
وبالتوازي، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن قرار الجيش تسريح “فرق التأهب” في بلدات الشمال اعتباراً من الأسبوع المقبل، ضمن انتقاله إلى سياسة دفاعية وصفتها القناة 12 بأنها “روتينية بالكامل”. وتشمل الخطوة إنهاء عمل آلاف العناصر الذين كانوا يشكلون خط استجابة أولياً في المستوطنات الحدودية، في مؤشر إضافي على تغير التقدير الأمني بعد وقف إطلاق النار.
ورغم ذلك، يواصل قادة الاحتلال، وفي مقدمتهم نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير، التأكيد على رفض الانسحاب من ما يسمونه “المنطقة الأمنية” في لبنان، فيما صعّد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بدعوته إلى “إحراق لبنان”، ما يعكس حجم الانقسام داخل حكومة الاحتلال بين الضغط الأمريكي الداعي إلى ضبط التصعيد، وجناح اليمين المتطرف الذي يدفع نحو مواصلة الحرب.
في المقابل، أكد الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم أن أي وقف لإطلاق النار يمنح إسرائيل حرية الحركة العسكرية هو استمرار للعدوان، مشدداً على أن المقاومة ستتعامل مع أي خرق بما تراه مناسباً. ويعكس هذا الموقف رفض المقاومة تحويل وقف النار إلى غطاء لتكريس الاحتلال أو فرض مناطق عازلة في الجنوب.
وتؤكد المعطيات أن الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني لم يبقَ محصوراً بين واشنطن وطهران، بل بدأ يفرض نفسه مباشرة على الجبهة اللبنانية. فتل أبيب التي كانت تتحدث عن “حرية العمل” وجدت نفسها أمام قيود أمريكية واضحة، بينما بات استمرار الاحتلال أو توسيع العمليات في لبنان اختباراً لمسار التهدئة الإقليمية كله.
وبذلك، يبدو الاحتلال أمام معادلة صعبة: لا يستطيع التحرك بحرية كما كان يفعل سابقاً، ولا يستطيع الانسحاب من دون كلفة سياسية داخلية، ولا يمكنه خرق وقف النار بصورة واسعة من دون الاصطدام بالضغط الأمريكي وبرد المقاومة. أما لبنان، فقد تحوّل من ساحة مفتوحة أمام العدوان إلى ملف إقليمي حساس، تمسك المقاومة فيه بمعادلة ردع واضحة، وتراقبه واشنطن خشية تفجير المسار التفاوضي مع إيران.
