تتحرك السعودية وحلفاؤها على وقع قلق متصاعد من انتقال صنعاء من مرحلة التحذير السياسي إلى مرحلة الفعل الميداني الواسع، بعد تصاعد الحراك الشعبي والقبلي والعسكري في المحافظات الحرة استجابة لدعوة قائد أنصار الله، السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، لكسر الحصار وانتزاع الحقوق وإنهاء الاحتلال. وفي هذا السياق، دفعت الرياض بمسار أممي وبريطاني لمحاولة احتواء التصعيد المحتمل، في مؤشر واضح على أن رسائل صنعاء وصلت، وأن معادلة “اللا سلم واللا حرب” لم تعد قابلة للاستمرار.
واستقبل نائب وزير الخارجية في صنعاء، عبد الواحد أبو راس، المستشار العسكري للمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، أنتوني هايورد، لبحث المستجدات الوطنية والإقليمية، في لقاء حمل رسائل مباشرة إلى الرياض وتحالف العدوان بأن صنعاء لن تقبل بتمديد حالة المراوحة، ولن تسمح بتحويل الهدنة إلى غطاء لاستمرار الحصار والتجويع وإغلاق المنافذ.
وأكد أبو راس للوفد الأممي أن حالة “اللا سلم واللا حرب” لن تستمر إلى ما لا نهاية، وأن الوقت قد حان لتحقيق سلام فعلي من خلال جلوس السعودية إلى طاولة التفاوض لتنفيذ خارطة الطريق المتفق عليها، لا الاكتفاء بإدارة الأزمة عبر الوعود والضغوط والالتفاف على الاستحقاقات الإنسانية والاقتصادية.
وتأتي هذه الرسالة في توقيت حساس، إذ تشهد صنعاء والمحافظات الحرة حالة تعبئة شعبية وعسكرية واسعة، وتحركات قبلية متصاعدة تعلن الجهوزية لإسناد القوات المسلحة في أي خيارات قادمة تستهدف كسر الحصار، دفع المرتبات، فتح مطار صنعاء، رفع القيود عن الواردات، واستعادة الثروات المنهوبة. وهي ملفات لم تعد صنعاء تتعامل معها كمطالب تفاوضية مؤجلة، بل كحقوق سيادية وإنسانية لا تقبل الابتزاز.
وحذر نائب وزير الخارجية من أن القراءات الخاطئة للتطورات الإقليمية كانت سبباً في عرقلة مسار السلام، في إشارة إلى رهان السعودية وحلفائها على تبدلات إقليمية قد تضعف موقف صنعاء أو تفتح الباب لإعادة إنتاج الحرب الاقتصادية والسياسية ضد اليمن. غير أن صنعاء، وفق هذا الموقف، ترى أن تلك الرهانات سقطت، وأن استمرار المماطلة قد يؤدي إلى تفجير الوضع العسكري من جديد بما يحمله ذلك من تداعيات لن تبقى محصورة داخل اليمن، بل ستنعكس على المنطقة والعالم.
وشدد أبو راس على ضرورة إنهاء التصعيد في الملف الإنساني، ورفع القيود المفروضة على الواردات، وإنهاء إغلاق مطار صنعاء الدولي، وهي نقاط تمثل جوهر الصراع في هذه المرحلة. فصنعاء تعتبر أن أي حديث عن السلام لا يبدأ من رفع الحصار ومعالجة الملف الإنساني والاقتصادي هو مجرد محاولة لشراء الوقت وإبقاء الشعب اليمني تحت الضغط.
ورغم لهجة التحذير، جددت صنعاء التزامها بمسار السلام وتنفيذ اتفاقيات ستوكهولم، بما في ذلك اتفاق الحديدة، مؤكدة تقديم التسهيلات اللازمة لاستكمال انتقال مهام بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة “أونمها” إلى مكتب المبعوث الخاص. وهذا الموقف يعكس أن صنعاء لا تغلق باب السلام، لكنها ترفض أن يكون السلام غطاءً لاستمرار الحصار والاحتلال ونهب الثروات.
وفي خط موازٍ، دفعت السعودية ببريطانيا إلى الواجهة في محاولة لنزع فتيل التوتر مع صنعاء، حيث عقدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبده شريف، لقاءً مع المبعوث الأممي هانس غروندبرغ في العاصمة السعودية، لبحث ما قيل إنه دفع لعملية السلام في اليمن. غير أن توقيت اللقاء، المتزامن مع تصاعد رسائل صنعاء وتحركاتها العسكرية والشعبية، يكشف أن المسألة تتجاوز البحث الدبلوماسي التقليدي، إلى محاولة سعودية ـ بريطانية لاحتواء قلق متزايد من انهيار الهدنة الهشة.
وتحمل بريطانيا ما يسمى “القلم اليمني” في مجلس الأمن، ولعبت خلال السنوات الماضية أدواراً في مسارات التهدئة، أبرزها اتفاق ستوكهولم في الحديدة. غير أن عودتها إلى المشهد في هذا التوقيت تعكس إدراكاً غربياً بأن صنعاء أصبحت أكثر استعداداً لاستخدام أوراقها العسكرية والسيادية إذا استمر تحالف العدوان في المماطلة ورفض تنفيذ التزامات السلام.
وتكشف هذه التحركات أن الرياض باتت تدرك جدية المرحلة الجديدة. فالدعوة التي أطلقها السيد عبد الملك الحوثي لم تعد مجرد خطاب سياسي، بل تحولت إلى مسار تعبوي واسع، شمل القبائل والقوى الشعبية والمؤسسات الرسمية وقوات التعبئة العامة، بما يعني أن صنعاء تتهيأ لمرحلة قد تتجاوز الضغط السياسي إلى فرض الحقوق بالقوة إذا فشلت الوساطات في إلزام السعودية بخطوات عملية.
وفي المقابل، تحاول السعودية عبر الأمم المتحدة وبريطانيا تفادي كلفة التصعيد دون دفع استحقاقات السلام كاملة. فهي تخشى أن يؤدي انفجار الجبهة اليمنية إلى إعادة فتح ملفات حساسة، في مقدمتها أمن العمق السعودي، الممرات البحرية، المنشآت الحيوية، وموقع الرياض الإقليمي، خصوصاً في ظل معادلات إقليمية جديدة أظهرت تراجع قدرة واشنطن وحلفائها على فرض شروطهم بالقوة.
وتنظر صنعاء إلى هذه التحركات باعتبارها دليلاً على أن الضغط الشعبي والعسكري بدأ يحقق أثره، وأن تحالف العدوان لم يعد يتعامل مع مطالب اليمنيين باعتبارها قابلة للتجاهل. فالرياض التي عطلت خارطة الطريق وواصلت ربط الملف الإنساني بالحسابات السياسية، تجد نفسها اليوم أمام معادلة واضحة: إما تنفيذ التزامات السلام، أو مواجهة مرحلة تصعيد قد لا تستطيع احتواء نتائجها.
كما أن الرسائل الصادرة من صنعاء لا تنفصل عن التطورات الإقليمية الأوسع. ففشل رهانات العدوان على إضعاف محور المقاومة، وتغير موازين الضغط في المنطقة، وتراجع الاندفاعة الأمريكية والإسرائيلية أمام إيران ولبنان وفلسطين، كلها عوامل تعزز موقف صنعاء وتدفعها إلى رفع سقف مطالبها من موقع قوة، لا من موقع انتظار أو مراهنة على حسن نوايا الخصوم.
وفي البعد العسكري، تبدو صنعاء حريصة على إبقاء خيار القوة حاضراً دون إغلاق باب الوساطة. وهذه سياسة مزدوجة تقوم على السلام المشروط بالحقوق، والردع الجاهز عند استمرار الحصار. فالقوات المسلحة اليمنية وقوات التعبئة العامة والحاضنة القبلية والشعبية تشكل اليوم كتلة ضغط متقدمة، قادرة على تحويل أي قرار سياسي إلى فعل ميداني واسع إذا استمرت السعودية في تعطيل خارطة الطريق.
ومن هنا، فإن زيارة الوفد الأممي والتحرك البريطاني لا يعكسان قوة الموقف السعودي بقدر ما يكشفان هشاشته. فالرياض لا تتحرك لأنها ترغب في السلام بقدر ما تتحرك لأنها تخشى نتائج تجاهله. وهي تدرك أن صنعاء لم تعد تقبل البقاء في منطقة رمادية، حيث لا حرب تنهي الحصار، ولا سلام يرفع المعاناة.
وتؤكد صنعاء، في المقابل، أنها قدمت ما يكفي لإثبات الجدية في مسار السلام، والتزمت باتفاقيات التهدئة، وسهّلت عمل الأمم المتحدة في الحديدة، لكنها ترى أن الطرف الآخر استخدم الهدنة لتمديد الحصار وإدارة الأزمة بدل حلها. ولهذا باتت معادلة المرحلة أوضح من أي وقت مضى: لا سلام بلا حقوق، ولا تهدئة بلا رفع حصار، ولا استقرار مع استمرار الاحتلال ونهب الثروات.
وفي المحصلة، يكشف التحرك السعودي عبر الأمم المتحدة وبريطانيا حجم القلق من قرار صنعاء القادم. فالرياض تدرك أن استمرار تجاهل مطالب الشعب اليمني قد يدفع إلى مرحلة جديدة تفرض فيها صنعاء حقوقها بقوة الميدان، مستندة إلى التفاف شعبي وقبلي واسع، وقدرات عسكرية راكمتها خلال سنوات العدوان والحصار.
وبذلك، تدخل الأزمة اليمنية منعطفاً حاسماً: إما أن تختار السعودية طريق السلام الحقيقي عبر تنفيذ خارطة الطريق، ورفع الحصار، وفتح مطار صنعاء، ومعالجة الملف الاقتصادي والإنساني، أو أن تتحمل تبعات انفجار عسكري جديد ستكون كلفته أكبر من كل جولات التصعيد السابقة. أما صنعاء، فتبدو اليوم أكثر وضوحاً وحزماً: زمن المماطلة انتهى، ومرحلة انتزاع الحقوق بدأت.
