ذات صلة

الأكثر مشاهدة

تصعيد خطير في هرمز.. عدوان أمريكي يستهدف جزيرة لارك والحرس الثوري يتوعد بالرد

شهدت منطقة مضيق هرمز، مساء الأحد، تصعيداً عسكرياً جديداً...

طهران تُفعّل مسار ما بعد الحرب.. تشدد في تنفيذ التفاهم، وسيادة أوضح على هرمز، وتمسك بالأموال المجمدة

تتحرك إيران في مرحلة ما بعد الحرب على مسارين متوازيين: تشديد سياسي ودبلوماسي في ملف تنفيذ مذكرة التفاهم، وترسيخ عملي لسيادتها على مضيق هرمز، في وقت تؤكد فيه أن أي استقرار إقليمي لن يكون ممكناً ما لم يلتزم الطرف المقابل بتعهداته، وما لم تُنجز الملفات العالقة، وفي مقدمتها الأموال الإيرانية المجمدة وآليات إدارة الممرات الحيوية في الخليج. وتشير المعطيات الصادرة يوم 29 يونيو 2026 إلى أن طهران لا تتعامل مع التهدئة باعتبارها نهاية للأزمة، بل باعتبارها مرحلة اختبار للالتزام المقابل، مع احتفاظها بخيارات الرد والإجراءات الحاسمة إذا استمرت الخروقات.

وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ارتكبا انتهاكات متكررة لمذكرة تفاهم إسلام آباد، ولا سيما ما يتعلق بالبند الأول، معتبراً أن هذه الخروقات تعرقل استعادة أمن المنطقة وتؤكد أن العدوان على إيران لم يكن موجهاً ضدها وحدها، بل ضد الإقليم بأسره. وفي المقابل، شدد عراقجي على أن طهران ما تزال ملتزمة بحسن نية بمبدأ “الالتزام مقابل الالتزام”، لكنها ستتخذ إجراءات حاسمة حيال أي خرق جديد، في رسالة واضحة بأن إيران لا تنظر إلى التفاهم بوصفه منحة سياسية، بل التزاماً متبادلاً يجب أن يُنفذ بصورة دقيقة ومتوازنة. وتشترك مصادر إيرانية ودولية في الإشارة إلى أن مسار التنفيذ ما يزال هشاً، وأن الخلافات المتعلقة بالضربات الأخيرة وبالترتيبات الفنية لا تزال تضغط على الاتفاق.

وفي البعد الإقليمي، أعادت طهران طرح رؤيتها الأمنية القائمة على توافق دول المنطقة بعيداً عن الوجود العسكري الأجنبي، معلنة استعدادها للحوار مع الدول المطلة على الخليج من أجل إنشاء آلية للأمن الجماعي. ويعكس هذا الطرح محاولة إيرانية لنقل النقاش من مربع الردع العسكري وحده إلى إعادة ترتيب بيئة الأمن الخليجي، على قاعدة أن القوى الأجنبية كانت، من منظور طهران، جزءاً من أصل الأزمة لا جزءاً من حلها. وفي هذا الإطار، برزت سلطنة عمان مجدداً كقناة محورية، بعدما عُقد في مسقط أول اجتماع للجنة هرمز المشتركة بين الجانبين الإيراني والعماني، برئاسة نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي والمسؤول العماني عبدالعزيز الهنائي، لبحث الإدارة المستقبلية لمضيق هرمز وحقوق الدول المشاطئة وفق الترتيبات المنبثقة عن التفاهم.

ويتضح من هذه التحركات أن إيران تمضي نحو تقنين سيادتها الميدانية والسياسية على هرمز ضمن صياغة تفاهمية مع عُمان وبقية الدول الساحلية، لا سيما بعد تأكيد مساعد وزير الخارجية الإيراني أن الاجتماع الأول للجنة المشتركة تناول الإدارة المستقبلية للمضيق في ضوء مذكرة التفاهم وحقوق الدول المشاطئة. وفي الوقت نفسه، شددت طهران على أن إزالة الألغام من مضيق هرمز ستكون مهمة إيرانية خالصة، وأنها لن تسمح لأي دولة أخرى بالمشاركة فيها من حيث المبدأ، محذرة فرنسا من أي خطوات أو استفزازات قد تضيف تعقيداً إلى وضع تعتبره طهران حساساً ومعقداً. وهذا الموقف لا يعكس فقط تشدداً فنياً، بل يحمل دلالة سياسية أعمق مفادها أن إيران تريد تثبيت مبدأ أن إدارة هرمز الأمنية والعملياتية تمر عبرها حصراً، لا عبر تدخلات دولية لاحقة.

وعلى الصعيد الميداني الملاحي، أفادت تقارير إيرانية بأن حركة العبور في المضيق مستمرة لكن بصورة محدودة، وأن معظم عمليات المرور تتم عبر الممر الإيراني الذي حددته طهران، في ظل تراجع الملاحة بعد الهجمات التي طالت ناقلتين قرب المضيق خلال الأيام الماضية. كما أعلن التلفزيون الإيراني أن بحرية حرس الثورة أبلغت السفن بأن الملاحة في الخليج وهرمز يجب أن تمر من جنوب جزيرة لارك، وأن الإبحار خارج هذا المسار سيكون “خطيراً للغاية وغير مقبول”. هذا التطور يعني عملياً أن إيران انتقلت من سياسة التلويح بورقة هرمز إلى ممارسة إدارة فعلية لحركة العبور داخله، في محاولة لفرض وقائع جديدة تعكس موازين القوة التي خرجت بها من الحرب.

وفي الجانب السياسي الداخلي، عكست تصريحات نائب الرئيس الإيراني محمد رضا عارف قناعة متزايدة داخل طهران بأن المرحلة الحالية لن تُحسم باتفاق أو وقف إطلاق نار فقط، بل تحتاج بالتوازي إلى تعزيز مستمر للقدرات الدفاعية. ويعني ذلك أن إيران لا ترى في التهدئة الراهنة بديلاً عن رفع الجهوزية، بل تعتبر أن مسار الردع العسكري يجب أن يستمر إلى جانب الجهد الدبلوماسي، بما يضمن عدم تكرار الحرب أو العودة إلى معادلات ما قبلها. هذا التقدير ينسجم مع المواقف الإيرانية الأوسع التي تعتبر أن الهدنة الحالية هشة، وأن نجاحها مشروط بوجود توازن ردع ثابت لا بمجرد تفاهمات مكتوبة.

أما في ملف الأموال الإيرانية المجمدة، فقد أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن 6 مليارات دولار من أصل 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية في قطر يجب الإفراج عنها، في ما يبدو أنه أحد العناوين الأساسية التي تربطها طهران بمسار تنفيذ مذكرة التفاهم. كما أكدت الخارجية الإيرانية أن وفداً إيرانياً سيزور الدوحة لمتابعة تنفيذ البنود، وخصوصاً ملف الأموال المجمدة، مع التشديد في الوقت نفسه على أن لا اجتماعات تفاوضية ستُعقد مع الجانب الأمريكي في الأيام المقبلة، وأن زيارة أي ممثلين أمريكيين إلى قطر لا علاقة لها بالزيارة الإيرانية. ويعكس هذا الموقف إصراراً إيرانياً على الفصل بين متابعة التنفيذ وبين استئناف التفاوض السياسي المباشر، بما يمنع واشنطن من تحويل ملفات التنفيذ إلى منصة جديدة لإعادة فتح التفاوض بشروط مختلفة.

وفي الإطار ذاته، أوضح مسؤولون إيرانيون أن المشاورات الفنية الخاصة بلجان العمل ما تزال مستمرة عبر الدول الوسيطة، لكن لم يُخطط لعقد الاجتماعات الفنية هذا الأسبوع، كما لم يتم تأكيد ما تردد عن محادثات فنية مرتقبة في الدوحة. وبحسب هذه المعطيات، فإن الجولة الأولى من المحادثات الفنية ستُعقد فقط عندما تتوافر الظروف المناسبة ويتم الاتفاق على التاريخ والمكان. وتنسجم هذه الرسالة مع حرص طهران على إظهار أنها لا تتعجل العودة إلى الطاولة، بل تضع الأولوية أولاً لتنفيذ الالتزامات القائمة واسترداد الحقوق المترتبة، قبل أي انتقال إلى مسارات فنية أو سياسية أوسع.

وفي موازاة هذا التشدد السياسي، سجلت الساحة الإقليمية مؤشراً عملياً على استعادة تدريجية لبعض الحركة المدنية، مع إعلان القنصلية الإيرانية في دبي عن هبوط أول رحلة طيران من طهران إلى دبي بعد حرب رمضان، في خطوة تعكس محاولة مدروسة لإظهار أن إيران تعمل على إعادة وصل بعض القنوات الاقتصادية واللوجستية، من دون أن يعني ذلك عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب أو قبل التفاهم.

وخلاصة المشهد أن طهران تتعامل مع المرحلة الراهنة وفق معادلة دقيقة: لا تفاوض جديد مع واشنطن الآن، لكن تنفيذ صارم لمذكرة التفاهم، ولا تدويل لأمن هرمز، بل إدارة إيرانية-إقليمية له، ولا تجاوز لملف الأموال المجمدة بوصفه جزءاً من استحقاقات ما بعد الحرب. وبينما تصر إيران على أن أبواب الحوار مع الجوار مفتوحة، فإنها في الوقت نفسه تُبقي يدها على الملفات الحساسة جميعاً: أمن الخليج، الملاحة في هرمز، الأموال المجمدة، وآليات الرد على أي خرق جديد. وبهذا، تبدو طهران في صدد تثبيت مرحلة جديدة عنوانها أن ما بعد الحرب لن يُدار بالشروط الأمريكية القديمة، بل وفق موازين فرضتها إيران في الميدان وتسعى الآن إلى ترجمتها سياسياً وأمنياً واقتصادياً.

spot_imgspot_img