لوّح المجلس الانتقالي الجنوبي، أبرز القوى الجنوبية الموالية للتحالف، بفتح مسار سياسي مختلف في مواجهة السعودية، بعد تصاعد الخلافات بين الطرفين ووصولها إلى مرحلة غير مسبوقة من التوتر، في خطوة قرأها مراقبون كمؤشر على احتمال توجه المجلس نحو التقارب مع صنعاء لمواجهة ما بات يُنظر إليه جنوباً باعتباره “وصاية سعودية” على القرار السياسي والعسكري والاقتصادي.
وأصدرت الهيئة السياسية للمجلس الانتقالي بياناً حاداً ضد الرياض، أكدت فيه أن المجلس لن يرضخ لما وصفته بالحرب السعودية عليه سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، متوعدة بعدم السماح لـ “سلطة الأمر الواقع السعودية” بفرض إملاءاتها على المجلس أو على أبناء المحافظات الجنوبية.
وجاء بيان الانتقالي في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع رفع صنعاء مستوى خطابها وتحركاتها الشعبية والعسكرية ضد السعودية، ضمن مسار كسر الحصار وانتزاع الحقوق وإنهاء الاحتلال، ما جعل موقف الانتقالي يبدو كأنه محاولة للتموضع في لحظة إقليمية ويمنية جديدة بدأت فيها الرياض تواجه ضغوطاً متزامنة من أكثر من اتجاه.
ومع أن المجلس الانتقالي ظل خلال السنوات الماضية جزءاً من منظومة التحالف، فإن البيان الأخير حمل لهجة تصعيدية غير مسبوقة ضد السعودية، خصوصاً في ظل ما يصفه أنصاره بحرب سعودية واسعة تستهدف إضعاف المجلس وإعادة ترتيب المشهد الجنوبي بما يخدم أدوات الرياض داخل ما يسمى “شرعية التحالف”.
وتزامن البيان مع تظاهرات جنوبية رافضة لما يُعرف في الشارع الجنوبي بـ “الوصاية السعودية”، وسط تصاعد الغضب الشعبي من تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية في عدن وبقية المحافظات الواقعة تحت سيطرة التحالف، حيث يحمّل ناشطون وسياسيون جنوبيون الرياض مسؤولية الانهيار الاقتصادي والكهربائي وتفكيك القرار المحلي.
وتشير مواقف صدرت عن بعض قيادات الانتقالي خلال الفترة الأخيرة إلى وجود رغبة في فتح نافذة حوار مع صنعاء، باعتبار أن الطرفين باتا يواجهان خصماً مشتركاً يتمثل في الهيمنة السعودية على القرار اليمني، وإن اختلفت حساباتهما السياسية ومشاريعهما المحلية.
وفي هذا السياق، يبدو تلويح الانتقالي بعدم الرضوخ للسعودية محاولة لإعادة تعريف موقعه داخل معادلة الجنوب، بعد سنوات من الارتهان لتحالف لم يمنحه الدولة التي وعد بها، ولم يوفر للمحافظات الجنوبية استقراراً سياسياً أو اقتصادياً، بل أدخلها في دوامة صراع نفوذ بين الرياض وأبوظبي وأدواتهما المحلية.
أما بالنسبة لصنعاء، فإن تصاعد الخلاف بين السعودية والانتقالي يكشف هشاشة البنية التي بناها تحالف العدوان في المناطق المحتلة، ويؤكد أن القوى التي استخدمتها الرياض خلال سنوات الحرب بدأت تشعر بأن استمرار التبعية لها لم يعد يوفر مكاسب سياسية ولا حماية شعبية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تدفع فيه صنعاء نحو مرحلة جديدة لكسر الحصار وانتزاع الحقوق، مستندة إلى تعبئة شعبية وقبلية واسعة، وإلى موقف رسمي يؤكد أن حالة “اللا سلم واللا حرب” لن تستمر إلى ما لا نهاية. وهذا التحول يضع السعودية أمام مأزق مضاعف: ضغط صنعاء من جهة، وتململ أدواتها الجنوبية من جهة أخرى.
ويرى مراقبون أن أي تقارب محتمل بين الانتقالي وصنعاء، حتى لو بقي في حدوده السياسية أو الإعلامية، سيشكل ضربة معنوية كبيرة للتحالف، لأنه يعني أن القوى التي راهنت عليها السعودية والإمارات لتفكيك الجبهة اليمنية قد تبدأ بالبحث عن خيارات بديلة خارج عباءة الرياض.
